العنوان لماذا يعض أفورقي ديكتاتور إريتريا اليد السودانية التي أحسنت إليه؟
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر
مشاهدات 19
نشر في الصفحة 26
قصة المؤامرة
الإريترية على السودان
·
خطة
الهجوم على الجبهة الشرقية وضعت في أسمرة بحضور أفورقي والمتمرد جارانج والميرغني.
·
أفورقي
يهرب من المشكلات الداخلية بإصطناع الخلافات مع جيرانه.
·
بعد
التقدم الذي أحرزه الجيش السوداني.. بدأت الضغوط على الخرطوم للعودة إلى
المفاوضات.. ومن بين الضغوط: الخيانة الإريترية.
الهجوم المفاجئ من حركة
التمرد في جنوب السودان المدعوم لوجستياً وبشرياً من إريتريا أستهدف ثلاثة أهداف
حيوية، وهي مدينة همشكوريب القرآنية، ومدينة كسلا الإستراتيجية، وطريق الخرطوم
بورسودان الحيوي.
مدينة همشكوريب لا أهمية عسكرية
لها، بل من هذه الناحية يعد إحتلالها خطأ فادحاً، فهي لا تضم إلا مراكز تحفيظ
القرآن للنشء والكبار من شتى أنحاء السودان، وهي منطقة مكشوفة وقد أحتلت عام ۲۰۰۰م
وحررت بسهولة في العام نفسه، وقد تمكنت حركة التمرد من إحتلال همشكوريب بالكامل
وتوعدت الحكومة بطردهم من المدينة قريباً.
ولكن الحركة عجزت عن تحقيق
الهدفين الآخرين: كسلا وطريق الخرطوم بورسودان، وإن ادعت أنها قطعت الطريق، ولكن
تبين كذب هذا الإدعاء، فالطريق أمن موصول.
أتهم السودان رسمياً إريتريا
بالضلوع في الهجوم، وعلمت المجتمع من مصادرها الخاصة أن الإتهام صحيح، والتورط
الإريتري لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه.
خطة الهجوم وُضعت في أثناء
زيارة المتمرد جون جارانج لأسمرا، وإجتماعه بأسياس أفورقي رئيس النظام الإريتري
ومحمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني وزعيم طائفة الختمية.
الخطة المرسومة قضت بنقل جنود
من حركة التمرد وتحديداً من أولئك الذين ينتمون إلى قبيلة الدينكا التي ينتمي
إليها جون جارانج والموالين له بطائرات أوغندية إلى حدود إريتريا مع السودان، لفتح
جبهة قتال جديدة في الشرق.
والسؤال: لماذا الهجوم الجديد
على الجبهة الشرقية في الوقت الذي تبذل فيه كينيا كرئيس لدول الإيجاد الجهود لجمع
الطرفين حول طاولة المفاوضات مرة أخرى، وفي أثناء وجود الوسيط الكيني «لازاراس
سيمبويا»؟
حركة التمرد لها دوافعها
الخاصة التي تتعلق باستراتيجيتها وأساليبها التكتيكية:
1-
الدافع
الأول من الهجوم هو أن القيادة السودانية أطلقت يد
القوات المسلحة بعد خيانة حركة
التمرد لها في أثناء إنعقاد المفاوضات في مشاكوس وإحتلالها مدينة توريت الإستراتيجية
في شرق الإستوائية، وبالفعل تحرك الجيش السوداني في كل الإتجاهات، وتدفقت جموع
المجاهدين المساندة ودعم القوات المسلحة، وتلقت حركة التمرد ضربات موجعة في كل
المحاور وهي الإستوائية، وغرب النوير في أعالي النيل ومحور الكرمك في النيل
الأزرق، ورأت الحركة أن الجيش وقوات الدفاع الشعبي قد ضيقوا عليها الخناق في كل
مسارح العمليات وحاصروا مدينة توريت تمهيداً لتحريرها بعد تحرير كل النقاط المهمة،
وبالفعل تم تحرير توريت في أثناء إدعاء الحركة قطع طريق بورسودان - الخرطوم في الجبهة الشرقية.
شعرت
الحركة أنها فقدت زمام المبادرة في كل المناطق، حيث تم تأمين مناطق البترول في غرب النوير، وتحرير عشر نقاط
ومواقع في النيل الأزرق.
إزاء هذا التقدم السريع، فكرت
حركة التمرد في فتح الجبهة الشرقية بالتنسيق مع أعداء السودان والعرب والمسلمين
التقليديين في إريتريا وأوغندا، ابتغاء تشتيت جهود القوات السودانية المتمركزة على
جبهات الجنوب.
2- الدافع الثاني:
هو أن الوسطاء من دول الإيجاد وشركاءها من دول الغرب المسيحي وأمريكا -وكلهم
منحازون لحركة التمرد بحكم تكوينهم الفكري والنفسي والمصلحي- شعروا بالحرج وهم
يرون إنهيار قوات حركة التمرد خاصة أمام الضربات المركزة لسلاح الطيران السوداني،
فتحركوا لنجدة الحركة بحجة درء كارثة إنسانية متوقعة بسبب نقص الغذاء والكساء، ولا
سيما وقد أنسحبت منظمات الإغاثة من «جوبا» فور سقوط توريت في يد حركة التمرد، ظناً
من هذه المنظمات التابعة للأمم المتحدة، أن جون جارانج سيتجه صوب جوبا لإحتلالها،
وإعلان دولته الإنفصالية من هناك.
الوسطاء تحركوا لإنقاذ حركة
التمرد ومارسوا ضغوطاً على الحكومة السودانية للعودة الطاولة المفاوضات، ولكنهم
جوبهوا بموقف حازم من الحكومة، وهو لا عودة إلى المفاوضات إلا بعد تحرير توريت
بالكامل، خاصة وقد قدم السودان فلذات أكباده في هذه المعركة، وعلى رأسهم العالم
المجاهد الشيخ أحمد حاج نور نائب مدير جامعة إفريقيا العالمية وكوكبة من المجاهدين
من شباب السودان من الأطباء والمهندسين والجامعيين.
تؤكد تحريات المجتمع أن
الحكومة السودانية تعرضت لضغوط رهيبة ومكثفة من قبل أمريكا بالذات للعودة لمشاكوس،
ولكنها صمدت ووضعت شروطاً عدة للعودة، وهذه الضغوط جاءت بعد تأزم موقف حركة التمرد
العسكري في جميع الجبهات، لقد كان السودان باكمله يعيش حالة إستنفار قصوى بعد
الاستجابة الشعبية العارمة لنداء الاستنفار وهذه الحالة تشكل آخر حرب نفسية تتعرض
لها قوات جارائج المتمردة، مما جعل الروح المعنوية لها في أدنى الدرجات.
لذا كان الهجوم الكبير على
الجبهة الشرقية في شرق السودان بغية خلط الأوراق، ورفع الروح المعنوية لمليشيات
جارانج، بالإعلان عن الهجوم بضجة إعلامية كبرى، شاركت فيها حتى الفضائيات العربية
للأسف.
مستقبل مشاكوس
في سياق الجهود المبذولة لجر
الحكومة السودانية إلى طاولة المفاوضات التي قطعت بعد سقوط توريت جاء إلى الخرطوم
الوسيط الكيني الجنرال «لازاراس سيمبويا»، مبعوثاً من الرئيس الكيني أراب موي،
وقضى ثلاثة أيام في مفاوضات متواصلة مع مسؤولين سودانيين وقيل إنه جاء بأفكار
وآراء جديدة تحث الحكومة السودانية على التفاوض، ويبدو أن الوسيط قد توصل إلى وعد
من الحكومة بالعودة إلى المفاوضات «في الرابع عشر من أكتوبر» بشروط جديدة، لابد أن
تتحقق منها وقف إطلاق النار والحصول على ضمانات بألا تتكرر خيانة حركة التمرد
للعهود والمواثيق، وبغير تلك الشروط فإن العودة الطاولة المفاوضات لا طائل من
ورائها والحكومة غير مستعدة لأن تلدغ من جحر واحد مرتين، ولا مجال لإضاعة الوقت
والمال والجهد بلا فائدة.
وفي إفتتاح الدورة الجديدة
للمجلس الوطني «البرلمان»، أكد الرئيس عمر البشير إلتزام الحكومة بقضيتي الوفاق
والسلام كبندين أساسيين في برنامج العمل الوطني، وأضاف أن موقف الحكومة سيظل ثابتاً
وواضحاً بالا تراجع عن الإتفاق الإطاري الذي وقع في مشاكوس ولا عودة الطاولة
الحوار إلا بعد تهيئة الأجواء المواتية للتفاوض، تدعمنا في ذلك قطاعات المجتمع
الداخلي كافة والأشقاء والأصدقاء بالخارج الذين تفهموا موقف البلاد.
دوافع النظام الإريتري
هناك جامع يجمع بين قائد حركة
التمرد في السودان «جارانج» ورئيس النظام الإريتري أسياس أفورقي وهو أنهما صليبيان
يريدان حكم الأغلبية المسلمة في السودان وإريتريا لصالح الصليبية العالمية
والصهيونية العالمية ولم يعد سراً العلاقات الوثيقة بين الرجلين، وبين الكيان
الصهيوني، لدرجة أن أفورقي إذا مرض لا يطلب العلاج إلا في مستشفيات تل أبيب.
ولكن ما الدوافع التي جعلت
إريتريا تتورط في هجوم مسلح ضد جارتها، على الرغم من كونها عضواً في منظمة الإيجاد
التي تتوسط الإحلال السلام في السودان، ولماذا تفتح هذه الدولة -التي معظم سكانها
مسلمون يتحدثون اللغة العربية بطلاقة- أراضيها لقوات التمرد؟
المتتبع للأحداث في المنطقة
يعلم أن هذه ليست المرة الأولى التي تعتدي فيها إريتريا على السودان، وإنما بدأت
ذلك منذ عام ١٩٩٣م، وهو العام الذي نالت فيه إريتريا إستقلالها، ولا ينكر أحد أن
السودان له الفضل الأكبر في إستقلال إريتريا، وله أفضال خاصة على أسياس أفورقي،
الذي عاش في الخرطوم أيام حربه ضد منجستو حاكم إثيوبيا الشيوعي إلى أن نالت إريتريا إستقلالها.
السودان الذي وقف مع إريتريا
قرابة ثلاثين عاماً، أستضاف خلال هذه الفترة أكثر من مليون لاجئ إريتري عوملوا
كأنهم سودانيون وما زال كثيرون منهم يعيش في السودان رافضين الرجوع الطوعي إلى
إريتريا، كما أن السودان كان أول دولة تعترف بالكيان الوليد.
إذن لماذا بعض أفورقي اليد
التي أحسنت إليه ويجعل لسان حال السودانيين يقول: أتق شر من أحسنت إليه؟
الدوافع كثيرة، نذكر منها على
سبيل المثال
لا الحصر:
أولاً:
يعيش الرئيس الإريتري في شك مريب من جميع جيرانه الذين عاداهم بلا مبرر مفهوم
أفورقي يتوجس خيفة من علاقات التنسيق بين السودان وإثيوبيا واليمن ويعتقد أنه موجه
ضده ويهدد نظامه الآيل للسقوط أصلاً، رغم أن السودان أكد له مراراً أنه لا يتحالف
مع دولة ضد أخرى.
ثانياً:
يعيش النظام الإريتري أزمة داخلية طاحنة سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإقتصادياً، ففي
خلال شهر واحد فر أكثر من عشرين دبلوماسياً، وطلب جميعهم حق اللجوء السياسي في
أقطار مختلفة، ومنهم سفير إريتريا في السودان الذي لجأ إلى سويسرا.
وتقول تقارير موثقة واردة من
الداخل: إن الصراع
قد تفاقم بشكل خطير بين أعضاء التنظيم الحاكم الجبهة الشعبية، وتكونت مجموعة
الإصلاحيين التي تعارض سياسات وتصرفات رئيس النظام أفورقي خاصة إستعداءه لجيرانه،
هذا الإستعداء الذي يفتقر للياقة واللباقة وحقوق الجوار، فقد أعتدى من قبل على
السودان واليمن، ودخل حرباً خاسرة مع إثيوبيا، وتتكرر إعتداءاته على السودان.
مجموعة الإصلاحيين تقوم بنشاط
إعلامي مكثف لفضح سياسة أفورقي الإستبدادية، وتورد صحيفة أخبار اليوم السودانية سبعة
مبادئ لمجموعة الإصلاحيين الذين يعملون للإطاحة بأفورقي هي:
1- عدم التدخل في الشؤون
الداخلية للسودان
خاصة ودول منطقة البحيرات عامة.
2- تطوير العلاقات مع دول
الجوار العربي وإعادة النظر في العلاقات مع ليبيا.
3- إعتماد اللغة العربية لغة
رسمية للبلاد.
٤- مساواة الدين الإسلامي مع
الدين المسيحي في الدولة.
5- إنتهاج سياسات إقتصادية
سليمة تفيد المواطن
في معاشه اليومي.
6- تأسیس نظام دستوري ودولة
مؤسسات.
7- وقف الحرب مع إثيوبيا.
وبالإضافة لتحركات مجموعة
الإصلاحيين في الداخل، فقد أفادت الأنباء الواردة من الخارج أن المعارضة الإريترية
التي تعيش في الخارج شكلت قيادة موحدة للإطاحة بالنظام وتتخذ هذه المعارضة أديس
أبابا عاصمة إثيوبيا مقراً
لها.
ثالثاً:
أفورقي أسير الشعور بالعظمة ربما يغذيه اليهود الذين يلتفون حوله، فهو يعتقد أنه
زعيم القرن الإفريقي، وله أن يلعب دوراً قيادياً ليكون شرطي أمريكا واليهود في
المنطقة، لذلك يتطلع إلى أدوار أكبر من قدراته الفكرية والنفسية وأعظم من حجم
دولته، والأدوار الكبيرة لا تُلعب بسبب الطموحات والتطلعات، وإنما بالثقل السكاني والثروة والموقع الإستراتيجي.
أفورقي في نظر شعوب المنطقة
وحكامها رجل أدمن الغدر بالمعاهدات، وضرب عرض الحائط بالمواثيق والأعراف
الدبلوماسية، حيث ظل يوجه
طعناته في جميع الإتجاهات.
رابعاً:
الدافع الرابع ناتج من الدافع الثالث، فأفورقي يريد توسيع مساحة دولته الضيقة وهو
بهذا التصعيد للعمل العسكري في شرق السودان يريد فتح ملف الحدود بين السودان
وإريتريا بإدعاء أن مدينتي همشكوريب وكسلا ذواتا سيادة إريترية منذ العام ١٩٨٤م،
إبان إحتلال
إيطاليا للمنطقة.
وقد جاء هذا على لسان حاكم
الإقليم الجنوبي الإريتري ولد ميكائيل قبل الهجوم بأيام فقط.
خامساً:
الأفورقي حقد تاريخي ضد شرق السودان عامة، وعلى مدينتي كسلا وهمشكوريب مدينة
القرآن، فقد فشل أفورقي أيام الحرب ضد نظام منجستو في الحصول على أي نفوذ لجبهته
الشعبية اللادينية في المنطقة، لذلك فهو يعاني مشكلة نفسية، ويخاف من تأثير هذه
المنطقة الإسلامية الخالصة على نظامه المتعصب للأقلية المسيحية في إريتريا .
سادساً:
ثمة سبب سادس يذكره المراقبون، وهو أنه يعاني مشكلة داخلية بحتة تتجسد في أن هناك
عدداً كبيراً من المحاربين يقدر بعشرات الآلاف وهم مجموع الشباب الذين حاربوا من
أجل الإستقلال ثم أصبحوا بلا عمل، وخرجوا في مظاهرات مطالبين بحقهم في غنائم الإستقلال،
ولإمتصاص هذه المطالب يوجه أفورقي هذه الجموع للقتال ضد الجيران خوفاً من أن ينقلب
عليه هذا الجيش، فهو نظام لا يستطيع أن يعيش بلا حروب، لأن السلام عنده يعني حل مشكلات هذه الآلاف.
سياسات الرئيس الإريتري
أفورقي قصيرة النظر تجاه جيرانه، وهو بهذه السياسة لا يصلح لأن يكون عضواً في
الإيجاد، ولا وسيطاً للسلام لا هو ولا موسيفيني حاكم أوغندا، فكلاهما مع حركة
التمرد يمدانها بالمال والسلاح والرجال ويفسحان الأرض لها للتحرك لوجستياً، فكيف
تقبل الحكومة السودانية هؤلاء وسطاء ربما تكون لكينيا وإثيوبيا مصداقية، أما هذان
فلا مصداقية لهما أبداً، ويجب نفض اليد عنهما ورفض وساطتهما.
واشنطن تهدد السودان بمصير
العراق
الكونجرس يفرض عقوبات.. وبوش
يحرك دمى الجوار للضغط
القاهرة: محمد جمال عرفة
بعد ساعات قليلة من إصدار
الكونجرس الأمريكي بمجلسيه قراراً بتفويض الرئيس بوش بالتعامل مع الملف العراقي
بما فيه توجيه ضربة عسكرية، أصدر الكونجرس ذاته قراراً مشابها يوم ١٢ أكتوبر
الجاري، يفوض بوش فرض عقوبات علي السودان «إذا رأت الحكومة الأمريكية أنه لا
يتفاوض بحسن نية مع متمردي حركة جون جارانج، أو يعيق وصول المساعدات الإنسانية إلى
الجنوب»!!.
الغريب أن القانون الذي وقّع
عليه الكونجرس وينتظر توقيع بوش أطلقوا عليه اسم «قانون سلام السودان»، وقالوا فيه
إنه يتعين على الإدارة الأمريكية أن تقرر كل ستة أشهر ما إذا كانت الحكومة
السودانية وحركة جارائج تتفاوضان بنية حسنة، ولكنهم حمّلوا حكومة البشير العبء
الأكبر ومسؤولية فشل المفاوضات مستقبلاً بالنص في المشروع على: «إنه إذا انتقدت
الإدارة الأمريكية الحكومة (السودانية) -وليس حركة التمرد- فستصوت الولايات
المتحدة حينئذ ضد القروض التي تقدمها الهيئات الدولية للسودان، والتفكير في خفض العلاقات
الدبلوماسية معه، ومحاولة منع الحكومة من إستخدام عائدات النفط الشراء أسلحة،
والسعى لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يفرض حظراً على الأسلحة على الخرطوم»!!..
ولم ينس مشروع الكونجرس
مطالبة وزير الخارجية الأمريكي بجمع معلومات عمّا أسماه جرائم الحرب المحتملة،
وحرب الإبادة، والجرائم ضد الإنسانية التي أرتكبتها أطراف الصراع السوداني.
وكان قد سبق ذلك بأسبوع دعوة
من مجلس النواب الأمريكي للتحقيق فيما سماها «جرائم حرب في السودان»، وتقديم
المسؤولين عنها للمحاكمة وطلب مشروع قرار -أيدته أغلبية ٣٥٨ عضواً، و عارضه ثمانية
نواب فقط- من الرئيس بوش إعادة النظر في العلاقات الدبلوماسية مع الخرطوم بخفضها
أو تعليقها في حالة «عدم عودة حكومة هذا البلد إلى مفاوضات السلام بروح مخلصة من
أجل إنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ عقدين في جنوب البلاد»، وطلب المشروع من
وزير الخارجية أيضاً جمع معلومات عن المسؤولين السودانيين، الذين يمكن أن يكونوا
متورطين في ما سماها الجرائم التي تصنف على أنها جرائم حرب أو إبادة، أو جرائم ضد
الإنسانية، بغية ملاحقتهم وتقديمهم للمحاكمة!.
إبتزاز للضغط على الخرطوم
لا يمكن فهم سر كل هذا الغضب
الأمريكي على حكومة الخرطوم بعيداً عن سير المعارك في الجنوب والشرق، وبعيداً عن
التصور الأمريكي لوضع السودان ومنطقة شرق إفريقيا ككل.
فليس سراً أن هناك أطماعاً
أمريكية في بترول السودان، ومحاولات لتركيع حكومة الخرطوم، وفرض الوجود الجنوبي
الوزاري في حكومتها المقبلة، لضمان تمرير قرارات معينة، وليس سراً أن هناك رغبة
أمريكية -تحدثت عنها مصادر غربية عديدة، وأشار إليها الصادق المهدي رئيس الوزراء
الأسبق- في البحث عن موطئ قدم للوجود العسكري الأمريكي في شرق إفريقيا للسيطرة على
بترول المنطقة وضمان قواعد تحرك ومناطق إمداد.
كما أن التحرك الأمريكي النشط
لحل أزمة جنوب السودان والضغط على المتمردين للقبول ببروتوكول مشاكوس، لم يأت حباً
في السودانيين، ولكنه جاء في إطار رغبة أمريكا في فرض أوضاع في المنطقة تعهد لإستقدام
قواتها وفرض نفوذها.
ومادامت مشكلة جنوب السودان
هي الأكثر تأثيراً على توتير الأوضاع هناك ويسببها تدهورت العلاقات بين غالبية دول
المنطقة في شرق إفريقيا، فقد تم التركيز عليها، خصوصاً أنها مدخل مهم لإفريقيا
التي تضعها واشنطن ضمن أولوياتها في المرحلة الأخيرة بعد ظهور بشائر قوية على إنتاج
البترول ووجود إحتياطيات له.
ويبدو أن المشكلة الحقيقية في
التعامل بين حكومة السودان، وإدارة بوش الحالية ترجع الخلافات أمريكية داخلية،
وتصورات متباينة بين الكونجرس -الذي تسيطر الجماعات التبشيرية على تصوره نحو
السودان- والإدارة فهذه الأخيرة تنظر للخرطوم نظرة إيجابية نسبياً، بسبب سرعة إستجابة
الخرطوم للتهديدات الأمريكية عقب ۱۱ سبتمبر، والمبادرة بالتعاون أمنياً مع واشنطن
في إطار حملتها ضد ما تسميه بالإرهاب، في حين ينظر الكونجرس إلى الخرطوم كدولة
أصولية، ترعى تجارة الرقيق وتقتل الجنوبيين
المسيحيين!.
وقد نجحت الإدارة في نقل
تصوراتها بشأن التعامل مع الخرطوم والإستفادة من دوره في تعزيز النفوذ الأمريكي
بالمنطقة إلى الكونجرس، بيد أن عودة المتمردين للسلاح وإحتلالهم بعض المناطق في
الجنوب، وبخاصة مدينة توريت وإعلان الخرطوم الجهاد مرة أخرى لإستعادة المناطق
المحتلة، أثار مخاوف واشنطن من فشل مشاكوس، فحاولت ردع الخرطوم بسلاح العقوبات كي
ترضى بالأمر الواقع.
ومشكلة إدارة بوش -في ظل حالة
النشوة العسكرية التي تسيطر عليها- أنها تصورت أن الخرطوم سترضخ وتقبل بإحتلال
المتمردين لتوريت، دون أن تدرك أن السودانيين لهم حساباتهم الخاصة في التعامل مع
التمرد، وأن أحد دعامات حكم البشير أنه حرر مدناً ظل يسيطر عليها التمرد منذ
الخمسينيات ومنها توريت وكبويتا وغيرهما، ولا يعقل بعد ١٢ عاماً في السلطة أن يعود
المتمردون للسيطرة على هذه المدن!.
تعاملت واشنطن مع الخرطوم من
منطلق التأديب والغضب، فعادت لتحريك الدمى في الدول المجاورة وعلى رأسها إريتريا
التي أطلقت لجام حركة التمرد وبعض فصائل المعارضين السودانيين المسلحين على أرضها
ليحتلوا مدينة همشكوريب في شرق السودان، ويحاولوا تهديد طريق الخرطوم -بورسودان-
الذي تمر منه غالبية إحتياجات السودان من الخارج عبر ميناء بورسودان.
ودفع هذا الرئيس السوداني
البشير لإتهام إريتريا بالخيانة، وقال: إن الحكومة الإريترية تصرفت بشكل غريب
عندما تبنت سياسة الخيانة، والعداء ضد بلد طالما كان يمد لها يد المصالحة والتسامح
والدعم.
بل إن البشير أرسل رسائل
تحذير واضحة لواشنطن برفضه وقف القتال حتى إستعادة توريت و همشكوريب، وبلغ التحدي
قوله إنه لن يوافق على وقف إطلاق النار حتى يستعيد همشكوريب، فيما تحركت الجامعة
العربية لتطالب بإحترام سيادة وسلامة الأراضي السودانية، ومنح مساعي السلام فرصة
لتجنب إراقة المزيد من الدماء.
مشاكل بالجُملة تنتظر مفاوضات
مشاكوس
ورغم ذلك، فقد وافقت الخرطوم
على إستئناف مفاوضات السلام مع المتمردين كي لا تغضب واشنطن، ولكنها أبلغتها بوضوح
أن الحرب لن تتوقف حتى تستعيد توريت وهمشكوريب، ولهذا قال مراقبون إنها دخلت
مفاوضات مشاكوس - ٢ التي بدأت يوم ١٤ أكتوبر الجاري، وهي أقوى بعدما أستعادت توریت.
ولكن الحقيقة أن المعارك
الأخيرة كشفت المشكلات الحقيقية التي سوف تواجهها مفاوضات مشاكوس الحالية، خصوصاً
أن الطرفين يرفضان وقف إطلاق النار، وإن كانا يتحدثان عن «هدنة»، كما أن هناك
خلافات بالجملة حول تصورات المرحلة الإنتقالية
المقبلة وأبرز الخلافات هي:
-
يطالب
الجنوبيون بأن يتم تأجيل وقف إطلاق النار إلى ما بعد التوصل لإتفاق شامل، في حين
تطالب الخرطوم بوقف إطلاق النار فوراً.
-
بالنسبة
للمؤتمر الدستوري المزمع عقده الوضع دستور جديد، تعتبره الحكومة مؤتمراً لإنجاز
دستور إتحادي مركزي شامل، فيما تعتبره حركة التمرد مدخلاً لإشراك كل قوى المعارضة
الشمالية والجنوبية، وتطبيق الديمقراطية التعددية.
-
يطالب
المتمردون بأن تضم الحكومة الإنتقالية قوى المعارضة الأخرى في التجمع الوطني
السوداني، وحزبي الأمة والإتحادي، فيما تقصره الحكومة على النظام الحالي في
الخرطوم، إضافة إلى ممثلين للجنوب بصفته الجغرافية.
-
هناك
خلافات بشأن توزيع الثروة في الجنوب والشمال، وتوزيع عائدات البترول «واشنطن تساند
المتمردين في هذا الطلب».
-
وفيما
يتعلق بقضية الجيش والسلاح أكد ياسر عرمان -المتحدث باسم الحركة- أن الحركة تطالب
بجيش لكل من الكيانين «الشمالي والجنوبي». بالإضافة إلى تحديد حدود الكيان الجنوبي،
وتوزيع الثروة -خاصة النفط- وإعادة هيكلة السلطة المركزية ومؤسساتها السيادية
والتشريعية، في حين ترفض الخرطوم فكرة الجيشين.
-
من
المحاور الشائكة في المفاوضات تحديد حدود الكيانين: الجنوبي والشمالي إذ تتمسك
الحكومة بالحدود التقليدية للجنوب وفق خارطة ١٩٥٦، لكن الحركة تريد -بالإضافة إلى الجنوب
التقليدي وفق تلك الخارطة- ضم منطقة إيبي وجبال النوبة وجبال النيل الأزرق
محللون سودانيون وصفوا هجوم
حركة جارانج على مدينة توريت مؤخراً بأنه «حمل كاذب»، وقصدوا بذلك أن جارائج لم
يحارب سوى لأنه خشي إنفراط عقد فصائل حركة التمرد الأخرى من مناطق النوبة وإيبي، ممن
لم يشملهم بروتوكول مشاكوس، وأتهموا جارانج بالخيانة، وكادوا ينشقون عليه، فلجأ
لأي عمل عسكري لضمان توحد حركته، والضغط على الخرطوم لضم مناطق أخرى في الجنوب
للمفاوضات!.
وربما أختار جارانج توريت
تحديداً للهجوم عليها، لأنها أول مدينة أنطلق منها التمرد في الخمسينات، ومن توريت
أنطلقت شرارة الحرب الأهلية في السودان المستمرة إلى يوم الناس هذا، كما أن هذه
المدينة التي خسرها المتمردون في معارك «صيف العبور» عام ۱۹۹۲م، بعد أن كان جناح جارانج
يسمي باسمها «جناح توريت» هي المدخل المدينة جوبا عاصمة جنوب السودان، والسيطرة
عليها قد تفتح طريقاً لجوبا.
ومن هنا أعلنت الخرطوم أنها مُصرة
-كما جاء في مذكرتها لسكرتارية منظمة «إيجاد» الإفريقية التي ترعى المفاوضات- على
التعامل مع القضايا المستقبلية، وعدم مناقشة ما تم الإتفاق عليه في جولة مشاكوس
الأولى في العشرين من شهر يوليو الماضي.
وقال الأمين العام للحزب
الحاكم في السودان الدكتور إبراهيم عمر إن الحكومة زُودت وفدها المفاوض بتوجيهات
محددة حول أجندة التفاوض للجولة القادمة، وتشمل قسمة الثروة والسلطة والإجراءات
الأمنية وحقوق الإنسان.
معارك توريت وهمشكوريب
الأخيرة قد تكون مفيدة بالتالي الحكومة البشير أكثر منها لحركة التمرد وواشنطن
بالنظر لحالة النشاط وعودة الروح إلى الجيش والشعب السوداني للدفاع عن أرضه ضد
المؤامرات الخارجية، حيث خرج السودانيون إلى الشوارع كما فعلوا منذ عشر سنوات وأمتلات
مراكز التطوع التابعة لجيش الدفاع الشعبي.
ولا شك أن هذه الروح سوف
تنعكس على المفاوضات من جهة، والموقف من واشنطن من جهة أخرى، حيث أثارت سياسة فرض
الضغوط والعقوبات الأمريكية غضب السودانيين، الذين ما فتئوا يشيرون إلى تشبيه
خيانة واشنطن بخيانة إريتريا، وأن على الخرطوم أن تتجه إلى ما يخدم مصالحها فقط
كما تفعل واشنطن وغيرها.
تداعيات التورط الإريتري
بعد كشف التورط الإريتري
الكبير في دعم قوات جارانج قرر السودان تقديم شكوى ضد إريتريا لمجلس الأمن والإتحاد
الإفريقي والجامعة العربية.
وكشف «الفريق محمد بشير
سليمان» الناطق باسم القوات المسلحة السودانية -في مؤتمر صحافي 7 أكتوبر- دلائل
التورط الإريتري في الهجوم على شرق السودان وقال إن إريتريا قدمت دعماً كاملاً
بالإعداد والتنفيذ، فقد تحركت ۸ كتائب من داخل إريتريا من منطقتي «ردة وقادماييكا»
وانطلقت منهما مستهدفة إحتلال مدينة كسلا -ثاني أكبر مدينة في شرق السودان بعد
بورتسودان- وقطاع همشكوريب والسيطرة على الطريق البري بين «الخرطوم - بورتسودان»،
كما كشف عن وجود منسقين إريتريين بين قوات جارانج والمعارضة أسماؤهم معروفة
للسودانيين.
وقال «د. مصطفى عثمان» وزير
العلاقات الخارجية السوداني في لقاء صحافي - ٥ أكتوبر: «إن العدوان الإريتري على
السودان ليس غريباً لأن كل العمليات العسكرية ضد السودان تعلن من أسمرا، وحركة
التمرد تعلن كل عملياتها العدوانية من داخل إريتريا لأن أسمرا فتحت لها أراضيها
للتدريب وتأهيل مقاتلي الحركة والتجمع، وكذلك الإذاعة المعارضة موجودة في أراضيها».
وكشف الوزير السوداني أن إستراتيجية
الحكومة السودانية تقوم على سياسة حسن الجوار مع كل الدول، وقد نجحت مع الكل بإستثناء
إريتريا التي كانت مواقفها في كافة المحافل الدولية ضد السودان، وعلى المستوى
الأمني تنطلق عمليات من داخلها إلى السودان الضرب أنبوب البترول، وزرع الألغام
التي مات بسببها ٤٣٠ سودانياً عند الحدود السودانية الإريترية.
وبعد تقديم السودان لتقرير عن
التورط الإريتري في الهجوم على 8 مناطق في شرق السودان قرر الجهاز المركزي لآلية
فض النزاعات التابع للإتحاد الإفريقي في إجتماعه يوم 11 أكتوبر في العاصمة
الإثيوبية أديس أبابا إرسال بعثة إلى السودان وإريتريا لتقصي الحقائق والأوضاع على
الحدود بين البلدين.
وكشفت مصادر سياسية واسعة الإطلاع
في العاصمة الإريترية أن الرئيس أسياس أفورقي قام بإعتقال «سبحات أفريم» وزير
الدفاع بسبب إعتراضه على الهجوم على السودان، وقام بتكليف وزير الخارجية تولي مهام
وزير الدفاع، مما أحدث هزة داخل النظام الإريتري وإستياء بالغين من هذا الهجوم غير
المبرر على السودان. وقالت تلك المصادر إن الإجتماع الذي خطط فيه للهجوم على شرق
السودان حضره الرئيس الإريتري بنفسه وجون جارانج زعيم حركة التمرد وبعض القيادات
العسكرية والسياسية الإريترية بجانب شخصية أمريكية على مستوى مؤثر في صناعة القرار
الأمريكي.
ويأبى أفورقي صاحب العلاقات
المشبوهة مع الكيان الصهيوني، وصاحب الأحلام الزائفة إلا أن يبني إمبراطورية كبرى
في شرق أفريقيا على حساب شعبه المقهور وبالإعتداء على جيرانه بدلاً من إحترام
خصوصية كل شعب وسيادته.
حجم الإعتداءات الإريترية على
السودان:
۱- ديسمبر ۱۹۹۳م قدمت إريتريا
شكوى لمجلس الأمن ضد السودان بزعم أن حركة الجهاد الإريتري تسللت من السودان إلى داخل
إريتريا.
2- الخامس من ديسمبر ١٩٩٤م
قطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع السودان.
3- ۲۳ مارس ١٩٩٥م قامت
إريتريا بمهاجمة السودان بدعم أمريكي واضح.
٤- ٢٣ يونيو ١٩٩٥م أستضافت
إريتريا مؤتمر القوى المعارضة للحكومة السودانية الذي أقر مبدأ العمل المسلح
لإسقاط الحكومة.
5- نوفمبر 1995م شاركت قوات
إريترية في الهجوم على منطقتي مقري وفرجوك في جنوب السودان بالتنسيق مع أوغندا.
6- يناير ١٩٩٦م أستضافت
إريتريا المعارضة المسلحة وقدمت لها مبنى السفارة السودانية في أسمرا.
7- إبريل ١٩٩٦م هاجمت قوات
إريترية قرية مديسيسه.
8- مايو ١٩٩٦م أصدرت إريتريا
خريطة لها تضمنت أراضي سودانية فيها مدينة كسلا.
۹- ٢١ يوليو ١٩٩٦م هاجمت قوات
إريترية محطة «أبو قمل».
١٠- 6 سبتمبر ١٩٩٦م هاجمت
قوات إريترية نقطة للشرطة السودانية في منطقة «عواض».
١١- ٢٠ سبتمبر ١٩٩٦م هاجمت
قوات إرترية حراسة سودانية في منطقة «القرضة».
۱۲- ۷ أکتوبر ١٩٩٦م اجتمعت
المعارضة السودانية بأسمرا وصدر بيان فحواه أنه بمساندة قوات إريترية هاجموا نقطة
جنوب مدينة كسلا.
۱۳- ۱۱ ديسمبر ۱۹۹۷م أعتدت
قوات إريترية على منطقة همشكوريب وقتلت عدداً من السودانيين.
١٤- ۱۹۹۸ م هاجمت القوات
الإريترية مناطق «فلسة» و «عواض» و «أبو قمل» وقتلت عدداً من السودانيين.
مايو ۱۹۹۹م ألتقى الرئيس
السوداني البشير الرئيس أفورقي في الدوحة ووقعا معا «إتفاق الدوحة» وبعد إتفاق
الدوحة ألتقى الرئيسان مرة أخرى في مدينة سرت الليبية.
۱٥- ۱۹ أبريل ۲۰۰۰م توغلت قوة
إريترية في الأراضي السودانية وهاجمت منطقة عين وقطرنيت.
١٦- ٣ أكتوبر ۲۰۰۲م هاجمت
القوات الإريترية مرة أخرى مدينة همشكوريب بجانب نقاط أخرى في جبهة طولها ١٨٠ كم،
وقامت بإمداد قوات جارانج بالذخيرة والعتاد والعربات لشغل الحكومة السودانية عن
مواصلة إنتصاراتها على حركة جارائج في جنوب السودان.
التقسيم.. في شرق إفريقيا
السيد الشامي
بعد عام على أحداث الحادي عشر
من سبتمبر يقف كل من السودان والصومال على حافة التقسيم، وما يجري في السودان ليس
إلا حلقة في مسلسل تقسيم الوطن العربي والإسلامي إلى دويلات أو دول ضعيفة يسهل
التأثير عليها حتى تمشي في ركاب الغرب والأمريكان. ولعل من المفارقات أن يكون
التقسيم في منطقة القرن الإفريقي من نصيب دولتين عربيتين وإسلاميتين هما: السودان،
والصومال، السودان إلى دولتين أو ثلاث، والصومال إلى ثلاث دول الخطوة الأولى في
مسلسل التقسيم يجري الإعداد لها في السودان تحت رعاية أمريكية، وإذا نجحت كان
الصومال هو المرحلة التالية، وهو مهيأ لهذا التقسيم.
حكومة السودان أستشعرت خطورة
الموقف بعد مرور ما يقرب من شهرين على إتفاق مشاكوس فسارعت إلى تعليق المفاوضات
وأعلنت التعبئة العامة.
ففي عقب سقوط مدينة «توريت»
أحد أهم المدن في جنوب السودان في أيدي قوات الجيش الشعبي بزعامة جون جارانج أمر
الرئيس السوداني عمر البشير
فريق المفاوضين بالعودة من مشاكوس إلى الخرطوم وتعليق المفاوضات، وفي الوقت ذاته
أعلنت التعبئة العامة في الجيش وفُتحت معسكرات التدريب أمام الشباب وتبدل الخطاب
السياسي والإعلامي ليواكب هذه التطورات حيث وصف البشير جارانج بالخائن بعد أن وصفه
سابقاً بالوحدوي وعاد الوصف التقليدي للجيش الشعبي بالمتمردين.
تعليق المفاوضات خيب آمال
الأمريكان في طبخ تسوية سياسية على النار الأمريكية، وفي المقابل نالت الخطوة
السودانية القبول والغرتياح من جانب جارتها الشمالية مصر التي رأت في الإتفاق
تجاوزاً لدورها وتهديداً لمصالحها الحيوية وأمنها القومي، وقد نشطت محاولات
الوسطاء خصوصاً كينيا والولايات المتحدة للضغط على الحكومة السودانية للعودة إلى
المفاوضات، إلا أن الأخيرة طالبت بضرورة إصلاح الخلل الذي ترتب عليه تعليق
المفاوضات ووضعت الحكومة السودانية من جانبها شروطاً لإستئناف المفاوضات من أهمها:
وقف التصعيد العسكري وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الإستيلاء على مدينة توريت ووقف التحركات الرامية
للإستيلاء على مناطق جديدة والشروع في ترتيبات لوقف شامل لإطلاق النار، وقد رفضت
كل من واشنطن والحركة الشعبية هذه الشروط وعارض مساعد وزير الخارجية الأمريكي
للشؤون الإفريقية وولتر كونستانير مطالب الخرطوم بوقف الأعمال العدائية إلا بعد
تقسيم الثروة والسلطة، كما روجت دوائر الإستخبارات الأمريكية تقارير عن نقل تنظيم
القاعدة نهباً من باكستان إلى السودان، كما جاء في تقارير إعلامية غربية أن
الكونجرس قد يقرر فرض عقوبات على السودان في حالة عدم التوصل لإتفاق سلام مع
المتمردين خلال سنة أشهر.
ويظل السؤال:
هل كان إحتلال توريت السبب الوحيد لتعليق المفاوضات وإعلان التعبئة العامة في صفوف
الجيش والحكومة السودانية؟
الوفد الحكومي قدم أربعة
أسباب لتبرير إنسحابه كان آخرها إحتلال توريت، وتتلخص هذه الأسباب في:
1- رؤية النظام القائلة إن الحركة طرحت
الكونفدرالية، وهذا لا يتناسب مع بروتوكول ما شاكوس.
2- مطالبة الحركة بعاصمة قومية لا تطبق فيها
الشريعة الإسلامية، ولعل هذا ما جعل البشير يعلن أمام حشد من السودانيين في مقر
القيادة العامة للجيش «ستظل الخرطوم عاصمة إسلامية لا محايدة ولا علمانية».
3- مطالب الحركة بضم جبال النوبة وجنوب النيل
الأزرق ومنطقة إيبي لجدول المفاوضات، ورأت الحكومة في هذا المطلب تراجعاً من
الحركة عن تفاهم مشاكوس حيث عادت الحركة لتطرح موضوعات حسمت في الجولة الأولى من
المفاوضات مثل علاقة الدين بالدولة وحدود الكيان الجنوبي وإتجاهها إلى الإنفصال
بدلاً من الوحدة والحرب بدل السلام.
4- إحتلال
توريت ثاني أكبر مدن الجنوب بعد شهرين من إستيلاء الحركة الشعبية على مدينة كبويتا
قرب الحدود الكينية، الأمر الذي حقق للحركة أكبر إنتصاراتها العسكرية، ولم يتبق
أمامها في كل ولاية شرق الإستوائية سوى مدينة.
أمام هذه الأسباب والمعطيات
لم يكن أمام الحكومة من خيار سوى تعليق المفاوضات وإعلان التعبئة العامة لقطع
الطريق على محاولات للإنقلاب على النظام ربما من الجيش نفسه، إحتجاجاً على تفاهم
مشاكوس، وكذلك وقفاً لمسلسل التنازلات الذي أغرى الحركة الشعبية بإحتلال توريت
وريما جوبا والخرطوم ذاتها التي صرح جارانج أنه لن يستريح حتى يصل إليها. ولم تلبث
الخرطوم أن وافقت على العودة إلى المفاوضات دون أن يبدو أن أيًا من مطالبها قد أستجيب
له! فلا توريت تحررت ولا الحركة سحبت مطالبها، الأمر الذي يطلق العنان للقول بأن
الخرطوم أستجابت للضغوط.
فماذا يمكن أن تجني في الجولة
الجديدة من المفاوضات؟.
د. أحمد علي الإمام - مستشار
الرئيس السوداني لشؤون التأصيل:
إتفاقية السلام تؤيد تطبيق
الشريعة في السودان.. ولا تعارضها
الخرطوم: حاتم حسن مبروك
تتفاعل الأحداث وتتسارع في
السودان في ظل مفاوضات السلام بين الحكومة وحركة جون جارانج، ويثار كثير من
الشبهات حول موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، وعلمانية العاصمة، وجهل كثير من غير
المسلمين بما لغير المسلمين من حقوق محفوظة لا تتوافر في ظل أي نظام بشري آخر. ومن
أجل توضيح هذه الحقائق ألتقت المجتمع د. أحمد علي الإمام - مستشار الرئيس لشئون التأصيل،
لإستجلاء عدد من القضايا:
·
بصفتكم
مستشاراً لرئيس الجمهورية لشؤون التأصيل، ما تعليقكم على ما أثير مؤخراً بشان شروط
إنجاح جولات التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية، وهل يتطلب تحقيق السلام.. التنازل
عن تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان؟
-إن من يقول بأن الحكومة تتنازل الآن عن
تطبيق الشريعة لتحقيق السلام، إما أنه لا يتابع مساعي الحكومة الطويلة السابقة
لإحلال السلام، وإما أنه لم يطلع على نصوص الإتفاق الإطاري الذي تم التوقيع عليه
بين الحكومة والحركة «بروتوكول مشاكوس».. فالمساعي السابقة قد تمخضت عن إتفاقية الخرطوم
للسلام بين الحكومة وفصائل منشقة عن الحركة الشعبية عام ١٩٩٧م وهي إتفاقية
دستورية، وقد أعتمدها الدستور عام ۱۹۹۸م، وفيها الإلتزام بالحرية الدينية، والضمان
لحقوق المواطنة، كما فيها إعتماد الشريعة والعرف كمصدرين أساسيين للتشريع على
المستوى القومي مع إستثناء الولايات الجنوبية من التشريعات ذات المصدر الإسلامي أو
الديني.
أما الإتفاق الإطاري الأخير
فلم يخرج عن هذه القواعد، فالبند ( 3-۲-2) ينُص على أن «التشريع الذي يُسن قومياً،
والذي له أثر على الولايات الأخرى دون جنوب السودان سوف يكون مصدره الشريعة وإجماع
الأمة»، وينص البند ( ٣ -۲-۲) على أن «التشريع الذي يُسن قومياً، والمطبق على
الولايات الجنوبية سيأخذ مصدره التشريعي من إجماع الأمة، وقيم شعب السودان
وأعرافه، بما فيها تقاليده ومعتقداته الدينية، وذلك على إعتبار تنوع السودان».
وهو المضمون نفسه الذي جاء
بدستور السودان عام ۱۹۹۸ م كما جاء في المادة (٦٥) تحت مصدر التشريع «الشريعة
الإسلامية وإجماع الأمة إستفتاء ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع».. هذا مع إعتبار
الأخذ بإتفاقية الخرطوم للسلام في الدستور كأحد الثوابت «المادة ۱۳۷، والمادة ۱۳۹»
وربما تكون إتفاقية السلام النهائية
أفضل مما جاء بدستور ۱۹۹۸م فيما يتعلق بالشريعة كمصدر للتشريع، وذلك من تأكيدات
الأخ الرئيس البشير يوم
٢٧ أغسطس الماضي بقوله: «إن الإتفاق نص على أن الدين هو الهادي والموجه لأهل
السودان بحيث تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في الشمال، وديانات أهل
السودان هي مصدر التشريع في الجنوب»، كما أكد الرئيس أيضاً: «إن الشريعة سيكون
موقفها في الإتفاقية القادمة أفضل مما كان عليه في دستور ۱۹۹۸م». وقد استشهد
الرئيس بما قاله المبعوث الأمريكي للسلام في السودان
-جون دانفورث- في تقريره من
أنه لا يمكن إجبار السودان على إلغاء الشريعة.
وأكثر من ذلك، فإن عملية
السلام القائمة على تنظيم دولة مركبة ومجتمع متعدد تُعد أوفر الفرص الإبراز قيم الإسلام
العليا في تحقيق التعايش الديني بين المِلل، والتلاقح الثقافي بين الحضارات، وفي
ضمان ما يطلبه العالم من حقوق الإنسان وما يقابلها ويزيد عليها في فقهنا من الحقوق
والواجبات والحرمات، وهي قمة تتقاصر دونها المواثيق الدولية حيث يلحق الإسلام هذه
الحقوق بالحرمات «حرمة الحياة وحرمة الحرية» فعن حرمة الحياة يقول تعالى ﴿مَن
قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا﴾
(المائدة: ٣٢).
وعن حرمة الحرية وبتعبير آخر
عن طلاقة المشيئة والإختيار كما قدر الله تعالى ﴿وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(هود: ۱۱۹) وأيضاً فإنه لا إكراه على الدين كما يخاطب القرآن العظيم رسول الله ﷺ ﴿وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
(يونس: 99)، ويظل المسلمون يقرءون في كتاب الله عز وجل منذ الفترة المكية ما تقدم
كما يقربون في المدينة النبوية ﴿لَا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
(البقرة: ٢٥٦)، فرعاية هذه الحرمات من الواجبات الدينية، وهو مستوى أكبر من
الإلزام القانوني أو الإلتزام الأخلاقي.
وهكذا فإن السلام وما يعقبه
من تنظيم للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في السودان لهو من دواعي تطبيق
الشريعة الإسلامية، وليس من دواعي التنازل عنها، لأن تطبيق الشريعة هو الضمان
الأوثق لتحقيق حقوق الإنسان.
كما أن تطبيق الشريعة في مثل
هذا المجتمع التعددي قمين بإحياء حركة الإجتهاد الجماعي ومن ذلك أتخاذنا صحيفة
المدينة مرجعية لتنظيم علاقات المسلمين وغيرهم في إطار المواطنة.. وهي وثيقة تعتبر
أول دستور إتحادي في التاريخ لتنظيم مجتمع متعدد المِلل والنحل.
وبالطبع فإن الشريعة
الإسلامية منهاج حياة متكامل لإقامة المجتمع الفاضل المتراحم المتكافل الذي تسوده
العدالة الإجتماعية، كما هي منهاج التأسيس الحكم الصالح، الذي يقوم على الشورى
والمناصحة.. هذه وغيرها من مقاصد الشريعة وأحكامها هي التي تبرز فضائل الإسلام على المناهج الأخرى، وهو ما تسعى
الحكومة لإبرازه من خلال إتفاق السلام في هذه الظروف العالمية التي صار فيها
الإسلام مستهدفاً بالعداوة والعدوان.
·
ماذا
عن الحديث المتكرر من قيادات الحركة الشعبية عن حتمية نقل العاصمة القومية في
المستقبل لتصبح «علمانية» لا تُحكم بدين أو تنقل من مقرها في الخرطوم إلى مكان
آخر؟
-إنها على تقدير صحة نسبتها
لا تتعدى كونها أراء ومواقف يعلن عنها البعض، قبل المفاوضات.. ونحن من جانبنا نؤكد
أننا لا نفرط في أمر ديننا ولا خيار لنا من بعد لقوله تعالى ، ﴿وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾
(الأحزاب: 36)، ﴿إِنَّمَا
كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:
51)، ومن الضروري الإمساك عن أي تعليق على مثل هذه الآراء والمواقف ما دامت
المفاوضات جارية وفي سرية.
·
وهل
يقع ظلم على حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم الذي يحكم بقوانين الشريعة
الإسلامية؟
-بالطبع لا.. فالإسلام هو
أكبر دعوة للعدل كأمر إلهي ﴿۞
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ
وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾
(النحل: 90)، والوضع الذي توصل إليه الطرفان في الإتفاق الأخير هو كما أسلفنا أن
تكون الشريعة هي المصدر الأول الأساسي للتشريع في الشمال، وأن يكون إجماع الأمة
وتقاليدها وأعرافها ومعتقداتها الدينية «ويدخل فيها الإسلام» مصدر التشريع في
الجنوب.. وسيكون العدل الشامل هو مصدر العلاقات بين الأغلبية المسلمة والأقلية غير
المسلمة في الشمال العدل السياسي، والعدل الإقتصادي والعدالة الإجتماعية والعدالة
القانونية والقضائية وستكون للخصوصية الثقافية حرمتها ورعايتها.
لقد برهنت الحضارة الإسلامية
تاريخياً على أنها بمثابة أمن وعدالة لسائر أهل الكتاب الذين عاشوا في كنف دولتها ﴿۞
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
(النساء: ٥٨)، وقد أحتمى بعدالتها اليهود والنصارى في وجه
الإستبداد والإضطهاد اللذين مارستهما الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية، على
رعاياهما من الشعوب التي وقعت تحت نيرهما.. وقد فضلت تلك الشعوب، كالأقباط في مصر
مثلاً، الحكم الإسلامي العادل على الهيمنة الرومانية، رغماً عن «مسيحية
الإمبراطورية الرومانية». لقد أعتبرت حركة المد الإسلامي بمثابة حركة تحرير لهذه
الشعوب من الهيمنة الرومانية والفارسية.
والإسلام لم يُكره أهل الكتاب
من تلك الشعوب على إعتناقه بدليل البقية الباقية من أهل الكتاب على ملتها حتى
اليوم، بينما أختارت الأغلبية الإسلام عن طواعية بعد أن شهدت عدالة حكمه وعايشت
المُثل العُليا الأخلاقية التي كان عليها حكامه.
ويعد السودان في هذا العصر
نموذجاً لمجتمع تعددي يمارس التعايش الديني والتلاقح والتمازج العرقي وبصورة
طبيعية فريدة، حيث يبرز المواطنون المسلمون في معاملاتهم وعلاقاتهم قيم الإسلام في
البِر والقسط مع المواطنين غير المسلمين، مما يشهد به كل زائر أو مقيم أجنبي، وكل
مراقب منصف.. ولقد توالت الشهادات بذلك من المواطنين السودانيين المسيحيين سواء
كانوا من القادة الدينيين أو السياسيين.. وآخر هذه الشهادات ذات الإعتبار الخاص ما
أدلى به الخبير القانوني الكبير أبيل ألير نائب رئيس جمهورية السودان الأسبق -الذي
يعتبر بمثابة الأب الروحي لدى المواطنين الجنوبيين «في صحيفة أخبار اليوم
السودانية 27/ 8/ 2002»- من أنه «لا توجد دولة تماثل السودان في تسامحه الديني بما
في ذلك الدول الأكثر تقدماً في الغرب أو الشرق».
لقد ضمنت الشريعة الإسلامية
لأهل الكتاب حرية العبادة، والتعليم الديني، وحرية الخصوصية في العلاقات الأسرية،
علاوة على المشاركة في حقوق المواطنة.
فلا ظلم ولا قهر، ولا غمط في
الحقوق الغير المسلمين في ظل الشريعة الإسلامية، وإنما هي علاقة البِر والقسط،
مادام السلام والعدل أساس العلاقات كما هو التوجيه القرآني ﴿عَسَى
ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم
مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (7) لَّا يَنۡهَىٰكُمُ
ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم
مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ
يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾
(الممتحنة: 7-8).
فليس هو العدل فحسب، وإنما
معه البِر. لقد كان الجهاد وسيلة لنا لتحقيق السلام، وكان الجنوح للسلام يوافقه
منا تجاوب للسلام، وعسى الله أن يحفظنا ويرد عنا كيد البغاة.. وأكثر من ذلك نسأله
تعالى أن يؤلف بيننا أجمعين ﴿وَإِن
جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ
ٱلۡعَلِيمُ (61) وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيۡنَ
قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ
قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾
(الأنفال: 61-63).
وهذه قيمة إسلامية عُليا لا
بد أن يدركها غير المسلمين عن الإسلام.. وسيكون من هذا السلام خير كثير بإذن الله
من حقن للدماء، وتوفير للموارد، ووحدة جامعة، وذلك ببركة التوكل على الله ﴿وَتَوَكَّلۡ
عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ (الأنفال:
٦١) ونعمة الإستمساك بشرع الله ﴿فَمَن
يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
(البقرة: 256) .