العنوان بلا حدود- لمن تذهب خيرات أفريقيا؟
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 89
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 27
الخميس 06-يونيو-1996
حينما جَلستُ ولعدة أيام أُقلب في واقع الدول الأفريقية وارتباطاتها السياسية والعسكرية وتاريخها القريب، وجدتني في النهاية أمام مستعمرة كبيرة تضم ثمان وأربعين دولة كل منها له أهميته، سواء من ناحية الموقع الاستراتيجي أو الثروة الهائلة من المواد الخام التي تحويها أرض كل دولة أو جبالها أو مياهها الإقليمية ابتداءً من الذهب والماس، واليورانيوم، والبترول، والغاز، وانتهاءً بالأخشاب، والمنجنيز، والحديد، واللوز، والجوز، وزيوت النخيل، لكني وجدت أن هذه الخيرات تذهب لغير أهلها، يتمتعون بها ويستمدون القوة والنفوذ من خلالها، فيما يفتك الجوع والفقر والصراعات بشعوب أفريقيا، كما أن ولاءات الدول الأفريقية وروابطها السياسية والعسكرية تتوزع بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي احتلتها طويلًا ولازال لبعضها قواعد عسكرية بها، ومن أبرز تلك الدول فرنسا، وبريطانيا، وأسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا، وإيطاليا، والدول الإسكندنافية، وجنوب أفريقيا، كما وجدت نفوذًا متناميًا لإسرائيل علاوة على الولايات المتحدة.
وكان تدخّل القوات الفرنسية في أفريقيا الوسطى في الأسبوع الماضي لحماية نظام الرئيس إنجي فيلكس باتاس قد دفعني للبحث عن الدور الفرنسي بشكل خاص في أفريقيا حيث عادت فرنسا بعد تولى الرئيس جاك شيراك مهام السُلطة في فرنسا في مايو الماضي ١٩٩٥م إلى ممارسة دور الشرطي، وممارسة لعبة الانقلابات وإثارة القلاقل في مستعمراتها السابقة في أفريقيا، تلك المستعمرات التي ترتبط معظمها أو كلها مع فرنسا باتفاقات عسكرية وسياسية تجعلها تدور في إطار السياسة والنفوذ الفرنسي، فمن بين ثماني وأربعين دولة أفريقية أحصيت اثنتين وعشرين دولة خضعت للاحتلال الفرنسي، منها سِت دول لازالت فرنسا تحتفظ بقوات عسكرية في أراضيها، هى أفريقيا الوسطى، وتشاد، وجيبوتي، وريونيون، والسنغال، وجزر القُمر، أما بوركينا فاسو، وبنين وبوروندي وتوجو، وزائير، وغينيا، وغينيا الاستوائية، والكاميرون، وساحل العاج والكونجو، ومالي، والنيجر فترتبط باتفاقات عسكرية أو سياسية أو اقتصادية تجعلها لا تستطيع الخروج عن الفلك الفرنسي مما يتيح لفرنسا أن تتدخل بقواتها في الوقت الذي تريد لإقرار أي نظام تريده في هذه الدول التي تمثل ما يقرب من نصف الدول الأفريقية، وتتحكم فرنسا بشكل مباشر في اقتصاديات ١٤ دولة من هذه الدول حيث ترتبط عُملتها بشكل مباشر بالفرنك الفرنسي، وفي عام ١٩٩٤م أجبرت فرنسا هذه الدول على تخفيض قيمة عملتها بنسبة خمسين في المائة لصالح العملة الفرنسية مما أدى إلى زيادة الفقر والعوذ لكل الموظفين والجنود العاملين في هذه الدول حيث أصبحت قيمة رواتبهم في يوم وليلة نصف ما كانت عليه، فيما بقيت السلع الفرنسية التي تمثل السلع الرئيسية للمستهلكين في هذه البلاد بنفس أسعارها مما دفع هؤلاء إلى القيام بعمليات احتجاج في كثير من المناطق بعدما بدأ الجوع يستبد بكثير منهم.
وما يحدث الآن في أفريقيا الوسطى ليس سوى صورة من هذه الصور التي تتكرر في أفريقيا منذ عقود، حيث نجد دولة تتمتع بالموارد الطبيعية والثروات يتحكم في رقاب شعبها مجموعة من العسكر يرتبطون بشكل مباشر بفرنسا أو بريطانيا أو أسبانيا أو إسرائيل أو إحدى الدول الإسكندنافية، فتمتص حكومات هذه البلاد خيرات الدول الأفريقية، ويزجون الشعوب في محافل التعذيب الهمجي أو المذابح الوحشية كما يحدث الآن في بوروندي ورواندا والصومال وليبيريا وأفريقيا الوسطى التي تتعامل فرنسا مع شعبها وكثير من الشعوب الأفريقية الأخرى على أنها شعوب مستعبدة لصالح سعادة الفرنسيين ورفاهيتهم، أما خيراتها وثرواتها فإنها حق من حقوق الفرنسيين، وأما الشعوب الأفريقية فإنهم يظلون عبيدًا للسادة الفرنسيين.
ولأن أفريقيا الوسطى دولة غنية بالماس واليورانيوم -وكلاهما من أهم الموارد الطبيعية في العالم- نجد أن فرنسا تسيطر تمامًا ليس على مقاليد الأمور فيها فحسب، وإنما على ثرواتها كذلك، ويقيم في أفريقيا الوسطى فرقة فرنسية بشكل دائم من أجل حماية المصالح الفرنسية وعلى رأسها شركات الماس واليورانيوم التي ترتبط بشكل مباشر بإسرائيل وجنوب أفريقيا باعتبارهما من الدول المهتمة بهذين المعدنين النفيسين، وفيما يتمتع الفرنسيون بثروات وسط أفريقيا ومواردها وخيراتها، فقد تركوا الشعب هناك يأكل التراب، وقد دفع الجوع عشرات الآلاف منهم أن يخرجوا في شوارع العاصمة بانجوي في الأسبوع الماضي يهتفون ضد فرنسا ودعمها للنظام الفاسد في البلاد، وحينما توجهوا للسفارة الفرنسية ليعربوا عن احتجاجهم وجدوا القوات الفرنسية تقف في وجوههم وهي مدججة بالأسلحة لتمنعهم من أي تقدم نحو السفارة، وفي نفس الوقت كان ضباط الجيش الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ عدة أشهر الذين يتهمون النظام الحاكم الموالي لفرنسا بالفساد، يقومون بتمرد على هذا الاستعباد الفرنسي لهم، وحينما انتقدت الصحافة العالمية الموقف الفرنسي وقف جاك جودفراين - وزير التعاون الفرنسي المعني بالمستعمرات الفرنسية السابقة في أفريقيا - ليعلن بغطرسة قائلًا: «إننا نريد أن نكون رجل الشرطة في أفريقيا».
وقد أدى هذا إلى قيام الصحف الفرنسية وعلى رأسها صحيفة ليبراسيون انتقاد الحكومة الفرنسية «بدعمها لنظام فاسد كافأ المقربين بالفيلات الفاخرة في الوقت الذي يتجاهل فيه منذ أشهر دفع رواتب جنوده وموظفيه المدنيين».
إن ما يحدث في أفريقيا الوسطى ليس سوى صورة تعكس مأساة القارة الإفريقية ومأساة شعوبها، واستمرار تسلط الدول الاستعمارية عليها وعلى خيراتها، وأن هذه الشعوب ستظل تدفع ثمن التبعية والرضوخ حتى يأتي الوقت الذي تقرر فيه هذه الشعوب أن تتخلص من هذا الاستعباد، لكن التاريخ علي أية حال لن يرحم هؤلاء اللصوص الذين يسرقون خيرات أفريقيا وثرواتها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل