العنوان لمصلحة من تصفية قادة الميدانيين داخل أفغانستان؟!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989
مشاهدات 79
نشر في العدد 926
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-أغسطس-1989
لم يكن حادث تصفية ثلاثين من قادة الجمعية الإسلامية أثناء عودتهم إلى ولاياتهم من اجتماع شورى نظار الشمال في التاسع من يوليو الجاري في محافظة تخار على يد فئة ضالة، لم يكن هذا الحادث هو الأول من نوعه منذ بداية الجهاد، وإنما هو حلقة في سلسلة من الاغتيالاتوالتصفية الجسدية التي حدثت لخيرة أبناء الحركة الإسلامية في أفغانستان ممن بدءوا الجهاد وأشعلوا جذوته، ولا زالت بقية منهم تواصل الطريق وسط المؤامرات والمكائد الدولية، فلم يكن قاضي إسلام الدين والمعلم طارق والقائد عبد الودود والدكتور سيد حسين ومن معهم من خيرة أبناء الحركة الإسلامية هم أول من قتل على أيدي مجموعات تدعي أنها تنتمي للجهاد الأفغاني، وإنما كان هؤلاء حلقة في سلسلة سبقتهم، ضمت خيرة من عرفتهم ساحات الجهاد الأفغاني في شمال أفغانستان، وممن رصد الروس ملايين الروبيات الأفغانية من أجل الحصول على رؤوسهم، أمثال القاضي محمد إسماعيل طارق قائد الجمعية في الثمان، والأستاذ ذبيح الله قائد الجمعية في بلخ، وعبد الودود خان أمير الحزب الإسلامي في بدخشان، والمهندس عبد الودود أمير الحزب الإسلامي في تخار، ومهندس سليم قائد الحزب الإسلامي في بقلان، وسير نوال عبد الرؤوف قائد الحزب الإسلامي في بروان وغيرهم من خيرة القادة وأبرزهم.
والذي وصل إلى حد التمثيل بجثث
بعضهم– كما ذكر الأستاذ برهان الدين رباني في تصريح
خاص «للمجتمع» في الثامن عشر من يوليو الجاري– هذه الصورة المؤلمة
تجعلنا نقف وقفة تأمل، ندرك من خلالها بعد المؤامرة التي يتعرض لها الجهاد
الأفغاني في هذه المرحلة الحساسة، وذلك بعد معايشتنا لكثير من هذه الأحداث، وبعد
تتبع لكثير من الروايات والحوادث التي عشنا بعضها، والتقينا بكثير ممن عاشوا أحداث
كثير منها في داخل أفغانستان طوال السنوات الماضية، والذين قد لا يتسع المقال
لذكر شواهدهم ورواياتهم، علاوة على طلبهم عدم ذكر أسمائهم.
من يقف وراء هذه الحوادث؟!
سؤال هام أيضًا يبحث عن إجابة، لكن
المراقبين للأحداث يستطيعون أن يدركوا دور بعض العناصر في الوقوف وراء هذه
الحوادث مثل:
١- الصليبيون المتواجدون في الداخل: فقد أشار
كثير من المراقبين إلى أن وجود العشرات بل المئات من الفرنسيين والأمريكان والسويسريين
والسويديين وباقي الملل والنحل الغربية الأخرى رجالًا ونساءً داخل أفغانستان بل
وداخل الجبهات؛ حيث يعملون تحت ستار طبي أو اجتماعي أو إعلامي، هؤلاء يحملون
معهم مئات الآلاف إن لم يكن ملايين الدولارات، فيقومون بمنحها لبعض القادة دون
الآخرين، ثم يقومون ببث سمومهم بين المنظمات والأحزاب والقادة، وهؤلاء لا يشك في
انتماءهم إلى أجهزة المخابرات الدولية الغربية واليهودية –كما أشار بذلك
بعض المراقبين الإسلاميين– وأن لهؤلاء دورًا رئيسيًا في هذه الأحداث، وقد روى
شهود عيان من المجاهدين الذين لا يشك في دينهم كثيرًا من المآسي عن دور هؤلاء
الذين يتمتعون بحماية بعض القادة لهم.
- الإعلام العالمي: الذي يقف بكل ما يملك
من وسائل، ومن خلال ما يقرب من خمسين ساعة من البث المباشر بلغتي البشتو والفارسية
يوميًّا،
فيؤلب القادة على بعضهم، ويثير الفتن
بين المنظمات، يبث الأباطيل والأكاذيب التي يصدقها بعض القادة الجهلاء
أو المغلوبين على أمرهم، وسرعان من يتهم أحدهم غيره بالنفاق بمساعدة من حوله؛
ليجد مبررًا لقتاله أو قطع الطريق عليه، وقد يلاحظ المراقب من فتنة ما يثيره
الإعلام الغربي من خلال تركيزه فقط على المساحات التي احتلها هذا الحادث الأخير في
صدر الصحف العالمية، ومقدمات نشرات الأخبار، وذلك لإذكاء الفتنة، زد على ذلك
إدانة الحكومة الأمريكية للحادث على لسان ناطق رسمي، وذلك في التاسع عشر من يوليو
الجاري، ومناشدتها للمجاهدين بالتمسك بالوحدة ونبذ الخلافات؛ لتظهر أنها آسفة على
الدماء التي سالت والتي ربما تكون من ورائها.
الهدف من وراء هذه الحوادث؟
إن الذين يؤججون نار هذه الفتنة، ويسعرونها
لا يقفون بها عند حدود الأهواء والمطامع، وإنما يدخلون بها تحت نطاق مؤامرة كبرى
لها أهداف محددة ووسائل معلومة، يستطيع المراقب أن يرصدهافي عدة نقاط منها:
1– تصفية أبناء الحركة الإسلامية: وليس
هذا بدعًا في تاريخ الحركات الجهادية، خاصة عند قطف ثمار الجهاد، وكما أشار
أحد المراقبين الإسلاميين إلى هذه الحوادث قائلًا: إن أعداء الإسلام يريدون
أن يكرروا ما حدث في جهاد الجزائر مع الجهاد الأفغاني، وذلك حينما تمكنوا بوسائلهم
الخاصة من تصفية أكثر من قائد ميداني خلال ثلاث سنوات، وذلك لما بدت علامات النصر
في الأفق، ثم جاءوا بعد ذلك بالعلمانيين من أوروبا، وجعلوهم على رأس
الحكم في الجزائر، وهاهم يحاولون تكرار التجربة مع المجاهدين الأفغان.
٢- إطالة عمر نظام كابل: فهذه الحوادث عادة ما
تصرف المجاهدين فترة إليها، وإلى التحقيق في مجرياتها، وذلك علاوة على تأثيرها على
سير العمليات في الداخل، وأدوار هؤلاء القادة فيها، وقد أشار تقرير القسم العربي
المركز الدراسات الاجتماعيةفي إسلام آباد، والصادر في الثامن عشر من يوليو الجاري
بأن هؤلاء القادة قد قتلوا أثناء عودتهم من اجتماعلمجلس شورى نظار الشمال، وضع فيه
قادة الشورى خططًا للسيطرة على ولايتي بدخشان وكندز خلال هذا الصيف، وأن هذا
الحادث سيكون له تأثيره –ولا شك-..
٣- إضعاف حكومة المجاهدين: عن
طريق إثبات عدم قدرتها على ضبط الأمور والسيطرة على الأحداث، وصرفها عن
البناء إلى تفتيت الطاقات، وتفريغها في مجالس التحقيق والشورى والصلح التي عادة ما
تستغرق أيامًا وأسابيع وشهورًا، دون أن تصل إلى نتيجة أو تحقق هدفًا. ٤- زيادة الشقاق بين القادة: فالنزاع والشقاق أول عوامل الفشل وأقساها حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ﴾
(الأنفال:٤٦) وأعداء الإسلام يريدون أن يؤصلوا هذا المعنى من خلال هذه
الأحداث ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ (البروج:٢٠).
٥- إشعال جذوة الحرب الأهلية: وهذه غاية المنى عند أعداء الإسلام أن يروا المجاهدين وقد تركوا
أعداءهم والتفتوا إلى بعضهم. ونسأل الله ألا يحدث هذا أو يكون.
٦- تيئيس المسلمين من الجهاد: فقد
لاحظ أعداء الإسلام تأثير الجهاد الأفغاني في حياة الأمة وتأثر المسلمين به
ووقوفهم إلى جواره، وليس هناك ادعى لصرف الناس عن الجهاد من التركيز بكافة
الوسائل على إشاعة هذه الحوادث والإكثار منها، لكن الله سوف يخيب ظنهم، ويرد كيدهم
إلى نحورهم.
ولكن من هي الأطراف المستفيدة من وراء
هذه الأحداث؟
رابعًا: من المستفيدون من وراء هذا؟
إن هناك أطرافًا عديدة تشترك في
الاستفادة من وراء هذه الأحداث، وإن اختلفت غاياتها وتعددت منافعها،
من هذه الأطراف:
۱ - نظام كابل: وهو المستفيد الأول
في استمرار بقائه واستنزافه لطاقات المجاهدين وقادتهم.
٢- الشيوعية العالمية: باستمرار نفوذها
وبقائهاوإن كان ضعيفًا في المنطقة، حتى تبحث عن وسائل أخرى تستطيع بها أن تنفذ إلى
المنطقة، وأن تعد الحلول التي تضمن لها الكرة مرة أخرى ولو بعد حين.
٣- أمريكا والدول الغربية وأعداء الجهاد
ممن يرفضون قيام دولة إسلامية في
أفغانستان، ويريدون التخلص من القادة الإسلاميين، أو ما يطلقون عليهم
اسم «القادة الأصوليين» حتى تخلو الساحة للعلمانيين ومن يعيشون في
أوروبا؛ ليكونوا على رأس الحكومة المرجوة من قبلهم في أفغانستان. وهناك
أطراف أخرى عديدة تكفي اللبيب إشارة مكتومة ليعرفها ويدرك مدى استفادتها من وراء
هذه الأحداث، ولكن مع ذلك ألا يوجد سبيل للعلاج أم أن الأمور قد وصلت إلى
مرحلة اليأس؟
وبعد:
فإن أعداء الإسلام قد نزلوا إلى الساحة بكل
ثقلهم في هذه الأيام، وربما تشهد الأيام القادمة تصعيدًا لمثل هذه النوعية من
الحوادث، بل أن معظم النار من مستصغر الشرر، وإن إشارة بعض المراقبين الإسلاميين
إلى أن هذا الحادث ربما يكون حلقة في سلسلة تستهدف القضاء على البقية الباقية من
أبناء الحركة الإسلامية في الداخل، وربما تتجه بشررها لتمس بعض القادة السياسيين
المخلصين الثابتين على مواقفهم، الرافضين لكافة الحلول الجزئية التي تهدف إلى قطف
ثمار الجهاد والحيلولة دون إقامة المجاهدين لدولتهم على ربوع أفغانستان، هذه
الإشارة الهامة مع تطورات هذه الأحداث تدعونا لإدراك الواقع الجهادي، وما يمر به
في هذه المرحلة الحساسة، وإدراك المؤامرة وأبعادها، ودور أولي الأمر من العلماء
المخلصين في أن يقوموا بدورهم في هذا الوقت، فيجمعوا الشمل، ويوحدوا الصف ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١).