العنوان ليالي «الشبينة» علامة مميزة لشهر رمضان في باكستان
الكاتب مهيوب خضر محمود
تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004
مشاهدات 40
نشر في العدد 1626
نشر في الصفحة 44
الجمعة 05-نوفمبر-2004
حافظ للقرآن في كل ثلاثة بيوت وهو ما يعني أن عدد حفاظ القرآن الكريم في باكستان لا يقل عن سبعة ملايين حافظ
سقوط المصحف على الأرض يعتبره الكثيرون إثمًا كبيرًا يجب التكفير عنه.. بوزن المصحف الذي وقع قمحًا أو شعيرًا أو حتى فضة
يصعب على الفرد قراءة القرآن جهرًا في الأماكن العامة لأنه سيجد العشرات يطلبون منه التوجه نحو مكان خاص مرتفع يليق بتلاوة القرآن
المصحف أغلى هدية تقدم للأعزاء وهو على رأس قائمة تجهيزات العروس
منذ استقلال باكستان عن الهند عام 1947 تحت إطار نظرية الدولتين الأولى للمسلمين والثانية للهندوس، سرعان ما بدأت مظاهر التمسك بالدين الإسلامي تتأصل على أرض باكستان التي يعني اسمها الأرض الطاهرة.. وكان من أبرز هذه المظاهر توجه الشعب الباكستاني نحو حفظ القرآن الكريم.
ومن الأمور الحميدة في باكستان اندفاع معظم الآباء حتى العلمانيين منهم نحو توجيه أبنائهم إلى حفظ القرآن الكريم في الصغر، كما لا تقتصر ظاهرة الاهتمام بالحفظ على طبقة معينة في أقاليم باكستان الأربعة، إنما هي ظاهرة منتشرة في جميع طبقات المجتمع الفقيرة منها والغنية على حد سواء، حتى شاع مثل في البلاد يقول: «أينما رفعت حجرًا وجدت تحته حافظًا للقرآن».. ورغم ما يجري على الأرض من تضييق حكومي رسمي على المدارس الدينية بعد أحداث 11 سبتمبر يقول معظم مسؤولي هذه المدارس الذين التقيناهم في العاصمة إسلام آباد إنهم يعانون من كثرة الطلبات الواردة إليهم من أسر ترغب في إلحاق أبنائها بحلقات تحفيظ القرآن الكريم حتى من كبار المسؤولين في الدولة بما فيهم جنرالات الجيش.
لا شك أن الدافع الديني لعب دورًا مهمًّا في توجيه الآباء لأبنائهم نحو حفظ القرآن الكريم، إلا أن ثمة عوامل أخرى لعبت دورها مثل الاقتناع بتفوق الحفاظ على نظرائهم في الدارسة حسب بعض الدراسات المحلية والرغبة في إحلال البركة على البيت بوجود حافظ فيه، وعلو المكانة الاجتماعية، ومع هذه المحفزات تخرج العائلات الباكستانية أبناءها من المدارس النظامية في سن مبكرة لتلحقهم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم لمدة تتراوح من سنة إلى سنتين هي مدة الحفظ المتوقعة.
وعند استقصاء المجتمع عن عدد حفاظ القرآن الكريم في باكستان مع عدد من المعنيين بالأمر، في ظل عدم وجود إحصائيات رسمية أشار كثيرون إلى أنه يوجد ما معدله حافظ للقرآن في كل ثلاثة بيوت، وهو ما يعني بحسبة بسيطة أن عدد حفاظ القرآن الكريم في باكستان لا يقل عن سبعة ملايين حافظ، وهو عدد من الكبر بمكانة تؤدي إلى الاعتقاد أنه لا يوجد مثله في أي دولة إسلامية أخرى.
طريقة التحفيظ
تستخدم مدارس تحفيظ القرآن الكريم في باكستان أسلوب التلقين الذي يبدأ بتعليم الطالب ما يسمى بالقاعدة النورانية لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا، وهي تحوي تعليم نطق الأحرف الأبجدية مع التشكيل، ومن ثم يبدأ الطالب بقراءة وحفظ ثلاث آيات على معلمه ولا ينتقل إلى الآيات التالية حتى يجيد الأولى، كما يخصص وقت كاف جدًّا كل يوم لمراجعة الحفظ السابق والذي عادة ما يكون قبل صلاة الفجر بساعة حيث تبدأ حلقات تحفيظ القرآن الكريم دوامها إلى صلاة المغرب، يتخلل ذلك استراحتان، مع التذكير بأن معظم منتسبي حلقات التحفيظ يبيتون في المساجد التي تتبعها حلقاتهم، وهو ما يوفر لهم الوقت الكافي لعملية الحفظ بعيدًا عن العائلة ومتطلباتها، وعادة ما يبدأ تحفيظ القرآن باتجاه عكسي من الجزء الثلاثين.
ويشار إلى أن أهالي المنطقة الواحدة بالتعاون مع مسؤولي حلقات التحفيظ يستغلون مناسبة إكمال بعض الطلبة للحفظ بترتيب برنامج عادة ما يكون على مستوى عال يشارك فيه أهالي الحي بحضور علماء كبار يقومون بلف العمامة على رأس الطالب الخريج، والتي تعتبر في العرف الباكستاني الشهادة الحقيقية لحافظ القرآن؛ وهو ما يجعل الحافظ يعتز بها ولا يمشي في الطرقات بعد تخرجه بدونها خصوصًا ممن يكملون المسيرة في العمل في المدارس الدينية وينقسم حفاظ القرآن الكريم بعد التخرج إلى قسمين:
الأول: يعود إلى مدرسته النظامية ليكمل مشواره الدراسي.
والثاني: يتوجه نحو العمل بما تفتح له شهادة الحفظ من مجالات في المجتمع، وهذا النوع من الحفاظ يزاول العديد من المهام والأنشطة، من أهمها تدريس القرآن الكريم في الحلقة التي تخرجوا منها أو في غيرها أو العودة لتدريسه في القرية التي جاء منها، وكذلك ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في المساجد وقراءة القرآن في محافل الزواج والوفاة وعند افتتاح المحلات التجارية والعودة من الحج وغيرها من المناسبات، وكذلك حضور حفاظ القرآن الكريم إلى المنازل بناء على طلب من أصحابها لقراءة القرآن وختمه.
ومن المشجعات على حفظ القرآن الكريم في باکستان عدم وجود أي رسوم مالية على سنتي الحفظ والإقامة، حيث تغطي حلقات التحفيظ مصاريفها من أموال التبرعات وهي حالة يندر وجودها في كثير من المجتمعات لا سيما مع الأعداد الضخمة التي تنتسب إلى هذه الحلقات؛ فالآباء غير معنيين بهموم الرسوم الدراسية إلا بما يرغبون هم في دفعه طواعية.
ومع هذا العدد المهول من حفاظ القرآن الكريم فإن ظاهرة ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في شهر رمضان موجودة حتى في مساجد القرى النائية، ناهيك عن مساجد المدن، وغالبًا ما يعقد احتفال رمزي توزع فيه الحلوى يوم السادس والعشرين من رمضان، وهو اليوم الذي عادة ما يختتم فيه القرآن يصحبه دعاء طلب القبول من الله سبحانه وتعالى.
وتقيم بعض المساجد الكبرى ليالي الشبينة، وهي ليلة السابع والثامن والتاسع والعشرين حيث يعاد ختم القرآن في هذه الليالي الثلاثة أي بقراءة عشرة أجزاء يوميًّا في صلاة القيام التي تبدأ بعد صلاة العشاء وتنتهي قبل أذان الفجر، وغالبًا ما يحضر كبار القراء للمشاركة في ليالي الشبينة من أصحاب الصوت الندي ومن العارفين بعلوم التجويد، فيما تزين المساجد التي تعقد فيها صلاة القيام بزينة مميزة ترفع عن الباحث عنها عناء السؤال.
التشدد حول قداسة القرآن
العاطفة الدينية الكبيرة التي يتمتع بها معظم أبناء الشعب الباكستاني جعلت من طبيعة تعاملهم مع القرآن الكريم قصصًا تروى وروايات تحكى، تدور معظمها حول الحفاظ على مكانة القرآن وقداسته واحترامه أينما تواجد.
فعندما يشرع أي باكستاني في فتح المصحف لقراءة القرآن فإنه ومن باب الاحترام يقبله ثلاثًا حسب ما توارثه الأبناء عن آبائهم، والمصحف عند الباكستانيين يجب أن يوضع في أعلى موقع في البيت أو المكتب، بحيث يكون فوق مستوى حركة أهل البيت لا سيما إن كان مكشوفًا للعيان، وهو ما يدفعهم إلى صناعة رف خشبي بالقرب من السقف لوضع المصحف عليه، والأهم من هذا هو ما درج عليه الباكستانيون من تغليف المصحف بقطع خاصة من القماش قد تكون واحدة أو أكثر حتى في المساجد، إلى درجة أنه يصعب أحيانًا فتح هذه الأغلفة فيما إذا أراد أحدهم استخدام المصحف للقراءة.
يقول الحافظ، مظهر الإسلام: إن كل ما يُرى من سلوك الشعب الباكستاني تجاه القرآن فإنه ناتج عن الاحترام والتقدير لكتاب الله، وقبل كل شيء التبرك به، ومن ذلك تقبيله وتغليفه ووضعه في مكان آمن.
سقوط المصحف من يد أحدهم على الأرض يعتبره الكثيرون في باكستان إثمًا كبيرًا يجب التكفير عنه، وهم يتصدقون بوزن المصحف الذي وقع قمحًا أو شعيرًا أو حتى فضة كل حسب المقدرة المالية، والجدير بالذكر أن مثل هذا السلوك وغيره يندرج في إطار العرف أكثر منه في الفقه الإسلامي وأحكامه.
يحدثني أحد الأصدقاء الذي وفد إلى باكستان حديثًا أنه وبينما كان عائدًا إلى العاصمة من زيارة سياحية إلى إحدى مدن باکستان الشمالية، أوقفته الشرطة التي عادة ما تتواجد على الطريق لإجراء عمليات تفتيش روتينية على الحافلة، وبدأ رجال الشرطة بتفتيش أمتعة الركاب ومنها حقيبة هذا الضيف، وما إن أخرج الشرطي مصحفًا كان يحتفظ به هذا الرجل في داخل حقيبته بين الملابس حتى انهالت صنوف وأنواع من كلمات التوبيخ والزجر من قبل الركاب والشرطة معًا على صاحب الحقيبة، كيف يترك القرآن الكريم على هذا الوضع، ومن ثم قام الشرطي بوضع المصحف عند السائق في مقدمة السيارة، على اعتبار أن هذا هو مكانه الطبيعي في أي سيارة، وبقي الضيف المسكين يتعرض لألوان من اللوم حتى الوصول إلى العاصمة!!
المصحف من تجهيزات العروس
ويعد المصحف الشريف أغلى هدية تقدم للأعزاء عند الباكستانيين، ومن هذا المنطلق يقع المصحف على رأس قائمة تجهيزات العروس عندما تدخل بيتها الجديد.
كما يصعب على الفرد في باكستان قراءة القرآن الكريم جهرًا في الأماكن العامة كما يشاء؛ لأنه سيجد العشرات ممن يعترضون طريقته ويطلبون منه التوجه نحو مكان خاص مرتفع يليق بتلاوة القرآن.
وليس بعيدًا عن بعض الباكستانيين ممن اعتقلوا في جوانتنامو الإقدام على الانتحار لما رأوا من إهانة للقرآن الكريم على أيدي الجنود الأمريكيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل