; ليس باللحى والجلاليب تحيا الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان ليس باللحى والجلاليب تحيا الشعوب

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

مشاهدات 145

نشر في العدد 843

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

قرأت في إحدى المجلات العربية مقالًا لأحد الكتاب بعنوان «ليس باللحى والجلاليب تحيا الشعوب» قال الكاتب: «كنت كلما نظرت إلى تلك الطوابير الذاهبة إلى المسجد خاصة في صلاة الجمعة، وقد أطالت لحاها السوداء الداكنة، وجلاليبيها الناصعة، شعرت بالجزع من حماسهم الغريب، المتمسك بهذه الشكليات، وشعرت بالحنق على بعض فقهائهم، الذين اختصروا المفهوم الإسلامي الشامل في عقولهم حول هذه الجزئيات السلفية الخاطئة، وأفهموهم أن انتصار الإسلام معلق بالعودة لهذه الشكليات الرجعية، وليس بالتقدم إلى فهم جوهر القيم الإسلامية، التي تنادي بالأخذ بكل أسباب التقدم والتطور، حتى تكون أمتهم جديرة بلقب خير أمة أخرجت للناس».

ثم استطرد الكاتب موردًا بعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي تحث على العلم والعمل، والضرب في الأرض وعمارتها بالزراعة والصناعة والتنقيب، وأن مفهوم العبادة في الإسلام أنها تشمل العلم والعمل والجهاد، وليس الاقتصار على الصلاة والصيام والحج وقراءة القرآن.

ثم ختم مقاله بقوله: «أيها السادة أصحاب اللحى ليس هذا مجرد دعوة لحلق الذقون، ولكنه حوار الشواهد والبراهين على موقع العبادة التقليدية في الإسلام، فما بالكم بموقع الذقون والجلاليب من مهمة المسلم الأصلية في عمارة الأرض بالعلم والعمل والاكتشاف، إن الإسلام أيها الأخوة لم يفرض زيًا معينًا، ولم يأمر أن يكون المسلم بلحية أو بغير لحية، ولكنه أمر أن يكون إنسانًا عاملًا وعالمًا ومكتشفًا، والزي الذي تتمسكون به يناسب عصرًا انتهى زمانه، ولو كان الرسول نفسه موجودًا بيننا الآن لأمركم بارتداء أحدث الأزياء المعاصرة، فهو الذي قال إن الله يحب أن يكون المسلمون شامة في الناس (أي أن يكون المسلم مرتديًا أشيك ما في عصره)، ولكن قبل هذا أن يكون ذا قيمة بين البشر، وليس بلحيته وجلبابه ونقابه، ولن يكون كذلك إلا إذا أسرع الخطى لمعامل البحث، ومراكز العلم تمامًا، كما يسرع الخطى لمساجد العبادة، بهذا انتصر الرسول للإسلام، وبهذا انتصر الإسلام، فليس باللحى والجلاليب تحيا الشعوب وتتقدم».

ودعونا الآن نناقش هذا الأمر بهدوء ونقول: نعم ليس باللحى والجلاليب تحيا الشعوب وتتقدم، ولكن هل باللحى والجلاليب تموت الشعوب وتتأخر؟ وهل تتقدم بالزي الإفرنجي وحلق اللحية؟ فإذا كنا متفقين أن الزي لا يقدم ولا يؤخر في موضوع التقدم والتخلف فنضع سؤالًا آخر، هل الملتحون والذين يلبسون الجلاليب رفضوا العلم وقعدوا عن العمل؟ ولا يرون الأخذ بأسباب التقدم؟ إذا كانوا كذلك فهم يستحقون كل احتقار وكل ذلك الهجوم الذي يشنه عليهم أعداؤهم، أما إذا كانوا مقبلين على العلم، ولا يقصرون في واجباتهم، آخذين بكل أسباب التقدم، فما الداعي لهذا الهجوم؟!

وإذا نظرنا بعين العدل والإنصاف ونظرنا إلى الواقع المشاهد نجد أن هؤلاء من أكثر الشباب تفوقًا في دراستهم وأنهم لا يترددون في مواصلة تعليمهم ويذهبون إلى أوروبا وأميركا ويتخرج منهم الأطباء والمهندسون والمتخصصون في كل فرع من فروع المعرفة، إذن فإن أسباب الهجوم ليست هي الأسباب الظاهرة، فنحن لا نرى هجوم على الشباب الساقط المنحل، ولا على الشباب الخامل الكسول الذي يملأ المكاتب، ولا ينجز عملًا، ولا يحسن مقابلة الجمهور المشغول بمتابعة المسرحيات ونتائج المباريات، ومشغول بأكل اللب وشرب الشاي أو حل الكلمات المتقاطعة في المكاتب، ويتقاضى أجرًا آخر الشهر وهو لا يستحقه، ولا نرى هجومًا على طوابير الصوفية والدراويش الذين يلبسون الجلاليب المزركشة، والعاكفين عند الأضرحة، وصناديق النذور، وأولئك الذين يرتزقون من جهل الناس القابعين في المقصورات والزوايا فهؤلاء وأمثالهم لا يثيرون حنق الكاتب وأمثاله، ولا جزعهم، ولا يتهمون بالتخلف ولا يطالبون بأن يغيروا من سلوكهم إنما يثير حنقهم وجزعهم أولئك الشباب الذين لا يرون التقدم في الزي والمظاهر الفارغة، ولا يرون التقليد الأعمى للغرب، ويرون الأخذ بالنافع من الحضارة، ولا يذيبون شخصياتهم في الغير.

إن اللحية والثوب يمثلان رفضًا للذوبان والتبعية والتقليد الأعمى.. إن الشكليات ترمز أحيانًا إلى معان سامية، فيتمسك بها لهذه المعاني، لكنها لا تعتبر هي الأصل، والتمسك بها على حساب الأصل هو الخطأ بعينه.

نحن لا ندري لماذا لم ينتقد كاسترو وجيفارا وفرويد وانجلز ومارکس وبرنارد شو وغيرهم على إرسال اللحى؟ ولم يعتبر ذلك في حقهم تخلفًا وتشددًا، وينتقد غيرهم من الشباب المسلم، ونعتبر ذلك منهم تخلفًا ورجعية، ولو طرحنا هنا سؤالًا عقليًا لماذا خص الله الرجل باللحية، وجعل شعره ينبت طبيعيًا في ذقنه، ولا ينبت في ذقن المرأة؟ أليس لهذا حكمة، ودليل على مراد الله، إذ لو أراد الله أن يتساوى الرجل والمرأة في ذلك لما أنبت شعر الرجل، وجعله يتكلف حلقه، ولا تتكلف المرأة ذلك، بينما ساواهما في محل آخر من الجسد، وجعل حلق هذا المحل من سنن الفطرة، فهو سبحانه جعل زينة الرجل في اللحية، وزينة المرأة في عدمها، ومن هنا نعرف الحكمة من تأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم على إعفاء اللحية، وإحفاء الشوارب، ومع الأسف أن ترى بعض المنتسبين إلى العلم الديني، وقد بلغ من العمر عتيًّا يحرص على لبس الجبة والعمامة، ولا يحرص على إعفاء اللحية بل يحلقها، ويحلق شنبه مما يجعل منظره يثير الاشمئزاز، مع أن الجبة والعمامة ليس فيهما حث من جانب الدين، بعكس إعفاء اللحية، وهؤلاء وقعوا تحت التقليد الأعمى.

نحن لا ندعو أن تثار معارك بسبب اللحى والثياب، ولا ننكر أن بعض الشباب يتحمس للشكليات فوق اللازم، وبعضهم يسلك سبيل العنف، وهؤلاء قلة وليسوا حجة على الجميع ويجب أن يؤخذ كل بجريرته، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ونلاحظ أن الشباب المسلم هو الوحيد الذي يتهم بالتطرف والعنف، مع أن ساحات العالم مليئة بالمتطرفين، فلا نرى ما تفعله الألوية الحمراء وعصابات مانيهوف في ألمانيا، والجيش الأحمر في اليابان، والخمير الحمر في كمبوديا، وعصابات الإجرام المختلفة في أميركا وفرنسا وبريطانيا، وما يفعله الشيوعيون في الدول المغلوبة على أمرها، فالعنف هو العنف يجب أن يكون موقفنا منه واحدًا في أي مكان وممن كان، فالعنف مرفوض، والتعصب مرفوض، والغلو مرفوض، فديننا هو دين الرحمن، ودين المحبة، ودين الإنسانية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء:107).

الرابط المختصر :