; ليبيا: الجمود السياسي والعسكري سيد الموقف | مجلة المجتمع

العنوان ليبيا: الجمود السياسي والعسكري سيد الموقف

الكاتب مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية

تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016

مشاهدات 52

نشر في العدد 2099

نشر في الصفحة 36

الخميس 01-سبتمبر-2016

بعد تمكنه من عقد جلسة مكتملة النصاب.. برلمان طبرق يرفض منح الثقة لحكومة السراج ويطالب بحكومة مصغرة

المؤسستان التشريعيتان اللتان أقر استمرارهما الاتفاق السياسي ليستا إلا واجهة سياسية.. والكلمة على الأرض للقوى العسكرية

مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية

ما زالت الأوضاع في ليبيا تراوح مكانها، في ظل عدم حدوث اختراق لافت في أي من المجالات السياسية أو العسكرية، أو على صعيد المصالحة الوطنية؛ حيث ما زال الانقسام سيد الموقف حتى الآن.

فسياسياً، ما زالت الحكومة المؤقتة برئاسة عبدالله الثني تمارس أعمالها من البيضاء، وتسير الأمور في المنطقة الشرقية، فيما يتولى المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني تسيير الأمور في المنطقة الغربية، وسط فشل مجلس النواب في عقد جلسة كاملة النصاب لمناقشة القضايا العالقة التي يعد أبرزها اعتماد حكومة الوفاق الوطني التابعة للمجلس الرئاسي الذي أفرزه اتفاق الصخيرات حتى الثاني والعشرين من أغسطس الماضي، حيث تمكن المجلس من عقد جلسة مكتملة النصاب، حضرها 102 نائب، رفضوا منح الثقة لحكومة السراج؛ حيث صوت 61 نائباً بحجب الثقة، وامتنع 40 نائباً عن التصويت، فيما صوَّت نائب واحد لصالح الحكومة.

وفي التطورات الميدانية؛ ما زالت المعارك مستمرة في أحياء من مدينة بنغازي بين قوات رئاسة الأركان التابعة لمجلس النواب ومجلس شورى ثوار بنغازي، وتنظيم «الدولة الإسلامية»، بينما اشتدت المعارك في سرت في محاولة من قوات عملية «البنيان المرصوص» لتحرير مدينة سرت من يد تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يسيطر على المدينة منذ عام 2014م.

أولاً: الأوضاع السياسية:

مازال الانقسام السياسي في مؤسسات الدولة مستمراً حتى الآن، رغم مخرجات اتفاق الصخيرات التي أنتجت المجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج، حيث استمر رفض كتلة كبيرة من مجلس النواب للحكومة التي اقترحها السراج منذ أكثر من 3 أشهر وسط استمرار منع فئة متعصبة من هؤلاء النواب عقد جلسة لمجلس النواب لإقرار الحكومة خوفاً من موافقة الأغلبية عليها، وهو ما لا يعجب أنصار «عملية الكرامة» باعتباره سيعد نصراً لمعارضيهم.

ومنذ الأحداث التي منع فيها انعقاد هذه الجلسات، لم يستطع مجلس النواب عقد جلسة مكتملة النصاب يناقش فيها القضايا العالقة، إذ امتنع أغلب النواب المؤيدين لحكومة السراج عن الذهاب إلى مدينة طبرق لحضور الجلسات، حتى الثاني والعشرين من أغسطس الماضي، حيث عقدوا فيه جلسة مكتملة النصاب، وصوَّت النواب بحجب الثقة. 

وبعد فشل الحكومة في الحصول على ثقة البرلمان، تلا رئيس البرلمان مشروع قرار، وافق عليه النواب، يدعو المجلس الرئاسي إلى تشكيل حكومة مصغرة من 8 – 12 وزيراً فقط، بدلاً من الحكومة الحالية، على أن يتم اختيار أعضائها بالتوافق مع جميع أعضاء المجلس الرئاسي، وعلى أن ترسل التشكيلة الحكومية الجديدة خلال عشرة أيام إلى البرلمان، والإجراءات والبيانات التي اتخذها المجلس الرئاسي في السابق تعتبر معدومة.

 وفيما يتعلق بالمجلس الأعلى للدولة (يشكله أعضاء المؤتمر الوطني سابقاً) يبدو أنه ماض في طريقه؛ إذ يعقد جلسات مستمرة دون الأخذ في الاعتبار اكتمال نصابه،حيث لم تلتحق به كتلة تحالف القوى الوطنية ولا نواب المنطقة الشرقية وغيرهم من النواب المؤيدين لـ «عملية الكرامة»؛ وهو ما يعني أن كلا الجسمين التشريعيين اللذين أقر استمرارهما الاتفاق السياسي الموقع عليه في الصخيرات ليسا إلا واجهة سياسية ليس لها من الأمر شيء، إذ إن التأثير الحقيقي على الأرض للقوى العسكرية والتكتلات الجهوية والقبلية التي تضع كلاً من الحكومة المؤقتة في البيضاء والمجلس الرئاسي في طرابلس كواجهة سياسية لها كل حسب توجهه وكتلة التحالفات السياسية التي يمثلها.

ولا يزال المجلس الرئاسي تحت ضغط كبير جداً، حيث يستمر عدم الاعتراف بحكومته في المنطقة الشرقية في وقت لا يزال فيه عبدالله الثني يمارس مهامه هناك، وبالإضافة إلى مشكلة الاعتراف بالمجلس في المنطقة الشرقية، فإنه يعاني الكثير من الضغوط جراء عدم قدرته على بسط الأمن وتنفيذ الترتيبات الأمنية بالشكل المقبول في المنطقة الغربية، حيث ما زالت تعاني من الانفلات الأمني؛ وهو ما عبر عنه بلقاسم قزيط، مستشار المجلس الرئاسي.

وبالإضافة إلى الوضع الأمني المتردي في المنطقة الغربية، فإن الوضع الاقتصادي وعدم توافر السيولة في المصارف المالية يشكل ضغطاً كبيراً على المجلس الرئاسي الذي تلقى ملياراً ونصف المليار دولار لتسيير الأمور في المناطق التي تقع تحت إدارته، لكن الوضع ما زال متردياً، كما قال رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، فحذر من انهيار النظام البنكي نتيجة استمرار أزمة نقص السيولة، مشيراً إلى أن رجال أعمال ومواطنين سحبوا ما قيمته 24 مليار دينار ليبي؛ مما يهدد بانهيار البنوك.

ثانياً: الوضع العسكري:

ما زالت العمليات مستمرة في مدينة سرت من قبل قوات عملية البنيان المرصوص التابعة للمجلس الرئاسي ضد عناصر «تنظيم الدولة» التي أصبحت محاصرة في مناطق الحي (رقم 3)، وحي الألف وحدة سكنية في مدينة سرت، بعد أن تم دحرها من مناطق الحي الأول والثاني ومجمع قاعات وجادوجو إثر مشاركة القوات الأمريكية في العمليات بواسطة غارات مكثفة بلغت 62 غارة منذ بداية عملياتها في أغسطس الماضي، كما قالت قوات «الأفريكوم».

وتحاول قوات «البنيان المرصوص» استغلال الغارات الأمريكية لتحقيق تقدم كبير على الأرض؛ حيث تكثف من عملياتها ضد التنظيم في محاولة لإنهاء المعارك في أقرب وقت ممكن، رغم تلقيها بعض الخسائر البشرية، فقد لجأ التنظيم إلى السيارات المفخخة وزرع الألغام بكثرة في الآونة الأخيرة؛ ما أسفر عن مقتل 14 شخصاً وإصابة أكثر من 90 آخرين خلال 3 عمليات مفخخة حدثت في يوم واحد، استُهدف فيها مقر حملة جاهد والمستشفى الميداني.

ويتوقع أن يزيد التنظيم من مثل هذه العمليات خاصة مع محاصرته في مناطق صغيرة؛ ما يعني استماتته في الدفاع عن نفسه قدر المستطاع ما لم يجد سبيلاً إلى الهروب خارج المدينة.

ويثير موضوع السلوك المحتمل للتنظيم بعد محاصرته في مدينة سرت اهتمام الكثيرين؛ إذ يبحث الكثير من المهتمين في الاحتمالات الممكنة للتنظيم في التسلل من المدينة سواء عبر الصحراء التي تقع جنوب المدينة أو من خلال البحر، وهو ما رد عليه آمر القطاع الأوسط بأنه أمر مستحيل؛ وقال: إن القوات البحرية تحاصر مدينة سرت من البحر، وتمنع تسلل أي عنصر من التنظيم، فيما قال سلاح الجو التابع لعملية «البنيان المرصوص»: إنه شرع في القيام بطلعات جوية دورية لمراقبة المناطق الجنوبية والوسطى لمنع تسلل عناصر التنظيم خلال المحور الجنوبي.

حديث المصالحة الوطنية

يرى السنوسي البسيكري، مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية، أن العديد من المقاربات التي طُرحت لتحقيق المصالحة اعتمدت على اتجاه تقليدي، من خلال جهود الوساطة والضغط الاجتماعي لإقناع طرفي النزاع بالتصالح؛ بمعنى أن المصالحة طُرحت مرات عديدة بمعزل عن العدالة الانتقالية، التي تقوم بالأساس على معالجة مخالفات النزاع بشكل يحفظ الحقوق، ولا يسمح بإفلات الجاني من العقاب، ويمهد للمعاجلة الجذرية للآثار المادية والمعنوية للضرر الواقع.

ويرى أن من أهم أسباب إخفاق مقاربات المصالحة محاولة تمريرها بمنأى عن الواقع الراهن وتجاذباته وتفاعلاته، والنتائج المريرة الناتجة عن تلك التجاذبات والتفاعلات، إذ إن التطورات على الأرض - خاصة السياسية والعسكرية - في مناطق البلاد كافة لا تزال في عنفوانها، أو بعض منها على الأقل، ومقاربة التصالح كانت من قبيل تمرير النتائج المرجوة من الأزمة المشتعلة والنزاعات المسلحة هنا وهناك، بالإضافة إلى عدم استعداد الأطراف على الأرض للتصالح. 

ويؤكد أنه حتى تنجح المصالحة ينبغي أن تتعاضد جملة من الأدوات، وأن يتم التحرك وفق مراحل لا غنى عنها لتحقيق المصالحة ونجاحها، ومن ذلك:

- الشروع الفوري في وقف مظاهر الصراع، وذلك بمثابة صب الماء على النيران المشتعلة وإخمادها تماماً.

- معالجة ليس فقط الأسباب الآنية الظاهرة، بل البحث في جذور الصراع والوقوف عليها ومعالجتها نهائياً.

- المسارعة في نقل الصراع إلى حالة تعايش حقيقي من خلال التربيط الاجتماعي والاقتصادي، وجعل حفظ الأمن والاستقرار مهمة مشتركة عبر آليات عملية وفعالة ومتوازنة.

ويحذر من أن عدم قيام مصالحة وطنية كما ينبغي لها أن تكون يمكن أن يتسبب في تفاقم التوترات والاشتباكات في المنطقتين الغربية والشرقية، والحلول التلفيقية التي يتم إعدادها دون معالجة حقيقية للمشكلة لن تحقق نجاحاً يذكر، ولن ينتج عنها إنشاء مؤسسة موحدة ولا جيش وطني موحد.>

الرابط المختصر :