; لمحات تربوية من قصة يوسف | مجلة المجتمع

العنوان لمحات تربوية من قصة يوسف

الكاتب ناصر خطاب

تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002

مشاهدات 70

نشر في العدد 1521

نشر في الصفحة 54

السبت 05-أكتوبر-2002

المجتمع التربوي

 الله يبتلي المصطفين ليجتبيهم ويمحصهم ليخلصهم ويصيبهم ليقربهم

  • الداعية الحصيف يغتنم الفرص الملائمة لتوصيل فكرته وتبليغ دعوته 

  • المؤمن الصادق لا يتردد في خدمة مجتمعه وأمته إذا أحس في نفسه قدرة على العطاء.

ناصر خطاب 

دعوة الأنبياء والرسل واحدة، وموقف الكافرين والمكتبين منها واحد على من الأزمنة والعصور، فكل الأنبياء والمرسلين دعوا إلى توحيد الله سبحانه وأفراده بالعبادة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾ (الأنبياء: ٢٥). 

ولأن هذه الدعوة تقتضي سلب ذوي القوة والجبروت قوتهم وجبروتهم، وتقف حجر عثرة دون رغبات ومطامع ذوي الأهواء والشهوات - باعتبار أن الناس كلهم في ميزان الحق سواء لا فضل لغنيهم على فقيرهم، ولا لقويهم على ضعيفهم، ولا لجنس على جنس أو لون على لون إلا يتقوى الله والعمل الصالح – لأن الأمر كذلك...

كان موقف الجاحدين المستكبرين في الأرض واحدًا مع اختلاف أنبيائهم وأزمانهم دافعهم واحد منطقهم واحد منهجهم في الصد عن دين الله واحد، وإن اختلف في الأسلوب والوسيلة تبعًا لمستحدثات العصور، ومستجدات الأزمنة.

 لذلك، فإن القرآن الكريم اشتمل على كثير من قصص الرسل السابقين ومواقفهم مع أممهم. تسلية لقلب الرسول الكريم كله، وبيانًا لسنة الله في الدعوات، فهي كثيرًا ما تلقى آذانًا صمًا، وأعينًا عميًا، وقلوبًا غلفًا، وليس أمام الداعي وقتئذ إلا الصبر والدعاء: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾ (الأنعام: ٣٤).

وقصة يوسف -عليه السلام- تجسد لونًا من ألوان الإيذاء، وصورة من صور الحقد والحسد أديا إلى التخلص من ذلك الفتى الذي اصطفاه ربه، وأثره بنعمة وفضل دون إخوته، وما درى هؤلاء أن في ذلك الإبعاد قربًا، وفي هذا التخلص اصطفاء. فكانت نعمة الله على يوسف فجعله من عباده المخلصين، فوق أن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.

وكان في تلك القصة لمحات تربوية، ومواقف للعبرة تحاول تجليتها:

اللمحة الأولى: علاقة عميقة بين الأب والسدود بينهم وبين أبنائهم، فهم دائمًا غائبون عنهم مشغولون عن عالمهم بداعي الكد والتعب، وتوفير متطلباتهم من مأكل وملبس، تاركين أبناءهم إما للأم وحدها تتابع وتربي، فتلاقي من ذلك كل العناء، فضلًا عن أن دورها من دون الآب منقوص، وتوجيهها وحدها محدود.

 بل إنه قد يكون بين الأبناء وأقرانهم ما لا يكون بينهم وبين آبائهم، يجدون الراحة لديهم، وحب الحديث إليهم، وغالبًا ما تكون التصرفات غير سديدة، والعواقب غير حميدة.

 أما العلاقة بين يوسف وأبيه، فإننا نلمح من وراء قوله «يا أبت» في قوله تعالى: ﴿إِذۡإِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾ (يوسف: ٤)، رصيدًا مذخورًا من العطف والحنان والتبسط من الآب للابن، حتى صار الأحب لقلبه، والأسمع لصوته، فكان من الأب يا بني، في قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)﴾ (يوسف: ٥)، حاملة كل معاني النصح والتوجيه.

اللمحة الثانية: المساواة في معاملة الأبناء وإظهار مشاعر الود لهم:

وإذا كانت هذه هي العلاقة بين الأب وابنه فينبغي ألا تكون لواحد من الأبناء دون إخوته حتى لا يحملهم ذلك على كراهيته والحقد عليه فيوجد العداء والصراع بين الإخوة، وهذا ما لمسه إخوة يوسف، إذ أحسوا بحب أبيهم له وتفضيله عليهم.

قد يكونون صادقين في ظنهم، وقد يكون الأمر غير ذلك، وأنهم خالجهم ذلك الشعور لإحساسهم بفضل يوسف -عليه السلام-  عليهم وبتمتعه بما لم يتوافر لهم من فضل يختص الله به من يشاء من عباده، فكان حقدهم عليه وكراهيتهم له، ومحاولتهم التخلص منه، ليصفو لهم ود أبيهم.

مما لا شك فيه أن الأبناء تتفاوت قدراتهم ومواهبهم، وقد يكون أحد الأبناء ذا موهبة فريدة وأبنائه.

في حكاية يوسف رؤياه لأبيه، ما ينم عن عمق العلاقة بين يوسف وأبيه، لقد وجد يوسف فيه الصديق والصاحب الذي يقص عليه، ويطلب منه نصيحة الأب الحاني، وصدق الصديق المخلص وموعظة الحكيم الرشيد.

تجعله مميزًا بين إخوانه، وذلك مما يلقي المسؤولية الجسيمة على عاتق الوالدين في التعامل مع أبنائهم، وفيهم مثل ذلك الابن الذي ستمتع بما لا يتمتع به إخوته، إذ من الضروري أن يحاول الآباء إزالة الأثر الناتج عن إحساس الأبناء بنقصهم عن أخيهم قد يميل قلب الوالدين إلى أحد الأبناء أكثر من إخوته، إما لصلاحه أو لصغر سنه، أو لموهبته وقدرته أو لكونه مغمور حاملًا بين إخوته فيكون الميل عطفًا وشفقة والأمر مقبول إلى هذا الحد.

ولا يجوز بحال أن يتخطى ذلك فيكون الميل والتفضيل في المعاملة، لأن الإنسان لا يملك قلبًا وإنما يملك تصرفه وفعله.

اللمحة الثالثة: حب لا يقعد عن طاعة ولا يوقع في معصية يجرنا ذلك إلى أمر آخر وهو أن حب الأبناء ينبغي ألا يتجاوز حده فيقعد عن طاعة أو يوقع في معصية، وذلك مما يفعله كثير من الآباء، حين يتخاذل عن مشايعة الحق ونصرته، ويتراجع في موقف يجدر به التقدم فيه ليؤيد حقًا ويرد باطلًا أو يناصر فكرة ويدحض شبهة، وما حمله على التخاذل وذاك التراجع إلا خوفه من التعرض أو الإيذاء واضعًا همه أبناءه وأسرته بين عينيه ومن لهم من بعده إذا أصيب بمكروه أو ضرر، وما ذلك إلا لضعف الإيمان بالله بأنه الذي بيده النفع والضر، وبأنه لا يكون قدره الله الذي يبتلي المؤمن ليصطفيه. 

حب الأبناء ينبغي أن يكون في إطاره المتنوع، فهم نعمة من الله وزينة الحياة، وقرة عين فيجدر أن يكون التعامل مع تلك النعمة معلوم بحقها بإحسان تربيتهم وتأديبهم وشكر أن من عليه ربه، وأن يوقن الإنسان أن الله كما منحه فإن له أن يأخذه، فيعيش بين الشكر على النعم، والصبر على النقم أمره بين هذا وذاك لخير.

اللمحة الرابعة: من شب على شيء شاب عليه:

أن التربية حسنت من المنشأ، وكان الأب قد ربى ابنه منذ نعومة أظفاره، بالتأديب والتوجيه فالابن وهو في عنفوان شبابه أمام اختبار. فيوسف حين راودته امرأة العزيز عن نفسه وطلبت منه مواقعتها، ثبت وحفظه الله من الوقوع في الرذيلة مع اكتمال مقوماتها وتهيؤ أسبابها حيث الشباب والحيوية وقوة الشهوة والمكان وإحاطته وتغليق الأبواب .

كل ذلك كان استحضار معية الله الذي يعلم السر وأخفى كما كان الوفاء بالجميل: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ (يوسف: ۲۲).

اللمحة الخامسة: الابتلاء للاصطفاء:

 ثم كانت سنة الله تعالى في المصطفين يبتليهم ليجتبيهم، ويمحصهم ليخلصهم، يصيبهم ليقربهم، يدخل السجن ظلمًا وبهتانًا، كما أبعده إخوته حقدًا وعدوانًا، فيصبر على ما ابتلي به لأنه يعلم أن قضاء الله كله خير، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، بل ولا يفوته وهو في وسط هذه المحنة المهمة العظيمة التي نيطت به، مهمة الدعوة والنصح فيدعو إلى توحيد الله وعبادته في سجنه ومحبسه، فدعوة الله لا تمنعها الحواجز ولا تقف دونها السدود ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)﴾ (يوسف: ٣٩).

اللمحة السادسة: حصافة الداعية وفطنته:

وهنا ملمح آخر تبرز فيه حصافة الداعية وفطنته، إذ لاحظ يوسف -عليه السلام-  إقبال صاحبيه عليه واستشرافهما إليه، وحب السماع منه، فقد أتيا إليه صاحبي حاجة طلباها عنده فوجدها فرصة مواتية لتوصيل فكرته وتبليغ دعوته.

وهكذا ينبغي أن يكون الداعية يتحين الفرص ويستثمر المواقف من أجل دعوته. 

اللمحة السابعة: الصلاح والتقى مفتاح الدعوة الناجحة:

وهنا نقف وقفة أخرى وهي لماذا جاء هذان الرجلان إلى يوسف وطلبا منه تفسير ما رأيا ولم يذهبا إلى غيره؟

الإجابة: إنهما لمسا فيه صلاحًا وتقى وأحسا فيه أمانة وصدقًا، ويبدو أن الإحسان كان صفة بارزة في يوسف -عليه السلام - حيث قالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) (يوسف: ٣٦).

بل إن إخوته قالوا له عندما أخذ أخاه في دين الملك وهم لا يعلمون أنه يوسف ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)﴾ (يوسف: ٧٨).

 لقد أسر يوسف -عليه السلام-  كل من تعامل معه بفعله الحسن وخلقه الكريم، وهذا رصيد كبير للداعية حين يحسن إلى الناس ويضحي من أجلهم ويسعى في خدمتهم ليس اصطناعًا وتكلفًا، وإنما سجية وطبعًا وحبًا أصيلًا للبر والخير، مما يكون له كبير الأثر في تقبل الدعوة وسماع النصح والإرشاد وحب الداعية والالتفاف حوله.

 اللمحة الثامنة: كاشف الضر هو الله وحده

 ولأن الله I يريد أن يصطفي يوسف -عليه السلام-  ويصنعه على عينه، كان له درس آخر عندما طلب من صاحبه الذي ظن نجاته أن يذكره عند الملك فأنسى الشيطان الرجل ذكر يوسف -عليه السلام- ، فلبث في السجن بضع سنين ليرشده إلى أن المدعو والمرجو لكشف الضر إنما هو الله وحده، ولبيان أنه ينبغي الأنبياء الله وأصفيائه أن يكون توكلهم عليه وحده دون غيره من خلقه، لأنه سبحانه بيده الأمر كله.

 اللمحة التاسعة: خدمة المجتمع والأمة من علامات الإيمان:

ولما ظهر أمر يوسف وتجلت براءته أمام الجميع، مما اتهم به وأخرجه الملك ليستخلصه لنفسه، طلب يوسف -عليه السلام-  من الملك أن يجعله على خزائن البلاد، ولم يكن ذلك منه حبًا في منصب أو طلبًا لسيادة، فلقد أخرجه الملك ليجعله على مثل ذلك لما علم فضله، وإنما وجد يوسف -عليه السلام-  في نفسه قدرة على العطاء وإفادة من حوله في جانب معين، فعرض أن يخدم فيه، وهذا مما يحسن بكل أحد يجد من نفسه قدرة على العطاء في ناحية معينة، يفيد من خلالها أمته ومجتمعه أن يبادر ويسارع ويعمل ولا يتأخر أو يتخلف.

اللمحة العاشرة: من صبر واحتسب دنا من ربه واقترب:

وفي نهاية القصة يتضح تدبير الله سبحانه وتهيئة الأجواء من خلال الوقائع والأحداث ليظهر احتباؤه -عز وجل- يوسف -عليه السلام-  وتفضيله إياه، ويتبين أن كل ما حدث ليوسف من فتن ومحن إنما كان مقدمات للاصطفاء والتفضيل فلما صبر واحتسب دنا من ربه واقترب فبان للجميع فضله، ومكن الله له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ودخل عليه أبواه وإخوته وخروا له سجدًا، سجود تكريم وتعظيم، وقد كان ذلك في شريعتهم لتكمل النعمة وتتم المنة، ويسعد المؤمن بفضل الله وكرمه ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)﴾ (يوسف: ٩٩ - ١٠٠).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 147

69

الثلاثاء 24-أبريل-1973

الأدب.. قصص النبيين

نشر في العدد 2002

96

الجمعة 18-مايو-2012

قصة لكل العصور