العنوان لمحة تاريخية عن.. الوجود الإسلامي في تايلاند
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1971
مشاهدات 106
نشر في العدد 79
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 28-سبتمبر-1971
لمحة تاريخية عن.. الوجود الإسلامي في تايلاند
بقلم الأستاذ/ علي عيسى محمد علي
بانكوك – تايلند.
مازالت الدراسات التاريخية التي تتعمق في تاريخ الإسلام بالشرق الأقصى وكيف وصل إليه؟ ومن هم حملته وكيف استطاع أن يقضي -بدون قوة عسكرية أو جيش محارب- على ممالك بوذية وهندوكية في تلك المنطقة ويقيم محلها دولًا وإمارات إسلامية في إندونيسيا وماليزيا تنال من اهتمام المؤرخين الغربيين والشرقيين الشيء الكثير.
ومع ذلك- ورغم ارتباط «سيام» أو ما تعرف حاليًا باسم «تايلاند» بمنطقة الشرق الأقصى والتحامها التجاري والاجتماعي والتاريخي بهذه المنطقة لعدة عوامل منها الديانة المشتركة، وسياسة التوسع التي اشتهرت بها مملكة سيام في القديم، ومازالت من آثارها مشكلة الجنوب في تايلاند.
أقول ورغم وفرة هذه الدراسات فإنها لا تتعرض بكثير لتاريخ الإسلام في تايلاند.... بينما نجد العكس عند الحديث عن الفلبين وإندونيسيا، أو ما كان يسمى قديمًا بالأرخبيل الماليزي أو جزر الهند الشرقية، فقد تحدث عن تاريخ الإسلام في تلك الجهات عدد كبير من المؤرخين من عرب، وفرنجة، وصينيين.. ومن المعلوم في المصادر التاريخية أن الإسلام وصل إلى الصين في القرن الأول الهجري، وأن الخليفة الثالث عثمان بن عفان أرسل وفدًا إلى إمبراطور الصين، ولكن عند الحديث عن تاريخ الإسلام في تايلاند يفتقر الباحث إلى المصادر العربية الدقيقة، بينما يحظى الحديث عن تاريخ الإسلام في «سيام» باهتمام المؤرخين الغربيين من برتغاليين وهولنديين، وفرنسيين، وإنجليز، وهم رواد الاستعمار الغربي في تلك المنطقة أو الرواد الأوائل للتبشير المسيحي بها.
وفي الآونة الأخيرة بدأت تظهر بعض الدراسات التايلاندية وغالبها مترجم عن مصادر غربية، عن تاريخ الإسلام في تايلاند، ومن أشهر المؤرخين للوجود الإسلامي في «سيام» أو «تايلاند»: هو المفكر التايلاندي المعاصر «كيکریت براموش» المشرف على جريدة «سيام رات» المسائية، أشهر الصحف اليومية في تايلاند حاليًا.
فقد ألقى «كيكريت» محاضرة بقاعة المحاضرات بمجلس المعلمين في ١٢ يوليو سنة ٢٥٠١ «حاليًا التاريخ البوذي ٢٥١٤»؛ أي منذ أكثر من عشر سنوات عن تاريخ الوجود الإسلامي في تايلاند.. تعتبر من أفضل المصادر التاريخية عن تاريخ الإسلام، ودور المسلمين في سيام، فأثبت بما لا يقبل الجدل أو الشك أن الإسلام وصل إلى سيام في عصر سكوتي « ١٢٤٨م» أي في القرن الثالث عشر الميلادي، وأن الذى حمل رسالة الإسلام هم المهاجرون من الفرس والهنود والعرب، حيث استقروا في سيام بقصد التجارة، كما أن سيام كانت في ذاك الوقت ترتبط بحدود جغرافية مع الأرخبيل الماليزي والذي كان يشمل سومطرة وملقا، فضلًا عن أن نفوذ سيام في ذاك الحين كان يشمل «سنكلا» و«نكون سي تمرات» وغيرهما، وهي ولايات تقع في الطرف الجنوبي لمملكة سيام، وباحتكاكها بالأرخبيل الماليزي وملقا؛ دخل كثير من سكان هذه الولايات «سنكلا ونكون سي تمرات» في الإسلام، وهذه الولايات سيامية أصلية وتابعة لسيام منذ القدم... ولقد تحدثت المصادر التاريخية السيامية القديمة أن حاكم سنكلا منذ أكثر من خمسمائة عام كان مسلمًا، وإنه وجد على قبره شاهد مكتوب باللغة العربية «هذا قبر السلطان العادل المرحوم سليمان» ومن الشواهد التي أشرت إليها تكاد تجمع المصادر التاريخية في سيام على أن الإسلام وصل إليها في الفترة « ۱۷۸۱ - ۱۹۲۱ بوذية»
أي في خلال القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وهي الفترة التي بدأت سيام تقيم فيها علاقات تجارية وسياسية مع بعض الدول والإمارات الإسلامية كإيران والهند وتركيا.
ولكن النفوذ الإسلامي، أو بمعني أصح الانتشار الإسلامي لم يبلغ ذروته إلا في عصر أيوتيا «١٩٢١ - ۲۳۱۰ بوذية» فقد توافدت إلى سيام الجموع الكثيرة من المهاجرين من الهند، وفارس، وجنوب الجزيرة العربية وبالأخص الحضارمة،
ودخل عدد كبير من أهل البلاد في الإسلام.. ولم يقتصر عمل المسلمين على التجارة؛ بل أسندت إلى الكثيرين منهم الوظائف والمراكز المختلفة في الحكومة، والبعض الآخر منحوا الإقطاعيات الزراعية وإنشاء البساتين، وأنعم على بعضهم بأسمى المراتب وأرفع الألقاب، وكان المسلمون يشرفون على إدارات متعددة خاصة فيما يتعلق بشئون التجارة والعلاقات الخارجية، وعمل كثير منهم في الجيش والبحرية وخاصة عرب الجزيرة، لما اشتهروا به من الإحاطة والمعرفة بعلوم البحار وشئون التجارة الخارجية، وعُين البعض منهم سفراء، وكان أول سفير لتايلاند بإيران مسلم اسمه «على سالم» ويرجح أنه كان من أبناء عرب الجزيرة؛ لأن اسم سالم يكثر بين الحضارمة، وكان معظم المقربين من الملك أو الحاكم في سيام من المسلمين.
ولقد وصل الأمر إلى درجة أنه عين أحد المسلمين في منصب كبير یوازي منصب رئيس الوزراء في العصر الحالي وهو «الشيخ أحمد»، وهو أول من أطلق عليه لقب «جولا راج مونتري»، وكان يشرف على ما يسمى في هذا العصر بوزارتي الخارجية والتجارة والاقتصاد، وبجانب ذلك كان المستشار الخاص للملك فيما يتعلق بشئون المسلمين، ولا يعرف بالضبط جنسية الشيخ أحمد «هل هو عربي أم فارسي» لأن بعض المصادر التايلاندية تذكر أنه من أصل إيراني، وبعضها يذكر أنه من أصل عربي، أما «كيكريت» فيذكر أنه من أصل عربي..
والذي يراه كاتب هذه السطور أنه ليس بعربي والمرجح أنه من الفرس الذين استوطنوا الهند.. ومن الهند نزح إلى سيام.
ولقد قام المسلمون بقيادة الشيخ أحمد بدور هام في بناء مملكة سيام وخاصة في عصر «أيوتيا»؛ فاستبسلوا في الدفاع عنها عندما أغارت عليها بورما للمرة الأولى.
وظهر تأثير المسلمين في المجتمع السيامي واضحًا في الفنون والآداب والزي، وتوجد في اللغة التايلاندية كلمات ترجع إلى أصل عربي أو فارسي..
ويعزي البعض ضياع كثير من المصادر التاريخية عن الوجود الإسلامي بسيام إلى حرق بورما للعاصمة القديمة «أيوتيا» عندما أغارت عليها للمرة الثانية باعتبار أن العاصمة أيوتيا كانت تمثل مركز التجمع الإسلامي.
وبسقوط أيوتيا في عام ٢٣٢١ بوذية الموافق عام ١٧٦٧م؛ انتقلت العاصمة إلى «تنبوري» حاليًا، وأدى ذلك إلى تفرق المسلمين.. وكثير من المسلمين القاطنين حاليًا على شاطئ نهر «شوبرأيا» أو على الضفة الغربية لهذا النهر الذي يفصل بين بانجكوك و تنبوري هم من بقايا المهاجرين المسلمين من أيوتيا بعد سقوطها بعامل غزو بورما.
وبانتقال العاصمة إلى «تنبوري» لم تضعف سلطة المسلمين بل ظل بعضهم يشغل مراكز حساسة في الدولة... وكذلك عندما انتقلت السلطة إلى العصر الحاكم الحالي.. حتى الأسرة الأولى والثانية.. أي حتى منتصف القرن التاسع عشر.
وأحب أن أشير إلى شيئ جدير بالاهتمام؛ وهو أن الشيخ أحمد الذي أسلفنا الإشارة إليه كان من الشيعة وهذا ما يؤكد أنه ليس من أصل عربي، لأن عرب جنوب الجزيرة الذين هاجروا إلى الشرق الأقصى وكان لهم الدور الأكبر في نشر الإسلام بتلك المنطقة كانوا من الشوافع، وهذا هو السر في أن إندونيسيا والفلبين وماليزيا على المذهب الشافعي إلى الآن.
كما أن أسرة الشيخ أحمد لم تحتفظ بطابعها الإسلامي مدة طويلة بعد وفاة الشيخ أحمد؛ فلقد ارتد معظمها إن لم يكن جميعها، ولا توجد أدلة كافية لوجود بقايا لذرية الشيخ أحمد مازالت تحتفظ بالإسلام للآن.
ومن الطريف أو من المؤلم حقًا أن المفكر التايلاندي المعاصر «كيكريت» ينتسب للشيخ أحمد من جهة إحدى جداته، وهو يصرح وكذلك شقيقه رئيس الحزب المعارض حاليًا في تايلاند أنهما من أصل إسلامي.. وبجانب ذلك توجد عدة أسر كبيرة شهيرة تتصل بوشائج القربى والمصاهرة مع الأسرة الحاكمة حاليًا تنتمي إلى الشيخ أحمد.. ومن أشهر هذه الأسر أسرة: «بوناك» أو بوناخ ويشغل أفرادها كثيرًا من الوظائف الحساسة في السلك الدبلوماسي، والمراكز الحساسة في الوزارات والجامعات وشئون الدولة والمجتمع.
... والنقيب الحالي للمحامين التايلانديين من هذه الأسرة
وإذا قابلت فردًا من هذه الأسرة وغيرها من الأسر التي تنتمي إلى أصل إسلامي لا ينكر ذلك.. وما يقال عن أسرة بوناك يقال عن أسر أخرى، ولا يستطيع المسلم أن يتحدث عن هذه القصة لأنها من الجوانب التي ينفطر لها القلب أسى، وتمتلئ العين عبرة، وتهتز الجوانح همًا ونكدًا وحزنًا.. ولكنها تعطينا درسًا خالدًا إن بعد المسلم عن عقيدته وإهماله لفروض دينه وإيثاره العاجلة الباقية يطرحه صريعًا بين أنياب الوحوش التي تتربص بالإسلام من كل جانب، ويجعله فريسة سهلة الافتراس، وجمادًا سريع الذوبان والتحلل، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها والعاقبة للمتقين.
والغريب أن معظم المسلمين في المنطقة الوسطى بتايلاند هم من أحفاد الأسرى المسلمين الذين نقلو إلى بانجكوك والولايات القريبة بطريقة غير إنسانية، وأقطعتهم الحكومة في ذاك الوقت بعض الأراضي للاستيطان والإقامة الدائمة بسبب الحروب التي كانت تنشب دائمًا بين إمارة فطاني الإسلامية وحكومة سيام؛ فلم تجد سيام طريقة أو وسيلة للحد نهائيًا من مقاومة فطاني وكفاحها ضد السيطرة السيامية غير هذه الوسيلة..
والمدافع المنصوبة أمام وزارة الحربية التايلاندية حاليًا هي من بقايا الذخائر والأسلحة التي غنمتها سيام من «فطاني».
أما بقايا المسلمين من عصر «سكوني» أو عصر أيوتيا فيمثلون نسبة ضئيلة في عدد المسلمين بتايلاند حاليًا، ويقال بأن نسبة منهم ذابت في المجتمع التايلاندي ولم تعد تمت إلى الإسلام بصلة... كما سبق الإشارة إلى أسرة الشيخ أحمد.
والسؤال المحير هو: «ماهي الأسباب التي أدت إلى تردي وضع المسلمين في تايلاند؟» إلى هذه الدرجة من التأخر والتخلف، وما هي العوامل التي تكمن وراء ذلك، حتى إنه لا يوجد بين المسلمين الآن من يشغل منصبًا كبيرًا رغم أنهم يمثلون نسبة كبيرة من مجموع السكان في تايلاند؛ ولقد اعترف وزير الخارجية التايلاندي في مؤتمر باندونغ الذي عقد بإندونيسيا في عام ١٩٥٥ أن عدد المسلمين في تايلاند ثلاثة ملايين نسمة.. هذا منذ خمسة عشر عامًا، ولا يقل عددهم اليوم عن أربعة ملايين نسمة؛ مما يدحض الإحصائيات التي صدرت مؤخرًا والتي تدعي أن عدد المسلمين في تايلاند يقل عن مليونين.
وأرفع منصب يكاد يكون المنصب الكبير الوحيد الذي يشغله مسلم الآن هو منصب «نائب مدير إدارتي التعليم الابتدائي بوزارة التربية والتعليم» واسمه التايلاندى «رنست» أما الاسم الإسلامي فهو «عبد الرشید» هذه لمحة عابرة عن تاريخ المسلمين في مملكة سيام أو «تايلاند» حاليًا.. أرجو أن تكون قد أعطت القارئ فكرة ولو موجزة عن تاريخ الإسلام والظروف التي عاشها في تايلاند في القديم .....
أما عن تاريخ الإسلام في «فطاني» أو ما يعرف حاليًا بالولايات الإسلامية في جنوب تايلاند وكذلك واقع المسلمين في العصر الحاضر بتايلاند.. فله حديث آخر،،،
علي عيسى محمد علي
بانكوك - تايلاند