العنوان لمن تكون الغلبة: للفرار أم للكرار؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1561
نشر في الصفحة 47
السبت 26-يوليو-2003
أصحاب البصائر وأرباب العقول وأولو النهى يعرفون بغير عناء أن النصر مع الإقدام، وأن الهزيمة مع الفرار، وأن الشعوب الجبانة والأمم المرتعشة لا يصاحبها فوز أو يسير في جنباتها فلاح، وقد تعجب أشد العجب إذ ترى أن هذه البديهيات لا يكاد يفهمها قومنا الأفاضل، وهذا إن دل فإنما يدل على عمى في الأبصار وطمس في البصائر وضلال في العقول، يحتاج إلى علاج وأدوية وطب وأطباء.
ونحن في هذه الأيام نشاهد ما يجري في فلسطين ونرى مسلسل الحوادث الذي يكشف عن الوهن الذي دب في الجسد الصهيوني بعد أن لبس جلد أسد وانقض على ما أسماه فريسة وهو الشعب الفلسطيني، فإذا بالشعب الفلسطيني ينقلب عملاقًا مفترسًا يكاد يلتهم الغطرسة الصهيونية التي انقلبت جراءً وكلابًا تنبح وتعوي ليسارع المنقذون إلى انتشالها من هول ما هي فيه، بما يسمى بخريطة الريق، بعد أن انقلب السحر على الساحر، وظهر وافتضح وهنها وخذلانها.
فقد نشرت وثيقة لكبير الأطباء النفسيين في جيش الاحتلال الإسرائيلي المسئول عن سبل منع انتحار الجنود، جاء فيها أن نسبة الانتحار بين الجنود الصهاينة تدعو إلى القلق وأن هذه الظاهرة في ازدياد ونقلت الصحف العبرية عن الطبيب النفسي قوله إن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يطبق التوصيات العديدة الرامية إلى منع الانتحار، ولهذا فإن الظاهرة لم تتقلص بل في ازدياد، وهذه التوصيات – التي وضعها المقدم «شموئيل يانا» الذي شغل لسنوات طويلة منصب المسئول عن الأبحاث المختلفة في قسم العلوم السلوكية في شعبة الطاقة البشرية في الجيش والهادفة إلى منع الانتحار – ترمي إلى التحذير من أن السبيل الذي يتصدى من خلاله جيش الاحتلال الإسرائيلي لظاهرة الانتحار ليس سبيلًا سليمًا.
ويضيف أنه رغم أن الجيش الإسرائيلي بحث ووجد سلسلة طويلة من المؤشرات التي يمكن أن تتنبأ بانتحار الجنود قبل وقوعه مثل الحالة النفسية، والجمل التي يقولها المنتحرون قبل أن يضعوا حدا لحياتهم، فإن قادة الجنود في القواعد غير واعين بشكل عام لهذه المؤشرات.
وقد ردت عليه إدارة الجيش بأنها تبذل كل ما في وسعها لتقليص عدد المنتحرين!!.
من يقرأ هذه الوثيقة، ويقرأ عن الحالات النفسية السيئة للجنود ولأهليهم، ويقرأ عن حالات الفرار من الجيش وحالات التمرد يعرف مقدار التفسخ في الجسد الصهيوني الذي سببه جهاد الفلسطينيين والفصائل الجهادية مثل حماس وغيرها.
وفي المقابل لا مناص من الإشارة إلى الشهداء الأبطال في الفصائل الفلسطينية أصحاب النفوس الكبار الذين وهبوا أنفسهم لله ولا يرهبون الدنيا لو اجتمعت ولا المعارك وإن استعرت
مجاهدون وفي العلياء تعرفنا
متوجون بنصر الله والدين
الله أكبر بالرشاش نعلنها
كي يزدهي النصر في شتى الميادين
ويحسن بنا أن نذكر ولو وصية واحدة لأحد هؤلاء الأبطال لنرى مقدار الثبات والاحتساب وحب الشهادة والإقبال على الله تعالى ومقدار التضحية دفاعًا عن المقدسات والإسلام وديار المسلمين.
يقول الشهيد أحمد بدوي المسالمة في وصيته قبل استشهاده:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154)
الحمد لله رب العالمين معز المجاهدين، وناصر الموحدين، وقاصم اليهود والنصارى والمنافقين والصلاة والسلام على الهادي الأمين محمد بن عبد الله ومن سار على دربه إلى يوم الدين..
أنا الشهيد أحمد بدوي أقدم نفسي رخيصة في سبيل الله – عز وجل – لإعلاء كلمته، ثم سعيًا لتحرير بلادي وبلاد المسلمين من دنس اليهود والمشركين، ثم تحرير أقصانا الأسير من أيدي اليهود والنصارى الذين يناصرونهم على احتلال الأرض المقدسة فلسطين الحبيبة، ثم ثأرًا لشعبي الفلسطيني عامةً لأنه مظلوم ومسلوب الأرض والحرية، وثأرًا لإخواني الذين سبقوني على هذا الدرب من كتائب عز الدين القسام، راجيًا من الله عز وجل أن يحتسبني عنده شهيدًا ويسكنني الفردوس الأعلى من الجنة ويحشرني مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وأوصي إخواني أن يسيروا على درب محمد – صلى الله عليه وسلم – وصحبه مهما كانت التضحية، ثم أوصي زوجتي الغالية وأولادي الأحباء بالسير على الدرب وإلى اللقاء في جنة الفردوس.
ثم كان من كلامه لأمه: «لا تشتاقي إليّ كثيرًا يا أمي سوف آتيك في المنام، لقد تركت يا أمي أملاكي ومنازلي وكل دنياي في سبيل الله، فقالت له أمه: لقد ربح البيع يا أبا يحيي، وقالت له ابنته فاطمة هل تشفع لنا يا أبي، فقال: أتمنى أن يشفعني الله فيكم وفي أمة الإسلام، أما ابنته عيناء (5 سنوات) فتقول إن أباها قبلها كثيرًا وقال لها: بلغي تحياتي إلى كل من يسأل عني، أما أطفاله حمزة ومحمد وعبد الحي ومصعب ويحيى فقد أوصاهم بأن يكونوا حريصين على التمسك بالدين، وأن يكونوا على درب أبيهم حتى يلتقوا معه في الجنة إن شاء الله.
ترك البطل سبعة من الأطفال الصغار، وذهب ليلاقي الصهاينة في معركة في قلب مستعمرة من مستعمراتهم هو وزميل له، وبعد أن قتلوا سبعة منهم حاصرتهم الدبابات وأصيب البطل، فأوصى أخاه المجاهد وهو يحتضر أن يستمر في المقاومة ولا يخشى طائرات العدو ورشاشاته، ودعا لزوجته وأولاده وإخوانه وأمته وفاضت روحه الطاهرة، فانظر معي أخي الحبيب لتحدد أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا وأيهما الذي سينتصر وينال حقه، وأيهما الذي يلهث وراء المفاوضات ويستجدي الآخر؟.