العنوان لماذا يستمر الدعم؟.. هل تسعى الدول الداعمة للانتحار؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1982
مشاهدات 72
نشر في العدد 572
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 25-مايو-1982
عندما يتساءل المواطن في البلدان العربية الإسلامية لماذا تستمر الدول العربية الغنية في دعم أحد الأنظمة في المنطقة، فالمواطن لا يبحث- في الحقيقة- عن جواب وإنما يعبر عن مدى دهشته واستغرابه من استمرار هذا الدعم، على الرغم من أن ذلك النظام «المدعوم» أعلن إعلانًا لا يقبل التأويل: أنه خارج على الإجماع العربي والإسلامي، عابث بالمصالح العربية والإسلامية، مساوم على أخطر قضايا الأمة، ومتاجر بمصيرها وأمن شعوبها، وهو- بعد هذا كله- مجاهر بمواقفه هذه كلها في أكثر الصور فجاجة يستخدم لذلك أساليب لا تخرج عن إطار القرصنة والإرهاب، والبلطجة السياسية بكل ما تعنيه هذه الكلمات من دلالات محددة.
وإذا كان المواطن في بلادنا يظهر دهشته واستغرابه، فإن المراقبين الأجانب يحارون في قضية استمرار الدعم هذه، ويعلقون على ذلك بقولهم: هل تسعى الدول الداعمة إلى الانتحار؟! ولا ريب في أن لتساؤلات المواطن ولحيرة المراقبين الأجانب مسوغات قوية لا يمكن التغاضي عليها أو التهاون في تقديرها:
فعلى الصعيد الدولي أثبت ذلك النظام «المدعوم» أنه اختار أن يلعب على حبال التنافس الدولي بين الشرق والغرب، كي يضمن الاستمرار لنظامه الذي يواجه ثورة شعبية عارمة تهدد بإسقاطه، فعلى حين يرفع لافتة تحمل شعارات شرقية، يمارس في الوقت نفسه سياسة تخدم الخطط الأمريكية في ممارساتها العملية؛ وإلا فما معنى سحق الفلسطينيين في تل الزعتر والكرنتينا وبستان الباشا؟ وما معنى تحجيم المقاومة الفلسطينية، وضرب بعض فصائلها ببعض، «واعتقال» القرار الفلسطيني ليكون رهينة في يد ذلك النظام عن طريق الضغط المباشر بوساطة قواته؟! أليس هذا كله لإرغام المقاومة الفلسطينية أن تدخل بوابة الاستسلام الإسرائيلي مذعنة راغمة؟! أوليس هذا هو ما تريده إسرائيل، وما خططت له أمريكا وبدأت بتنفيذ شقه السياسي في كامب ديفيد؟!
ويعتقد النظام «المدعوم» أنه لابد- لاكتمال اللعبة- من الإقدام على بعض العمليات الاستفزازية التي تمنح شعاراته الشرقية مسوغًا ولو مفتعلًا، فيقوم بعقد معاهدة للتعاون والصداقة مع السوفيات، ويجري بالاشتراك مع قواتهم البحرية مناورات على الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط في العام الماضي، ويسكت عن غزوهم لأفغانستان، بل يعمد إلى إعطائه مبررات، تنسجم في الحقيقة مع موقف ذلك النظام «المدعوم» المعادي للإسلام.
وعلى الصعيد الإقليمي يبدو النظام أشد وضوحًا، سواء فيما يتصل بالقضية اللبنانية والقضية الفلسطينية، أو هو على صعيد العلاقات العربية، وفيما يتعلق بحرب الخليج.
ولقد صار من مكرور القول الإشارة إلى أن الدور الذي مارسه النظام «المدعوم» على الساحة اللبنانية طوال ست سنوات ونيف كفيل أن يدينه إدانة لا تقبل المواربة فقد دخل جيش ذلك النظام لبنان تحت شعار الحفاظ على الأمن اللبناني، ودعم الفلسطينيين، ومنع التقسيم، وما نظن أن أحدًا يماري في النتائج الخطيرة التي ترتب على سياسة النظام المدعوم حيال المهام الثلاث التي أنيطت به أو أناطها بنفسه.
أوليس غريبا بعد هذا كله أن يستمر تقديم الدعم إلى ذلك النظام تحت تلك الشعارات نفسها؟!
وإذا راجعنا مواقف النظام على صعيد العلاقات العربية فلابد أن نعجب كيف يستمر الدعم لنظام جعل همه الأول أن يصدع الصف العربي، ويدأب على شل القرارات العربية التي تتعلق بقضايا استغل النظام هيمنته عليها عبر قدراته في لبنان، ولعل من سخريات التاريخ المعاصر أن يتحول مفهوم الصمود والتصدي للعدو الصهيوني إلى مفهوم الصمود والتصدي للأشقاء العرب!
ثم بلغ انحراف «المدعوم» ذروته في الموقف الذي اتخذه من حرب الخليج. فقد كان المأمول أن ينهج فرقاء المنطقة جميعًا نهج السعي إلى وقف الحرب بكل الوسائل الممكنة، والعمل على وضع حد لنزف الدم, دم الشعوب الإسلامية في هذه المنطقة، والاستنزاف: استنزاف طاقات هذه الأمة وثرواتها وهي أشد ما تكون حاجة إلى تلك الطاقات والثروات.
وإذا كان موقف النظام المدعوم من حرب الخليج لا يخرج عن سياق سياسته التي سلكها طويلًا، فإن الذي يحتاج إلى جواب: كيف يستمر الدعم لنظام «يكرس» كل جهد لاستمرار تلك الحرب المفجعة، وينشط لتسعير مدة الصراع بين شعبين مسلمين في منطقتنا؟ أوليس من التناقض الذي لا قبل لأحد بالسكوت عليه: أن نتوجه إلى وقف حرب الخليج ثم ندعم نظامًا يحول هذا الدعم إلى وسيلة لاستمرار الحرب؟!
وعلى صعيد ممارسات النظام نفسه في داخل البلد الذي يحكمه، تتجلي للجميع حقائق مؤسية، وتختفي أية مسوغات لاستمرار الدعم له، وما نظن أن ما اقترفه ذلك النظام ضد أبناء الشعب يمكن أن يقترفه غاز من الغزاة إلا أن يكون فيه بربرية هولاكو وجنون نيرون وحقد القرامطة.
ولسنا ندري كيف يمكن أن يكون التضامن مع الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني والشعب الأفغاني.. قضايا مهمة خطيرة ثم تجاوز قضية ذلك الشعب المبتلي بذلك النظام «المدعوم»؟!
إن المذابح الجماعية التي قام بها ذلك النظام في مدنه وقراه وتدمير معظم مدينة أبي الفداء «حماة» على رؤوس المواطنين، وذبح أبنائها واستباحتها كأشنع ما يمكن تصوره.
إن ذلك كله جعل من جرائم الصهاينة والمستعمرين في بلادنا فواجع يسيرة- على فداحتها- إذا قيست بما فعله ذلك النظام. وأما السجون التي غصت بعشرات الآلاف من المواطنين، وأما أقبية التعذيب الوحشي وما يمارس فيها.. فلم يجد ذلك النظام من يقاضيه فيما اقترف بها طوال سنين، ويذكرنا سياق الحديث عن الإرهاب الداخلي بما قام به ذلك النظام من عمليات الإرهاب على الصعيدين العربي والدولي، ليس أقلها قتل الدبلوماسيين أو اختطافهم، والعدوان على المراكز الثقافية والإعلامية التي تكشف جانبًا من الحقائق التي لا يرضى ذلك النظام عن إظهارها.
وبعد: أو ليس من بدهيات الحكمة أن نقوم بمراجعة الحساب؟ وإلى من يقدم الدعم إذن؟ وفي سبيل ماذا أيضًا؟ وكيف يجد أحد مسوغًا أمام الله ثم أمام التاريخ إذا مد يدًا بدعم- أي دعم- لنظام تقول لنا نتائج محاسبته: إنه ينفذ سياسة تفضي إلى دعم العدو الصهيوني، وتمزيق الشمل العربي والإسلامي وإهدار مصالح أمتنا والعبث بمصيرها.
أو ليس من حق المواطن- بعد هذا- أن يبدي دهشته واستغرابه؟!
أو ليس من الأمور المعقولة جدًا أن يعلق بعض المراقبين الأجانب على استمرار الدعم بسؤالهم: هل تسعى الدول الداعمة إلى الانتحار؟