; لماذا يسعون للحوار مع «حماس»؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يسعون للحوار مع «حماس»؟!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1879

نشر في الصفحة 11

السبت 28-نوفمبر-2009

يبدو أن القضية الفلسطينية تتجه نحو تغييرات مهمة في المرحلة القادمة، ويبدو أن تغييرًا كبيرًا سيطول كبار اللاعبين الفلسطينيين في الساحة، وأعني بالدرجة الأولى «السلطة الفلسطينية» وحركة «حماس».

ومن يلقي نظرة على حصاد الأداء والإنجازات للفريقين خلال العقد الأخير يلاحظ أن هناك تعثرًا في أداء «السلطة» وانتقالها من فشل إلى فشل.. فشل في ملف التفاوض مع العدو الذي ظلت تلهث وراءه ما يقرب من عشرين عامًا.. فشل في الأداء الحكومي تدل عليه روائح الفساد التي تزكم الأنوف.. وفشل على صعيد البناء الداخلي تؤشر عليه حالة التآكل في نسيج المنظمة والسلطة معًا، وحالة التشرذم بين قادتها، وهو ما ينبئ بغروب شمس هؤلاء إن أجلًا أو عاجلًا، ذلك إن لم تغير في استراتيجيتها وتتخلص من رجال العدو الصهيوني بين جنباتها.. ولذلك فإنها تعاني من عزوف جماهيري على الصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي، ولم يعد يسند وجودها سوى معسكر ما يسمى بـ «السلام» في بلادنا، والبيت الأبيض بالطبع!

وتلك الحالة البائسة دفعت الرئيس عباس وسلطته إلى طبخ وإخراج حكاية عزوفه عن الترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة.. يأسًا أو قناعة بأنه لم يعد له دور!

على الطرف الآخر، فقد تبوأت «حماس» مكانة كبيرة في الساحة تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم، وقد صنعتها بجهادها ودماء قادتها وأبنائها، بدءًا من الشيخ المؤسس أحمد ياسين حتى آخر طفل في غزة.. ومن هنا فإن «حماس» تكبر وتتماسك، بينما السلطة تتهاوى.

وكنت أتمنى -مثل كثيرين غيري- أن تلملم السلطة شعثها، وتعيد دراسة مواقفها من المفاوضات بعد الصفعات المتتالية التي وجهتها إليها الحكومات الصهيونية المتتالية، وآخرها حكومة «نتنياهو»، وتعيد تطهير نفسها من الفاسدين، وتعود فصيلًا وطنيًا خالصًا، وتنفض عن كاهلها تكبيلات وضغوط العدو، وتصطف مع تيار المقاومة ليكون الجميع على قلب رجل واحد نحو تحرير الوطن.. لكن يبدو أن أمنياتي وأمنيات غيري أشبه بالسراب!

ومن هنا، فلا غرابة من القول: إن الاهتمام بـ«حماس» والحوار معها يتزايد، لمحاولة التوصل إلى رؤى حول الموقف من التعامل مع العدو، ويؤكد ذلك مؤشران مهمان:

الأول: على الصعيد الغربي «أوروبا والولايات المتحدة»: تتسارع الحركة نحو «حماس» للحوار والتفاهم، سعيًا للوصول إلى أرضية مشتركة، ذلك بعد أن كان الجميع يجرم مجرد الاتصال بالحركة، ويضعه في خانة المحرمات السياسية، لكن الوضع انقلب الآن، بل وأكثر من ذلك فإن القناعة لدى المجتمع الصهيوني تتزايد بضرورة الحوار مع «حماس».

والثاني: نتائج استطلاع الرأي الذي نشره موقع صحيفة «معاريف» الصهيونية على الإنترنت، يوم الرابع عشر من نوفمبر ۲۰۰۹م، والذي أفاد بأن أكثر من ٥٠% من الشعب اليهودي يؤيد إجراء مفاوضات مع «حماس»، ويلاحظ أن هناك تغيرًا في النسبة في الموقف من «حماس» لدى الصهاينة، فمنذ سنوات كانت النسبة الغالبة تلح على مواصلة العدوان حتى يتم سحق «حماس»، أما وقد فشل الجيش الصهيوني في ذلك، وتحطمت أسطورته على صخرة غزة، ثم قيام «حماس» بتطوير قدراتها العسكرية، حيث أجرت تجربتين صاروخيين، وصل مدى الصاروخ الأخير منها إلى قلب تل أبيب وفق ما نشرته صحيفة «معاريف»، في اليوم نفسه الذي نشرت فيه نتائج الاستطلاع، فقد قالت الصحيفة: «إن حركة حماس قامت يوم الجمعة ١٤ نوفمبر الجاري، بإجراء تجربة ناجحة أخرى لإطلاق قذيفة صاروخية بعيدة المدى. وأكدت مصادر صهيونية نبأ إجراء التجربة، مشيرة إلى أن «صفارات الإنذار انطلقت الساعة الثالثة من ظهر الجمعة في تجمعات جنوب الكيان الصهيوني السكانية، بعدها تبين أن صاروخًا أطلق من شمال القطاع باتجاه البحر في تجربة صاروخية الحماس».

ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية صهيونية قولها: «إن التجربة الصاروخية الجديدة تتيح للصاروخ الجديد الوصول إلى مدی ٧٥ كم، وهو ما يعني وقوع أكثر من 3 ملايين صهيوني تحت تهديد الصواريخ».

ترى، هل اتصالات «حماس» السرية المزعومة مع «إسرائيل» التي روج لها الرئيس الفلسطيني في حواره الأخير مع (BBC) هي التي جعلت أكثر من نصف الشعب الصهيوني يوافق على إجراء مفاوضات مع «حماس»، أم أن سبب ذلك فشل الجيش الصهيوني في غزة، ثم تنامي قوة «حماس» بدرجة مذهلة؟!

هؤلاء القوم لا يقبلون حوارًا حقيقيًا، ولا يقدمون على قيد أنملة من التنازل إلا إذا كان سيف القوة على رقابهم.. وسيف القوة الحقيقي اليوم مع «حماس»، وليس مع «السلطة»، ولذلك سنرى في مقبل الأيام مزيدًا من التغير في الموقف الصهيوني والغربي باتجاه «حماس»، ليس لدمجها أو تذويبها أو إرغامها على القبول بشروط الرباعية، وبالاعتراف بـ «إسرائيل»، وكل تلك الترهات الفارغة، وإنما للوصول معها إلى موقف يقدم الصهاينة من خلاله تنازلات حقيقية لصالح الدولة الفلسطينية المنشودة، في إطار هدنة وليس اتفاقية سلام، أو «أوسلو» جديدة، وأعتقد أن «حماس» التي أدارت الحرب بكفاءة عالية، وتدير مفاوضاتها في كل شؤونها بالكفاءة نفسها، ستدير أي اتصالات مع وكلاء العدو الصهيوني بكفاءة دون التفريط في ثوابتها المقدسة، والمفاوضات الدائرة بحق الجندي «شاليط» خير مثال على ذلك.

لقد عجزوا عن القضاء على «حماس» وتغييبها عن الساحة، فلم يعد أمامهم إلا التفاهم، و«حماس» التي لم تفرط في ثوابتها تحت ضربات أبشع حملة عسكرية، وتحت مطارق أطول حصار في التاريخ لن تفرط في ثوابتها تحت أي ظرف آخر، ومن هنا فإن الأيام القادمة ستشهد مزيدًا من الحضور لها، في مقابل أفول نجم «السلطة» ومعه «معسكر الاستسلام» إلى غير رجعة بإذن الله.

الرابط المختصر :