; ليبيا.. تداعيات سياسية وتطورات ميدانية | مجلة المجتمع

العنوان ليبيا.. تداعيات سياسية وتطورات ميدانية

الكاتب نزار كريكش

تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015

مشاهدات 56

نشر في العدد 2085

نشر في الصفحة 46

الأربعاء 01-يوليو-2015

مبادرة حل الأزمة كشفت غياب التوافق على تشخيص المعضلة الليبية والفشل في السيطرة على الأطراف المؤججة للصراع

الحل السياسي في ليبيا جزء من اتفاق بين القوى الدولية

طرد مجلس شورى ثوار درنة لتنظيم الدولة يثير تساؤلات حول أهداف عملية الكرامة

الليبيون بيدهم حل أزمتهم بشيء من الوعي والثقة لحقن الكثير من الدماء

يخيم على المشهد الليبي بعد ثورة فبراير، حالة من التذبذب بين أعمال العنف المتصاعد والمسار السياسي المتعثر، الأمر الذي ألقى بظلاله على اقتصاد البلاد القائم على أرباح إنتاج النفط الذي تذبذب هو الآخر متأثراً بهذا التجاذب بين الثورة والثورة المضادة، وتحول فيما بعد إلى حرب أهلية كما يحلو للبعض تسميتها وربما حرب بالوكالة كما يطلق عليها البعض الآخر.

وعلى ضوء هذا المسار السياسي المتعثر الذي بدأ بالإعلان الدستوري وانتهى بالانقسام السياسي بين سلطتين إحداهما في طبرق (معترف بها دولياً) وأخرى في طرابلس، جاء حوار الصخيرات في المغرب برعاية الأمم المتحدة ومبعوثها لرأب الصدع بين الجانبين، وانتهى الحوار بعد جدل وتجاذبات سياسية عديدة إلى وثيقة اعتبرها المبعوث الأممي مفصلية وتاريخية، وجاءت في صورة خارطة طريق من ديباجة ومبادئ حاكمة كانت في معظمها بمثابة محاولة للتوفيق بين ثنائيات: القانون والاستقرار، الثورة والمشاركة السياسية، المغالبة والمشاركة، الأمن والحرية، والتوقع والواقع.

وتكشف هذه التناقضات عن غياب التوافق على تشخيص المعضلة الليبية من جانب المبعوث الأممي والمشاركين في حوار الصخيرات، وظهور حالة من الفشل في السيطرة على الأطراف المؤججة للصراع في ليبيا، خاصة تلك التي ترى ضرورة الحسم العسكري، وعلى رأس تلك الأطراف اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من النظام العسكري في مصر.

وبالعودة للمبادرة، فقد ارتبطت بمفهوم الديمقراطية التوافقية، الذي يقتضي تقاسم السلطة بشكل أفقي بين كيانين تشريعيين، وهو نموذج فريد من نوعه لم تشهده الديمقراطية التوافقية التي عرفها التاريخ السياسي في أكثر من 36 دولة، فبخلاف الجسم التشريعي وهو البرلمان الليبي، شُكل جسم آخر سُمي مجلس الدولة، يملك صلاحيات استشارية وبعض الصلاحيات في اختيار بعض الوظائف السيادية خاصة قيادة الجيش والمؤسسات الرقابية ومصرف ليبيا المركزي، وهذا التقاسم للسلطة لا يعني منح هذه الأجسام التشريعية سلطات موسعة، بل يشير إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات موسعة وهذه هي الفكرة الأساسية في المبادرة من الناحية السياسية، فهي التي تملك صلاحيات القيادة العليا للجيش ويقع عليها عبء حلحلة كافة الملفات وعلى رأسها الملف الأمني. 

شكوك

لكن المبادرة التي نُشرت لم تخلُ من بعض مواطن القلق التي شكلت هاجساً وشكوكاً أمام المتابعين والمؤيدين لطرفي الصراع في ليبيا، ففي حين لم تذكر المبادرة الأسماء المرشحة للحكومة، وأرجعت ذلك لملحق بالمبادرة، فإن الملحق لم ينشر بعد، وبينما كانت طريقة اختيار مجلس الدولة غير واضحة، أثيرت قضية الاختلاف حول تطبيق هذه المبادرة.

ورغم تبسيط المشهد في إمكانية أن تكون الحكومة المرتقبة قادرة علي إقرار الأمن وبسط سيطرتها على الأطراف المتحاربة، فإن الغموض يحيط بذلك، فالتصور يدور حول بناء السلام بين الأطراف المتنازعة في ليبيا وليس حول بناء الدولة التي تحفظ السلام. 

الحروب الأهلية

وفي الحروب الأهلية، هناك نظريتان تحكمان التحول نحو السلام، الأولى تسمى نظرية "يو" U، وتنظر للمرحلة الانتقالية كنقطة بداية تخلو من وجود المؤسسات، لكنها تنتهي ببناء مؤسسات الدولة، وهذه النظرية بُنيت على وجود بنية تحتية مؤسساتية، إلا أنها تأثرت بالحرب والنزاع.

أما النظرية الثانية؛ فتتعلق بالدول التي تخلو من أي بنية مؤسساتية ابتداءً، حيث ينطلق الحل السياسي فيها من المشاركة في الحكم لكن بطريقة تمنع وقوع تجاذبات وخلافات بين الأطراف المشاركة ربما تقود إلى صراعات مسلحة فيما بعد.

وتنطبق على الحالة الليبية النظرية الثانية، فالمبادرة تحاول أن تمنح كافة الأطراف دوراً ما في المستقبل، سواء من البلديات، أو الكتائب العسكرية أو المرأة.. لكن هذه المحاولة وقعت فيما تُحذر منه الدراسات بأن بناء السلام لا يمكن أن يتم دون وجود آليات حقيقية تمنع الأطراف من الابتزاز من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب والسلطات.

ويبدو أن هذا الأمر نشأ من مواقف القوى الدولية حيال ما يحدث في ليبيا، ونظراً لغياب المؤسسات سيكون الضامن للعملية السياسية عبر الشخصيات التي تُرشح لممارسة أدوار في المستقبل، هذا ما اتضح من الاجتماع الذي عقد أخيراً في برلين بين وفدي الحوار من البرلمان والمؤتمر الوطني والذي شهد لقاءً يبدو قسرياً بين الطرفين اللذين تبادلا الابتسامات أمام الكاميرات؛ الأمر الذي يدل دلالة رمزية على أن الحل السياسي هو جزء من اتفاق دولي بين القوى الدولية.

وفي مثل هذه الأوضاع، سنجد "خوارج" كثر، أعني مجموعة من الرافضين للحوار، وكما يذكر أستاذ علم الاجتماع التاريخي "تشارلز تيلي" في نظرياته أن تلك القوى الرافضة، إما أن تتحول لعصابات منظمة، أو أن تكون هناك قوى سياسية تشكل تياراً من الممكن أن ينتهي لحزب سياسي ثوري، ويعتمد قوة هذا التيار على قدرته على فهم المتغيرات التي تجري حوله، فإن استمر في حالة الرفض والانكفاء على النفس فإنه سيصبح حزباً هامشياً لا يؤثر في المشهد، أما إذا استطاع تشكيل مسارات سياسية موازية، فإن جدلية الخارج والداخل والمبادرات ستنشأ لتنتهي بحالة من التوازن والتوافق.

درنة تثير التساؤلات

ووسط هذه الأجواء من حوار ومبادرات وجدل، كانت درنة الحدث الأبرز على الأرض، فقد استطاع مجلس شورى ثوار درنة وبدعم من الأهالي من القضاء على تنظيم الدولة الذي ادعى أنه سيطر على المدنية وحكمها؛ الأمر الذي جعل التصور الذي تردده الصحافة العربية عن وجود عملية الكرامة لمحاربة الإرهاب، وأخرى من الثوار تدعم التيارات الإسلامية موضع تساؤل، بل إن ما فعله أهل درنة طرح سؤالاً حول الهدف الأساسي من العملية التي يقوم بها برلمان طبرق الذي تبنى عملية الكرامة في بنغازي، وكيف أنه وبعد مضي عام كامل على انطلاقها لم يحقق من الأهداف سوى الدمار والخراب في المدينة دون وجود إستراتيجية واضحة يمكن من خلالها معرفة الوقت الذي ستنتهي فيه هذه العمليات، ويعود السلام لبنغازي كما حل نسبياً في درنة. 

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا الحدث سيؤثر في المشهد السياسي، والإجابة بالطبع ستبنى على النموذج التحليلي الذي سنعتمده في قراءتنا للمشهد، فإن كان ما يجري في بنغازي هو حرب بالوكالة، فما سيحدث هو حالة من التحول الدراماتيكي داخل المشهد الليبي تجنح نحو الاستقرار والتوافق، وبالطبع لن يحدث هذا بالشكل المثالي الذي نتخيله، حيث ستكون هناك مواجهات ومعارضة وعمليات عسكرية هنا وهناك، لكن الدعم المالي والعسكري الدولي ومصادره ستكون تحت السيطرة النسبية، وقد يكون هذا مفيداً للاقتصاد الليبي وتعافيه على المدى القصير، لكن على المدى البعيد قد يعطي فرصة لتنظيم الدولة لاستغلال الفترة الزمنية بين التوقيع على المبادرة وبناء قدرات الحكومة الوطنية المرتقبة.

أما إذا اعتبرنا أن ما يحدث هو حرب أهلية، فسيعني ذلك السعي إلى حل يتجاوز المبادرة الدولية، وربما يزداد تصاعد المشهد العسكري الأمر الذي سيصاحبه أزمات اقتصادية، وتضخم مالي، وفشل متزايد في مؤسسات الدولة، وتدخل من دول الإقليم لينتهي الأمر بصيغة أخرى أكثر واقعية إلى الانهيار التام.. وعليه، فإن الحل سيظل بيد الليبيين أنفسهم، فشيء من الوعي والمودة والثقة قد تحقن الكثير من الدماء ومعها كثير من الآلام والأحزان.

 

 

الرابط المختصر :