العنوان لمن يسألون عن البديل... هذه هي سورية
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1677
نشر في الصفحة 38
السبت 19-نوفمبر-2005
■ الإرث الضخم من الفساد والبطالة والفقر.. لن تستطيع فئة أن تحمل أوزاره وحدها.. ولا بُدَّ من مساهمة كل الشعب في الإصلاح.
حين يأذن الله تعالى بتحول أحلام شعبنا في الحرية إلى واقع حي، ويغيب الحكم الشمولي المستبد عن أرضه، ويعود دفء الحرية إلى وجوده، يمكن اعتبار السادس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، يوم إعلان وثيقة دمشق للتغيير الوطني والديمقراطي، يوما وطنيا من الأيام التاريخية الحاسمة السورية.
لقد كان يوم الثامن من آذار/ مارس هو العيد المفروض على الأمة من حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي يعلن حكم الشعب من حزب واحد.
وكان يوم السادس عشر من تشرين الثاني/ أكتوبر هو العيد المفروض على الأمة من دكتاتور وفرد واحد، فكانت الحركة التصحيحية من استبدال مجموعة طغاة بطاغية واحد، ولا نزال نعيش إلى اليوم في ظل الفرعون الصغير ابن الفرعون الكبير؛ حيث مضى على اغتيال حرية شعبنا ما ينوف على أربعين عامًا.
وسيكون بإذن الله يوم سقوط النظام من فرد أو طغمة حاكمة هو يوم عودة الحرية إلى سورية، ويكون يوم إعلان وثيقة دمشق هو يوم إعلان وحدة الكلمة لشعبنا كله ويوم قرار تغيير النظام القائم:
1- فقد انتهى التميع والتذبذب عند المعارضة بين الإصلاح والوقوف على أبواب النظام لتنفيذه، وبين التغيير الجذري بيد الشعب إلى ترجيح الخيار الثاني كما نص الإعلان ضرورة التغيير الجذري في البلاد، وإقامة النظام الديمقراطي هو المدخل الأساسي في مشروع التغيير، ونبذ الفكر الشمولي والقطع مع جميع المشاريع الإقصائية والوصائية الاستئصالية.
2- وجاء إعلان دمشق بمثابة دستور شامل التوافقات قوى المعارضة في كل مكان من حيث الأفكار والمنطلقات والأهداف التي يطمح شعبنا إليها ومن حيث الوسائل والأساليب المعلنة في التغيير، فأهم ما ورد في المنطلقات والأهداف:
هو اعتماد الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة، والتوجه إلى جميع مكونات الشعب السوري وإلى جميع تياراته الفكرية وطبقاته الاجتماعية، وعلى رأسها الإسلام الذي هو دين الأكثرية الذي يعتبر المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب، والذي تشكلت حضارتنا العربية في إطار قيمه وأفكاره وأخلاقه، وإيجاد حل للقضية الكردية، والالتزام بسلامة المتحدي الوطني السوري وإلغاء كل أشكال الاستثناءات من الحياة العامة مثل قانون الطوارئ والأحكام العرفية وجميع القوانين ذات العلاقة بها مثل قانون ٤٩ وإطلاق سراح السجناء السياسيين وعودة جميع الملاحقين والمنفيين قصرًا أو طوعًا عودة كريمة آمنة وإطلاق الحريات العامة وضمان حق العمل السياسي لجميع مكونات الشعب السوري على اختلاف الانتماءات الدينية والقومية والاجتماعية والتأكيد على انضمام سورية إلى المنظومة العربية التي تؤدي بالأمة إلى طريق التوحد، والالتزام بجميع المعاهدات والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
التغيير من الخارج
3- وحين يشير الإعلان إلى الوسائل والأساليب يؤكد رفض التغيير الذي يأتي محمولًا من الخارج، وتمهيد الطريق لعقد مؤتمر وطني شامل تشارك به جميع القوى الطامحة إلى التغيير، والدعوة إلى انتخاب هيئة تأسيسية وإجراء انتخابات تشريعية حرة.
فهذه النظافة في الأساليب والنظافة في الأهداف، ونبذ العنف من الحياة السياسية والتغيير من الداخل عن طريق التظاهر والعصيان المدني، والاستفادة من الظروف الدولية لسند هذا التغيير. وهذا ما نرى أن الإعلان قد فاته ذكره صراحة، وإن كان قد أشار ضمنا إليه.
منطلقات وأهداف
4- وقد أحسن الإعلان صنعًا وهو يطرح المنطلقات والأهداف، كما يلقي الضوء على الأساليب والطرائق المطروحة للتغيير، أحسن صنعًا حين ابتعد عن الأمور الحدية، والنصوص الجامدة، معتبرًا أن ما ذكره هو أقرب إلى ورقة العمل قابلة للحوار مع الجميع، حيث أكد على فتح القنوات لحوار وطني شامل ومتكافئ مع جميع مكونات الشعب السوري، «ووفق منطلقات القاعدية في ضرورة التغيير الجذري الشامل والعمل على وقف حالات التدهور واحتمالات الانهيار والفوضى والحفاظ على سلامة المتحدي الوطني السوري الراهن»
5- وكانت قوة هذا الإعلان في الإجماع الشعبي لقوى المعارضة الفاعلة في الداخل، فقد نبع الإعلان من داخل الوطن، ومن العاصمة دمشق بتوقيع كل الأحزاب والعديد من الشخصيات المستقلة، فالتجمع الوطني الديمقراطي يضم خمسة أحزاب سياسية تمثل تيارات الوطنية والقومية والاشتراكية ثم لجان المجتمع المدني التي ابتدأت الحراك السياسي في الداخل منذ وثيقة التسع والتسعين إلى وثيقة الألف إلى وثيقة الثمان والثمانين والمائتين، ثم الأحزاب الكردية تقريبًا كلها والممثلة بالتحالف الديمقراطي الكردي، والجبهة الديمقراطية الكردية، وتضم الجبهة والتحالف ما ينوف على عشرة أحزاب كردية ثم حزب المستقبل الذي يرأسه الشيخ نواف البشير، إضافة إلى بعض الرموز السياسية والثقافية في البلد وعلى رأسهم النائب رياض سيف المعتقل منذ سنين والذي دعا للتجمع الليبرالي الديمقراطي. وأصبح مع إخوانه العشرة أبطالًا وضحايا ربيع دمشق، والتيار الإسلامي الذي يمثله الأستاذ الشيخ جودة سعيد. وتيار حقوق الإنسان الذي يمثله هيثم المالح إضافة إلى التيار العربي الاشتراكي الممثل بالدكتورة فداء أكرم الحوراني
ونتمنى أن تسمع عن انضمام الكثير من الشخصيات الفاعلة على الساحة السورية. ونخص بالذكر علماء الأمة، فقد آن الأوان أن يكونوا العصب الرئيس لهذا الإعلان، ويؤلمني أن أقول إنه هو التيار الغائب عن الوثيقة.
إجماع داخلي وخارجي
6- هذا التجمع الكبير للقوى الفاعلة في الداخل، وهذا الوضوح في المنطلقات والأهداف والأساليب هو الذي حدا بجماعة الإخوان المسلمين في الخارج أن تسارع للانضمام لهذا الإعلان، وهي التي تمثل التيار الإسلامي للمعارضة، وخلال فترة وجيزة درست الإعلان وأعلنت الانضمام. كما سارع المجلس الوطني في أمريكا وأعلن الانضمام باسم ناطقه الدكتور نجيب الغضبان، كما سارع فرعه في الغرب الأمريكي معلنًا الانضمام للموقعين على الإعلان ومن لندن أعلن مركز الشرق العربي واللجنة السورية لحقوق الإنسان انضمامهم للتوقيع على هذه الوثيقة إضافة إلى أحزاب التجمع من أجل سورية وحزب الحداثة وحزب الإصلاح ومركز الميماس للثقافة والإعلام ونبحث عن البارزين والعاملين في الحقل السياسي في الخارج فلا نكاد نجد أحدًا لم يوقع عليه.
ومن هنا تأتي قوة ما يشبه الإجماع الداخلي والخارجي للأطياف السورية كلها وراء هذا الإعلان.
7- وحين نجد الطعمة الحاكمة المعزولة التي تحكم البلد بقوة الحديد والنار قد غدت معزولة عن شعبها كله، رغم ادعائها أنها هي الشعب والأمة، ومن أجل هذه الحرية العظيمة التي تدعيها كشف الغطاء وانتحر رأس النظام الأمني أو نحر، وتحول الحكم إلى مجموعة يتصارعون على الحكم والمحافظة على المليارات من الدولارات التي حازوها، وهم ينتظرون مصيرهم بيد العدالة، وعند ميليس الخبر اليقين.
والدليل على ديمقراطيتهم والحرية عندهم، وتنفيذ مقررات المؤتمر القطري هو إغلاق منتدى الأتاسي، وانتحار غازي كنعان وتكسير آلات التصوير وسحب الأشرطة وتفريق المجتمعين بالقوة ومنعهم من إعلان رأيهم من خلال مؤتمر صحفي.
8- لم يكن يدر بخلدي وأنا أنادي شعبنا العظيم ليوحد كلمته أن يتجسد هذا الحلم واقعًا من خلال إعلان وثيقة دمشق من كافة أطياف المعارضة في الداخل، وانضمام معظم أطياف المعارضة في الخارج ممثلين لكل تيارات وطوائف أمتنا، فلم يبرز مثل هذا الإجماع منذ أربعين سنة في إعلان كلمة لا للنظام، ونحن حملة لواء التغيير.
لجنة تحضيرية
نطالب اليوم بعد هذه الخطوة أن يتبلور هذا اللقاء ويترجم من خلال لجنة تحضيرية منبثقة عنه تدعو إلى المؤتمر الوطني الشامل. ولا شك أن السلطة المتأزمة المحتقنة سوف تحول بين قوى المعارضة في الداخل والمشاركة في المؤتمر الشامل في الخارج بكل وسائل القمع المعروفة والمعهودة. لكن هذا لا يضير شعبنا فلا يعجز كل حزب أن يبعث ممثلًا له في هذا المؤتمر ومشارك في فاعلياته، إضافة إلى الزخم القوي من الخارج.
9- لقد كان السؤال يطرح دائمًا: ما مستقبل سورية إذا سقط النظام السوري ويتطوع المتربصون والغافلون والحاقدون إلى تقديم الجواب التالي:
البديل عن النظام السوري أحد خيارين:
إما الفوضى الشاملة، كما هي الفوضى في العراق دماء وأشلاء فساد وخراب والنظام أرحم من هذا المستقبل.
وإما سيطرة الإخوان المسلمين، واستبدال حزب قومي بحزب إسلامي يفرض هويته على البلد، ويعد جذوره إلى الإرهاب والقاعدة والنظام أرحم من هذين البديلين.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: 5).
البديل الأول لن يكون، وقيادات الشعب السوري بكل أطيافه وطوائفه قد اجتمعت على التغيير، وحددت المنطلقات والأهداف وحددت الوسائل والأساليب، ومستقبل التغيير المنشود
والبديل الثاني: هو ما يفتأ يفتريه خصوم الإسلام على الإخوان المسلمين خاصة، والتيار الإسلامي عامة، لقد جاءتهم الدلائل بينات عن تفكير الإخوان المسلمين من خلال الميثاق الوطني، ومن خلال المشروع السياسي، والذي وزع في الداخل والخارج، يطالب بدولة مدنية ديمقراطية تعددية مرجعيتها الإسلام، يحتكم فيها الناس إلى صناديق الاقتراع، ويكون الإخوان المسلمون شركاء في القرار السياسي للأمة، لا صانعوه، فالبلد لكل أبنائه لا يلغي ولا يستأصل ولا ينفي أحدًا.
الانفراد بالحكم
إنهم يعلمون ذلك، وقد أعلن الإخوان المسلمون أكثر من مرة بالفضائيات ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، أنهم لن يقبلوا أن ينفردوا في حكم سورية حتى لو أعطاهم الشعب ثقته من خلال صناديق الاقتراع، لأن الإرث الضخم من الفساد والبطالة والفقر والجوع، والذي سيخلفه النظام لن تستطيع فئة مهما كانت قوية أن تحمل أوزاره وتحل مشكلاته، فلا بد من مساهمة كل الشعب في الإصلاح، وهذا موقف مبدئي وسياسي عندهم وخصومهم يعرفون ذلك عنهم ولكنهم يكذبون.
10- وأخيرًا: هذه هي سورية. من أرادها. فقد قامت جبهتها وكيانها، وهي قادرة بإذن الله على إقامة دولتها، والذين يسألون عن البديل، ويصرون عليه، فهذا هو البديل ليس الفوضى وليس الإرهاب إنما حكم الشعب نفسه بنفسه بكل طوائفه واتجاهاته: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل