العنوان لمن يصوت مسلمو فرنسا في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2007
مشاهدات 66
نشر في العدد 1748
نشر في الصفحة 34
السبت 21-أبريل-2007
ساركوزي مرشح حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية... أول من أنشأ مجلسأ للمسلمين.. إلا أنه منع عدداً من العاملين المسلمين في مطار شارل ديجول عن العمل. وتعامل بعنف غير مسبوق مع شباب الضواحي
سيقولان روايال، مرشحة الحزب الاشتراكي... تشدد ضد المسلمين وتهاون مع الانحلال.. ودعم لا محدود للأجندة الصهيونية ضد القضايا العربية
اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى على دورتين: ٢٤ أبريل والخامس من مايو. ومع اقتراب الموعد، تزداد حيرة مسلمي فرنسا بشأن اختيار المرشح المناسب أو الأقل ضرراً للمسلمين. ترجع هذه الحيرة لعدم وضوح برامج المرشحين بشأن التعامل مع ملف المسلمين، كما أن لكل مرشح إيجابيات وسلبيات تصعب عملية الاختيار. ويعتبر وزير الداخلية السابق نيكولا ساركوزي مرشح حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية ( UMP) - حزب الأغلبية الحاكم - أكثر المرشحين إثارة للجدل داخل تجمعات مسلمي فرنسا، نظراً للغموض والازدواجية التي تكتنف تعامله مع الملف الإسلامي عموماً.
فرص ساركوزي، فمن بين الإيجابيات التي تجعل المسلمين يميلون إلى اختياره أنه أول من نجح في إقامة مجلس يمثل المسلمين على المستوى الديني، وهو ما يعرف بـ المجلس الفرنسي للديانة المسلمة.. بعدما فشل من سبقوه من وزراء الداخلية على هذا الصعيد.
وقد تزامن إنشاء المجلس الممثل للمسلمين مع تصريحات جريئة لساركوزي تدافع عن حق المسلمين في معاملة عادلة مثل بقية الأديان، وحقهم في تطبيق دينهم. في إطار قوانين الجمهورية العلمانية الفرنسية، وفي أجواء من الاحترام لكرامتهم... وكذا تأكيده على حق المسلمين في مساجد وأماكن للعبادة محترمة.
لذا تجمع غالبية المسلمين على دعم ساركوزي الذي باشر الملف الإسلامي عن قرب بحكم منصبه السابق (وزير داخلية). وعرف تفاصيله، مما يسهل التعامل معه مستقبلاً.
في مقابل تلك النظرة الإيجابية تبرز نظرة سلبية وسط بعض الفئات داخل المجتمع الفرنسي من المسلمين، حيث يؤكد هؤلاء على بعض المواقف التي وقع فيها ساركوزي، وأثارت سخط المسلمين أثناء فترة توليه الداخلية مثل منع عدد من العاملين المسلمين في مطار شارل ديجول من العمل في حمل الحقائب إلى الطائرات وبعض الخدمات الأخرى وسحب بطاقات المرور الضرورية لعملهم، بحجة أنهم يمثلون خطراً محتملاً، بناء على مظهرهم الإسلامي (لحى زي إسلامي..)
من ناحية أخرى، فإن الحزم المفرط من وزير الداخلية السابق (ساركوزي) في التعامل مع الشباب الذين كانوا وراء موجة العنف التي اجتاحت ضواحي المدن الفرنسية بقيت آثاره اليوم واضحة في خطاب الشباب الرافض لسياسة استعراض العضلات، ومن بينهم عدد كبير من أبناء المسلمين.
ويقوم معارضو ساركوزي بتوظيف أحداث الضواحي مع التركيز على بعض الكلمات التي استعملها الوزير مثل «حثالة» لتأكيد على أن سياسة هذا المرشح ليست في صالح الشباب الذين يعيشون ظروفاً اجتماعية قاسية، علماً بأن نسبة كبيرة من هؤلاء الشباب سيكون لهم حق التصويت في الانتخابات القادمة.
تماهي برنامجه مع التوجهات الأمريكية
وعلى مستوى السياسة الخارجية، فإن برنامج ساركوزي يمثل هو الآخر مصدر تخوف لدى المسلمين من خلال مواقفه القريبة من خط بوش والإدارة الأمريكية الحالية في ملف العراق... فيؤكد عدم الانسحاب السريع من العراق، وفي نفس الوقت يدعو إلى ضرورة الانسحاب المشروط باستقرار الوضع...
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، يؤكد ساركوزي ضرورة ضمان أمن إسرائيل. حتى يمكنها أن تقوم ببعض المواقف السياسية الكبرى.
وإزاء ذلك أصدر الكيان الصهيوني طابعاً بريديا يحمل صورة ساركوزي: تعبيراً عن التأييد الرسمي له، إضافة إلى التأييد الذي لقيه من يهود فرنسا المقيمين هناك. وليس خافياً أن جذوره اليهودية (أمه يهودية من أصل مجري) تمثل أحد العوامل المؤثرة سلباً أو إيجاباً في عملية الاختيار. من ناحية أخرى، يدعو ساركوزي لإقامة اتحاد متوسطي على غرار الاتحاد الأوروبي، ودعم الأنظمة الديمقراطية والمعتدلة في العالم العربي والإسلامي ضد قوى التشدد التي يصفها بـ الظلامية....
روايال.. المرشحة الاشتراكية الغامضة
أما برنامج سيقولان روايال، مرشحة الحزب الاشتراكي المعارض فإن برنامجها بشأن الملف الإسلامي أكثر غموضاً، من مرشح الحزب الحاكم. فهناك بعض الإشارات التي لا تشجع المسلمين على التصويت لصالح هذه المرشحة من ذلك مواقفها من قضية الحجاب حيث تصف روايال، النساء المحجبات بأنهن نساء مغتصبات حسبما رددت بعض وسائل الإعلام الفرنسية مؤخراً... فيما يؤكد البعض أن هذا الموقف لم يثبت على الأقل رسمياً، لكنه غير مستغرب في ظل التوجه الرسمي لـ الحزب الاشتراكي، المساند بقوة للتيارات العلمانية التي تتخوف من مظاهر التدين الإسلامي، فيما تتساهل مع ظاهرة الانحلال الخلقي في الأسرة والمجتمع بحجة مواكبة الحداثة والتطور، من خلال الاعتراف بزواج الشواذ وحقهم في تبني أطفال.
وتتهجم وثائق الحزب الداخلية في أدبياتها على ساركوزي، وتحالفه مع ما وصفتهم بجهات أصولية، مع التركيز على اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنساء الذي برز على الساحتين الإعلامية والسياسية خلال العشر سنوات الأخيرة.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، تساند المرشحة الاشتراكية روايال بوضوح السياسة «الإسرائيلية، بل وتندد بحكومة حماس كما دعت خلال العديد من المناسبات إلى ضرورة منع إيران من حقها في امتلاك الطاقة النووية، بما في ذلك السلمية، بحجة التخوف من أن تكون مدخلاً للحصول على السلاح النووي.
وليس غريباً على الحزب الاشتراكي الفرنسي مثل هذه المواقف التي اشتهر بها. خاصة في عهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا میتران، الأمر الذي يفسره المراقبون بالتوجه الصهيوني للحزب.
ومعلوم أن عدداً من أقطاب الحزب الاشتراكي الفرنسي ورموزه هم من أصول يهودية مثل لورون فابيوس - وزير أول سابق في عهد الرئيس ميتران - وستروس خان - وزير سابق أيضاً ـ وجاك لانغ وزير الثقافة.
وخاض، فابيوس، وستروس خان و روایال انتخابات داخلية للترشح للرئاسيات القادمة، فيما تنازل الانغ، لصالح روايال، التي فازت بترشيح الحزب الاشتراكي لها.
وإذا كانت نسبة كبرى من الملتزمين (المطبقين) من المسلمين يشككون في نوايا المرشحة الاشتراكية في تعاملها مع الملف الإسلامي، بالنظر إلى ضغوط التيارات السياسية، ومراكز صنع القرار، ومجموعات الضغط داخل الحزب، فإن نسبة كبرى من غير الملتزمين بتطبيق دينهم من المسلمين ينظرون إلى الأمر من زاوية أخرى فهم يعتبرون الحزب الاشتراكي مدافعاً عن مصالح الأقليات والمهاجرين، وأكثر عدلاً من اليمين في التعامل بين المواطنين، ثم إن البعض - وخاصة في صفوف العنصر النسائي - يجدون في ترشح امرأة لمنصب الرئاسة - لأول مرة في تاريخ فرنسا. فرصة جيدة للتعبير عن حقوقهن.
بايرو.. تيار الوسط
وإلى جانب هذين المرشحين عن الحزب الاشتراكي والحزب الديجولي برز مرشح ثالث له حظوظ كبيرة في الوصول إلى سدة الحكم. وهو فرانسوا بايروه مرشح الحزب الديمقراطي الفرنسي، المعروف بحزب الوسط.
وقد سيطر ذلك التيار على الحياة السياسية لعقود طويلة، مما جعله محل اهتمام خاصة من جانب مسلمي فرنسا، والواقع أن خطابه مفتوح على الجميع وكل مكونات المجتمع، ويشدد على احترام الأديان، منطلقاً من كونه مسيحياً مطبقاً لدينه.
ومع ذلك، فإن بعض المسلمين يرون أن يكون التصويت لمرشحين من خارج الدائرة التي حكمت أو ساهمت في السلطة، وذلك من باب معاقبة الأحزاب الكبرى التي استأثرت بصنع القرار وهمشت الأقليات وأقصتها.
ومن هؤلاء من لا يرى مانعاً من التصويت لصالح جون ماري لوبان، رئيس حزب الجبهة الوطنية، الذي يحسب على أقصى اليمين، باعتباره واضحاً في مواقفه التي تركز على السيادة الفرنسية والأولوية للفرنسي قبل الأجنبي في العمل والسكن وغيره.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، أبدى شجاعة في مواقفه من القضية العراقية والفلسطينية بانتقاده التدخل الأمريكي في العراق بشدة، ومطالبته باحترام سيادة الشعب العراقي، كما لا يرى مانعاً من استقبال حكومة فلسطينية تشارك فيها حماس ما دام الشعب الفلسطيني قد اختار ممثليه بحرية...
استطلاعات الرأي..
لوبان وبايرو وتزيد استطلاعات الرأي.. المسلمين حيرة، كلما اتضح تقارب الأصوات بين المرشحين الأربعة الأوائل: ساركوزي وروايال وبايرو ولوبان، وكثرت التوقعات حول نتائج الدورة الأولى والمفاجآت التي يمكن أن تحدث على غرار الانتخابات الرئاسية السابقة في ٢٠٠٢م، عندما تمكن لوبان زعيم الجبهة الوطنية من إزاحة مرشح الحزب الاشتراكي ليونال جوسبان الوزير الأول السابق، ودخل الدورة الثانية منافساً لشيراك.
وتكرار مثل هذا السيناريو ليس مستبعداً، ولكن هذه المرة بين لوبان وبايرو. بما يعني أن أغلب الأصوات ستذهب إلى بايرو في الدورة الثانية.