العنوان لن يغيروا الحقيقة ولو كتبوا بكل ماء البحر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1984
مشاهدات 59
نشر في العدد 678
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 10-يوليو-1984
التفكير السياسي الناضج غالبًا ما يدل صاحبه على الميزان الصحيح لدى تقييم الحركات السياسية أيًا كان لونها.. وأيًا كانت أيديولوجيتها.. وما لم يكن المفكر ناضجًا ثم عادلًا فأولى له ألا يدلي بدلوه لئلا ينضح بالغث الذي امتلأ به، ولئلا يظهر بالتالي أمام الآخرين بمظهر الذين حسبوا أنهم يعلمون كل شيء وهم لا يعلمون من الأمر شيئًا.. ولعل كثيرين من هذا النوع هم الذين- إذا حاولوا أن يطرحوا قضية ما- تتبعوا ما يطرحه الغربيون من مقولات أو تلمسوا ما قد يفكر به بعض الحكام ليفصلوا من تلك المقولات وهذه الرغبات ما يطرحونه على الرأي العام على أنه من المسلمات.. وقد ينسب بعض هؤلاء لما يفعلونه سببية موجزها الحرص على صيانة مجتمعاتهم!! وذلك من خلال محاولاتهم التي تدعي الرغبة في تأصيل فكرهم على اعتبار أن كل ما خالفهم من فكر إنما هو وافد ودخيل.. والعجيب أن معظم هؤلاء لا يملكون الاستعداد لتصحيح مواقفهم أبدًا.
● لقد لمسنا هذه الحقيقة المُرة بشكل سافِر في كثير من المقولات التي ما زالت تدفع بها بعض الأجهزة الإعلامية في العالم العربي بخاصة.. ولعل أبرز ما حاولت تلك الأجهزة لوكه وطرحه وتحليله وتصنيفه هو موضوع الحركة الإسلامية وما أسموه- نقلًا عن الصحافة الغربية- بالأحزاب الإسلامية.. فكما فعلت صحافة الغرب وتقارير بعض سفاراته في العالم العربي والإسلامي.. كرر بعض المنبرين لتقييم الحركة الإسلامية المقولات الغربية نفسها.. وقد تلخص ذلك- فيما يتعلق بالحركة الإسلامية- بثلاث نقاط.. حاول مقلدو الصحافة الغربية لصقها بالإسلاميين.. مع التركيز على جماعة الإخوان المسلمين لدرجة أن هذه الصورة عن الحركة الإسلامية تأصلت عند بعض الحاكمين في بلاد عديدة وفي أذهان بعض السُذج من الناس مع أنها صورة مغايرة للحقيقة تمامًا، وتلك النقاط هي:
1- عداء الحركة الإسلامية ودعاتها وأتباعها للعروبة.. وامتهان كل ما هو عربي.. مع محاولة الانسلاخ من العربية.
2- العمل من أجل إنشاء الدولة الدينية.
3- ممارسة الإرهاب ضمن المجتمعات التي عاش الإسلاميون فيها أو هاجروا إليها. تلك هي باختصار أهم النقاط التي عمل الإعلام الغربي على لصقها بالإسلاميين.. وهي النقاط التي يكررها كثير من الديبلوماسيين والسياسيين الغربيين عندما يتحدثون عن الحركة الإسلامية.. وهذا ليس بالموقف العجيب.. إنما العجيب هو تكرار بعض أبناء جلدتنا لهذه المقولات التي لم تثبت صحتها لدى عقلاء الأمة من حاكميها أو محكوميها.
● فليس صحيحًا أبدًا أن الحركة الإسلامية ودعاتها وتابعيها في البلاد العربية يتنصلون من أصلهم.. ويلغون تراثهم الذي هو تراث إسلامي أصيل تشرفت به الدنيا بقدر ما تشرفت بدين الإسلام ونبيه العربي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هنا فإن الحركة الإسلامية ودعاتها وأتباعها في البلاد العربية لا يلغون هذا الشرف ولا يعادون أي معنى من معاني هذه الأمة الخالدة.. وهم يعملون على تأصيل مفاهيم الأمة كما جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم.. فيستنون ما استن من فضائل كوحدة أمة هذا الدين... فلا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.. وينبذون ما نبذه.. وأشد ما نبذه المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو النبي العربي اختلاف الأمة المسلمة وتفرقها وذهاب ريحها.. لقد كان مفهوم النبي صلى الله عليه وسلم في المفاضلة بين الناس لا يعتمد على العرق.. وإنما كان مفهومًا واضحًا قائمًا على مدى صلة الفرد بمفاهيم هذا الدين.. ومدى ارتباطه بالله برباط التقوى.. وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13) وإذا وجد في العصر الحديث بعض الشعوبين من العرب أو من الأعاجم أساءوا فهم هذا المعنى وانحرفوا به.. فهذا ليس ذنب هذا الدين.. وليس ذنب من يدعو إلى الإسلام.. إنما هو ذنب الشعوبيين أجمعين مهما كانت أعراقهم أو أجناسهم.. أما مؤسسو الحركة الإسلامية ومفكروها كالشهيد حسن البنا والأستاذ أبو الأعلى المودودي والدكتور مصطفى السباعي رحمهم الله جميعًا، فلم يكن لهم أي موقف عدائي لأصلنا العربي ولمفاهيم العرب المسلمين ولم يدعوا أحدًا من العرب للانسلاخ من أصله أو وطنه.. وإلى جانب هذا لم يكونوا دعاة للشعوبية أو الإقليمية أو القطرية ففي هذا مهلكة الأمة.. وإنما كانوا دعاة مقيدين بما ورد في كتاب الله وسُنة نبيه.. وهذا شأن الحركة الإسلامية التي أسس بنيانها هؤلاء.. وهذا شأن كل أتباعها.. وليس لأحد من الخراصين أن ينسب حزبًا شعوبيًا فئويًا عنصريًا إلى الحركة الإسلامية.. وليس لأحد أن ينسب إلى الحركة الإسلامية أية جهة أو فئة أو قوم أو ثورة لا تتخذ منهجًا من كتاب الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. ليس لأحد أن يفعل هذا ليمارس تضليله وينسب إلى جماعة كجماعة الإخوان المسلمين مثلًا سلوك الإرهاب والعنف والعدائية لكل شيء.. فليس صحيحًا أبدًا أن الحركة الإسلامية وعلى رأسها حركة جماعة الإخوان المسلمين تؤمن باستخدام العنف لتحقيق مقاصدها.. أو لتحقيق الدولة الدينية كما يكرر بعض أعداء الحركة نقلًا عن الإعلام الغربي أو عن الديبلوماسيين والسياسيين الغربيين الذين يدلون بهذا الطرح في كل مناسبة.. إن الحركة الإسلامية تضطلع بمهمة الدعوة إلى الإسلام وتبليغها للناس كافة حكامًا ومحكومين على السواء دون أن يكون لها مطمح في الحُكم وهي تقيس نجاحها بما تستطيع تحقيقه في مجال الدعوة إلى الله فقط.. وإذا كان الغربيون الذين يكتبون اليوم عن الحركة الإسلامية يشبهون مطالبها بمطالب قساوسة العصور الوسطى في أوروبة فهذا هو التزوير والتمحل.. وهذا هو الظلم نفسه..
إن المفهوم المطلبي للحركة الإسلامية لا يتعدى مطالبة المسؤولين في العالم الإسلامي بأسلمة القوانين.. وليبق الحاكم نفسه قائمًا أو ليحكم من يحكم ما دام مخلصًا وجهه لله مقبلًا على أسلمة كل شيء في بلاده.. والحركة الإسلامية لا تريد شيئًا آخر.. وليس العنف هو وسيلة الحركة الإسلامية- فهذا لم يقل به مؤسسو الحركة ومفكروها أبدًا. وتبقى الوسيلة هي النصح من خلال كل القنوات الميسورة.. وإذا كان يحلو لبعضهم أن يستشهد باستخدام الإسلامبولي رحمه الله العنف في بلد عربي كمصر لتحقيق هدفه.. فتلك هي مفخرة الإسلاميين في مصر.. أولئك الذين أزاحوا خائنًا أسقط الأمة في مهاوي الذل الذي لم تكن تظن نفسها أنها ساقطة فيه.
ويخطئ إذن كل من يصور الحركة الإسلامية حزبًا سياسيًا طامحًا للوصول إلى السلطة بشتى الوسائل كما تفعل الأحزاب العلمانية والاتجاهات اللا دينية التي استلمت السلطة ضمن سلسلة من الانقلابات المشبوهة في بعض البلاد العربية والإسلامية.
إن الحركة الإسلامية ودعاتها وأتباعها لم يفكروا باستخدام العنف.. فهذا ليس من منهاجهم بل هو منهاج أعداء الحركة الإسلامية كما أثبتت أحداث التاريخ السياسي المعاصر.. إنه منهاج أعداء الإسلاميين سواء كانوا من أتباع بعض الأنظمة الإرهابية ومؤيديها.. أو كانوا من المتطرفين اللا دينيين.. ولعل شعوب الأمة العربية تعرف هذه الحقيقة.. كذلك فإن أهل هذه المنطقة شهدوا مصداق هذا فيما عايشوه خلال سنوات العقود الأخيرة.. وبهذا لن يستطيع أعداء الحركة الإسلامية من اللا دينيين أن يقنعوا أهل بلدنا ومنطقتنا والعقلاء فيها بافتراءاتهم وتزويرهم للتاريخ ولو كتبوا على وجه هذه الأرض بكل ما في البحر من ماء.. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة الأنفال: 30) صدق الله العظيم.