العنوان راشد الغنوشي: لم يتعد الخلاف داخل حركتنا حد المجادلة
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 927
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 08-أغسطس-1989
راشد الغنوشي .. لم يتعد الخلاف داخل
حركتنا حد المجادلة
في المنتدى الفكري (2)
نشرنا في العدد الماضي الجزء الأول من المنتدى الفكري مع المفكر
التونسي الإسلامي الأستاذ راشد الغنوشي، وذلك حول ممارسة حق الاختلاف داخل حركة
الاتجاه الإسلامي التونسية، وفي هذا العدد نتابع نشر الجزء الثاني من المنتدى الذي
تحدث فيه الأستاذ الغنوشي لأسرة تحرير المجتمع، وذلك كما يلي:
المجتمع: ما هو التفسير الإسلامي في مسألة
حرية الاعتقاد، وما هو التفسير أن الإسلام لم يتح لليهود والنصارى أن يبقوا في
الجزيرة العربية؟
الغنوشي:
حقيقة الأمر -يا أخي- أنني مشغول بإشكالية الواقع، مشغول بوجودي، أنا
ليس معترفًا بي في هذا العالم، وليس مشكلتي الآن هي وجود الآخر، هذا أولًا.
ثانيًا- القراءات للتراث، تأويل التراث
بمعنى آخر، التراث ذلك التجربة التاريخية قابلة لتأويلات شتى، وما هو مطروح في
الساحة ليس إلا تأويلًا من تأويلات التراث وسيرة الخلفاء، أو تأويل سيرة النبي
-صلى الله عليه وسلم- فعندما تسأل ماذا فعل الأولون نتساءل: هل النبي -صلى الله
عليه وسلم- كانت قضيته في مكة أن يحقق حرية الدعوة، أم أن ينفي عن الآخرين هذا
الحق، الذي أفهمه كانت قضيته في مكة ضمان حرية الدعوة، وإتاحة الفرصة لها، وقد عبر
عنها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشكل دقيق واضح في قوله -صلى الله عليه وسلم-:
«خلوا بيني وبين الناس»، وتلك هي قضية الدعوة في كل زمان ومكان «خلوا بيننا وبين
الناس»، هذا عنوان منهاج للحركة الإسلامية، كل ما نطالب به هو أن يتيحوا لنا
الفرصة لنخاطب الناس، لنحرر حجتنا، لنعبر عن رأينا، لنقدم برامجنا، كل الذي نطالب
به هو دكان صغير في سوق حرة نعرض فيه بضاعتنا، والذي يحكم على هذه البضاعة حسنًا
أو قبيحًا، إدبارًا أو إقبالًا هي الجماهير، وفي المدينة ماذا فعل -صلى الله عليه
وسلم- عندما حاز على السلطة، حسنًا، نحن الآن ملكنا السلطة -أحسب أننا بهذه
العقلية لن نصل إلى شيء- ماذا فعل -صلى الله عليه وسلم- عندما جاء إلى مجتمع له
تركيبة سياسية وثقافية واجتماعية مختلفة، ماذا فعل لهذه التركيبة، هل ألغاها؟ أول
ما فعل حرر ميثاقًا وطنيًا للتعبير، حرر دستورًا ليضمن حق المواطنة ويحددها ويحدد
واجباتها لكل التركيبة الاجتماعية والدينية والسياسية، ولم يستثن في ذلك منها
فردًا، يهودًا، مشركين، ما أدري إذا وجدت تيارات أخرى وأفراد آخرون في تلك
التركيبة غير اليهود والنصارى والمشركين، هل كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-
يقصيها؟ ليس هناك دليل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعترف بكل التركيبة
الموجودة، وسن دستورًا لضمان حقوق وواجبات المواطنة لأفراد كل تلك التركيبة، بعد
ذلك جاءت حروب أقصيت على أثرها بعض عناصر تلك التركيبة، والسيرة تبين لنا ذلك، فقد
عاهد بعضهم النبي -صلى الله عليه وسلم- للدفاع عن المدينة وعدم موالاة أعداء الأمة
الإسلامية، ولكنهم نكصوا عن ذلك العهد، وحتى المسلمين الذين والوا أعداء الإسلام
تعرضوا للعقوبة، فكل مواطن مطالب بالولاء للدولة مسلمًا كان أم كافرًا، وإذا خان
عقد الولاء والمعاهدة فسيستحق عندها العقوبة.
فاليهود عوقبوا وقطعت رؤوس مقاتليهم وليس نسائهم لسبب خيانتهم، أما
قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا دينان في جزيرة العرب فهو أيضًا موضوع حمال
أوجه، فقد اختلف الفقهاء حول تعریف جغرافية جزيرة العرب، وأقل حد اتفقوا عليه هو
حدود الحرمين الشريفين باعتبارها أرضًا مقدسة ودخولها للتجارة أيضًا ذكرت فيه
أحكام، فالمسألة إذا تعلقت بأرض الحرمين الشريفين يمكن توجيهها توجيهًا معينًا على
أنها أرض حرم لها أحكام خاصة حتى بالنسبة للمسلم فضلًا عن غير المسلم، وهكذا نحن
المسلمين المعاصرين نصر على قراءة تاريخنا بوجهة نظر معينة، ولا يتحمل إلا وجهة
نظر واحدة، على الرغم من أنه يتحمل وجهات نظر كثيرة دائمًا نأخذ أشدها، في حين
أننا نعيش في أعسر الظروف التي تقتضي منا البحث عن الحد الأدنى الذي يجعل منا
مسلمين، وليس الحد الأقصى لأننا مقهورون لأننا مغلوبون، نحن في بلادنا يطرح علينا
بعض الناس مسألة نقاب المرأة، في بلد يرفع شعار الإباحية، ويجرد المرأة من الحياء
واللباس أيضًا، هل ندفع شعار الحد الأدنى من الستر وهو ليس تلاعبًا فقهيًا، وإنما
هو رأي راجح، هل نلام على أننا أخذنا بالحد الأدنى دون الحد الأقصى؟
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما خير بين أمرين قط إلا اختار
أيسرهما، وأحسب أن كثيرًا من المسلمين ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أشهرهما
وأعسرهما، وكأن هذا يكشف عن الحالة النفسية للمسلم، هل المسلم المغلوب المقهور
يريد أن يعوض عن هزيمته، بماذا؟ بالأخذ بأشد الآراء عجبًا.
المجتمع: كيف يمكن أن نتقن فهم الخلاف
وتوظيفه للارتقاء بالحركة الإسلامية وأجنحتها على الخارطة الإسلامية، وذلك من
منظور الواقع الذي تعيشه الحركة؟
الغنوشي:
- بغض النظر عن علاقة السؤال بواقع معين وارتباطاته بجهات معينة نطرح
المشكلة في اتساعها وعمومها؛ لأن القضية إذا كانت تعني حركة محددة لهان الأمر،
ولكن الخطب أقدح كما أزعم، وكما ذكر السائل الكريم فإن هذا الإشكال هو فرع عن قضية
أكبر هي موقع الآخر في حياتنا.
هذا الآخر وينفي مرة إذ يكون مخالفًا في
الاعتقاد، وينفي بصورة أخرى وهو شريك في الاعتقاد ومن أصل الملة، ولكنه ينفي ويقصى
وقد تدنس كرامته، وقد يهدر دمه لا لاختلاف في الاعتقاد، وإنما لمجرد اختلاف في
الرأي والاجتهاد سواء كان هذا الاجتهاد فكريًا فقهيًا، أو اجتهادًا حركيًا
سياسيًا، وكل ذلك راجع إلى ميراث الاستبداد في ثقافتنا، وفي تاريخنا فهو استبداد
يعبر عن نفسه، ولا يزال يطفح تمزيقًا لأمتنا، مزقت أقاليم وقبائل، ويعبر عن نفسه
في الحركة الإسلامية وفي غيرها من الحركات العلمانية التي تزعم أنها قد تحررت من
ميراثنا الثقافي، ولكن الميراث أعمق وأكثر تغلغلًا في النفس والتربية من أن يذهب
مجرد قرار من الانتقال من حزب إلى حزب آخر، ومن صف إلى صف آخر، ميراث الاستبداد إذن
عميق في ثقافتنا، وأهم صوره نفى الآخر مرة بحجة أنه مخالف في الاعتقاد، ومرة ثانية
بحجة أنه مخالف في الفكر والسياسة، ينبغي أن نعترف بأن أكبر فشل في تاريخنا لم
يعالج حتى اليوم كما ذكر أحد الفقهاء الدستوريين الإسلاميين، وهو عجزنا في إدارة
الخلاف، عجزنا في إدارة الحوار بيننا حتى تلخص أسلوب الحسم في السيف إن ملكنا
السيف، وإن لم نملك السيف لأننا حركة سياسية ودينية نملك تشويه السمعة، ونملك
الإقصاء، ونملك حتى الكذب على المخالف ورميه بما ليس فيه، فكيف هؤلاء لو كان
بأيديهم سيوف، أكاد أرتجف إذ أتصور بعض إخواننا وبيده السلطة، كما أرتجف إذ أرى
اليساريين يتجادلون ويسبون بعضهم بعضًا، ويسيل بعضهم دماء بعض في جامعاتنا
ونقاباتنا وحتى في منظماتنا الإنسانية، ألم أقل لكم إن الاستبداد روح عامة تسري في
مجتمع معين بكل فئاته، ميراث، أحسب أن حظ الإسلاميين فيه أقل من الآخرين؛ لأن
أخلاقياتهم الإسلامية تخفف من حدثه حتى لا نشتط، فنحن في تجربتنا في تونس اختلفنا
مع إخوان لنا، ونشأت حركات إسلامية أخرى، ولكن حتى الآن -بحمد الله- لم يتجاوز
الخلاف المجادلات التي قد تخرج عن أدب الخلاف الرفيع، ولكنها لا تصل إلى ممارسة
العنف، فلم يمارس إسلامي العنف في بلدنا ضد إسلامي آخر -ولله الحمد- حتى الآن،
بينما الفئات اليسارية في بلادنا رآها الناس تمارس العنف في كل المستويات، والفئات
العلمانية التي ترفع شعار العلمانية أيضًا مارست العنف والإقصاء ضد بعضها، ولكن
ليس معنى ذلك أننا راضون عن أنفسنا، فحتى الآن لم نرتق بأسلوب إدارة الحوار إلى
المستوى الذي وصل إليه الغربيون، أقول هذا أسفًا وحزنًا؛ إن الغرب نجح فيما فشلنا
فيه حتى الآن، نجح في تكريس تقاليد، وفي إبداع أساليب وقوانين ومؤسسات لحسم الخلاف
بطريقة سلمية، فانتقال السلطة في الغرب فن رفيع جدًا لم يتحقق عندنا حتى الآن،
فعندنا السلطة إما أن تنتقل ضمن العائلة، وأحيانًا بمشاكل قد تحاصر ضمن العائلة،
ولكن تطاحن داخلي، وحيث لا توجد هذه العائلة فالخطب أقدح، والتداول لا يتم إلا عن
طريق «عزرائيل» أو الدبابة، فلا أمل في إخراج حاكم إلا بزيارة من عزرائيل أو
بدبابة في الفجر الأول، على حين أن الغرب نجح في هذا، وحري بنا أن نتعلم حتى من
خصومنا.
فالشورى قيمة عظيمة في تاريخنا، عرف الغرب
أن يوجد لها من المؤسسات ما لم نعرفه، قيمة الشورى استوردها الغرب منا، وأحسن إلى
حد كبير إبداع مؤسسات وقوانين لإدارتها وتحويلها إلى مؤسسات، وظلت عندنا في الغالب
شعارًا للوعظ والإرشاد الشورى، ليست شعارًا وليست ممارسة سياسية فحسب، وانما هي
ثقافة وعقلية، فلسفة كاملة للحياة ورؤية، وهي تكريم للإنسان كإنسان، ومن تكريم
الإنسان أن الله -سبحانه وتعالى- جعل مقود حياته بيده، منع عنه الإكراه بأي اسم
حتى باسم الدين «لست عليهم بجبار» ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (سورة الغاشية: 22) ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة
يونس: 99) تكريم الإنسان أن يتولى مقود حياته، أن يقرر مصيره، فحق تقرير المصير هو
الشورى، حق الشعب في تقرير مصيره، حق الفرد في تقرير مصيره، الشورى نظام لإدارة
العلاقات، عقلية لاحترام الإنسان.
ومن احترام الإنسان للإنسان إعطاؤه الحق في
أن يخالف، حقه أن يسلك طريقًا غير طريقك، من تكريم الإنسان أن يكون له صوت أن تكون
له شخصية، رجلًا كان أم امرأة، فقيرًا أم غنيًا، الشورى في نظام الإسلام ليست
نظامًا لإدارة العلاقات السياسية فحسب، وإنما هي نظام لإدارة العلاقات البشرية
كلها بدءًا بالأسرة، فحتى الجسم في نظام الطفل، هذا القرار الصغير لا ينبغي أن
يستبد به الأب ولا الأم، ولكن ينبغي أن يتم عن تراض منهما وتشاور، وهكذا التعليم
في المدرسة، وهكذا إدارة المؤسسات حتى نصل إلى إدارة الدولة، لذلك نجد فنًا عظيمًا
في القرآن هو من الحوار، الحوار يعني وجود أطراف شتى، وليس طرفًا واحدًا يملي،
تأمل آيات الله، وقال، وقال، كل هذا حوار في القرآن، ويعني أن الآخر موجود دائمًا،
وأن من حقك أن تحاوره، ومن حقه أن يحاور وأن يحاجج.
فلم تحجب حجج فرعون في القرآن، ولم تحجب
حتى حجج الشيطان، بل وقع إيرادها بكل تفصيل، فإذا كان من حق الشيطان أن يحاجج عن
رأيه، وأن يسجل هذا الحجاج في أقدس نص وأدومه، فهل نحجب نحن عمن هم دون الشيطان
بأي مقياس حق إيراد حججهم في الصحف، وأن تورد حججهم في الكتب، وأن يكون الحسم هو
الحجة طالما سلاح الحجة هو الكلمة، أحسب أن الحركة الإسلامية رغم أنها حاولت وما
زالت تحاول أن تتباين مع الإرث التاريخي أن تتحرر من الإرث الاستبدادي، وهو إرث
تشترك فيه كل مكونات المجتمع السياسية والفكرية: إسلاميون، شيوعيون، علمانيون، إرث
رضع من ثدي المجتمع، رغم أن الحركة الإسلامية حاولت أن تتحرر من هذا الميراث
المعطى، وقد حققت بعض الكسب، ولكن لا تزال بأحجام متباينة من قطر إلى قطر، ومن
حركة إلى حركة مشدودة إلى ذلك الإرث المستبد، الحل هو أن تصدع بما تؤمر، أن تعبر
عن رأيك حتى وإن أزعج الآخر حتى وإن أقض مضجعه.