العنوان ليس في البرلمان الجديد جديد إلا الوجوه الإسلامية
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1279
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
الانتخابات جاءت بخريطة سياسية أفرزت أزمة حادة لا يمكن تجاوزها إلا بكثير من التنازلات وفرض الانضباط الحزبي على القواعد.
منذ الإعلان عن مراجعة الدستور الذي تمت المصادقة عليه في 13 سبتمبر 1996م حتى الانتخابات السابقة لأوانها التي جرت مؤخرًا، كان الأمل مفتوحًا لخروج الغرب من أسر اليأس وحالة الأزمة السياسية التي أدت إلى ما يشبه التوقف التام والتشكك في كل شيء، وقد زاد من هذه الآمال ما تردد من وعود رسمية بأن التجربة الانتخابية الجديدة ستكون مختلفة عن كل التجارب السابقة التي لم تسلم من الطعون بالتزوير لصالح أحزاب الإدارة.
كما زاد من الاطمئنان القبول- تقريبًا- بكل مطالب المعارضة، مثل الاستجابة لمطلب انتخاب كل أعضاء مجلس النواب «الغرف الأولى» بالاقتراع العام المباشر وإعادة تجديد اللوائح الانتخابية التي لم يكن قد مضى على تجديدها إلا مدة قصيرة ومراجعة قوانين الانتخابات بالمصادقة على مدوونة انتخابية متطورة، وتشكيل لجان لتتبع نزاهة الانتخابات تشارك فيها كل الأحزاب «التي تواطأت على إقصاء الأحزاب غير الممثلة في البرلمان السابق حتى لا تمثل الحركة الإسلامية».
كل هذه الترسانة من القوانين التي لا تختلف عن مثيلاتها في أعرق الدول الديمقراطية لم تكن كافية لضمان تداول ديمقراطي للسلطة تفرزه صناديق الاقتراع، ويعطي البلاد حكومة قوية منسجمة ومتضامنة وقد جاءت نتائج اقتراع 14 نوفمبر الماضي بخريطة فسيفسائية آخر ما يمكن أن يتحقق من ورائها هو التناول الديمقراطي الحقيق القائم على سند شعبي، فليس فيها جديد عن سابقتها إلا دخول الإسلاميين البرلمان لأول مرة.
صحيح أن أقوى أحزاب المعارضة الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية قد حصل على أكبر عدد من المقاعد «57 مقعدًا»، وجاء على رأس قائمة الأحزاب، فموازين القوى داخل البرلمان بقيت كما كانت من قبل لأن أحزاب اليمين «الوفاق» حصلت مجتمعة على نفس عدد المقاعد التي حصلت عليها المعارضة «الكتلة» بفارق مقعدين فقط، في حين يبقى زمام الترجيح بيد الأحزاب التي اصطلح على تسميتها بأحزاب «الوسط»، وهي في الحقيقة أقرب إلى اليمين منها إلى الوسط، رغم محاولات زعيمها «التجمع الوطني للأحرار» التأكيد في خطاباته وأدبياته الجديدة على ما يسميه بـ«التقدمية الاجتماعية».
وأحزاب الوسط هذه بـ 97 مقعدًا يمكنها- بحكم أنها خارجة هي الأخرة من تحت عباءة اليمين المفبرك- أن تتحالف مع أحزاب الوفاق لتشكيل حكومة تتمتع بأغلبية مريحة 197 صوتًا لتبقى الأمور على ما كانت عليه من قبل، مما يعني أن كل ما جرى من استحقاقات حتى الآن إنما هو مضيعة للوقت.
تواترات اجتماعية كامنة
وتخشى في هذه الحالة أن تزداد أسباب التوترات الاجتماعية استفحالًا، فتشكيل حكومة كهذه سيكون بدون شك مصدرًا إضافيًّا للتوترات في مغرب الغد، علمًا بأن أسباب توترات كبيرة «سياسية واجتماعية» قائمة منذ مدة بسبب سياسية التقويم الهيكلي التي أملتها شروط المؤسسات المالية الدولية الدائنة والتي أهملت الجوانب الاجتماعية وفرضت مزيدًا من الضرائب على المواطنين مع التقليل أكثر من الخدمات الاجتماعية بقصد تسمين خزانة الدولة حتى تتمكن من سداد ديونها لهذه المؤسسات الدولية، وحكومة «يمين- وسط» لن تكون إلا استمرارًا لوجه الأزمة، وقد تكون أضعف وأقل احترامًا من سابقاتها، وقد تخلف مشاكل أضخم، بالإضافة إلى ما يبدو- ومنذ انتخابات 1995م- أن السلطات العليا في البلاد لا تريد للمغرب دخول القرن المقبل مع ما يحمله من تحديات تطرحها العولمة والمبادرة الأوروبية لخلق فضاء أورو- متوسطي للتبادل الحر سنة 2010م بحكومة تفتقر إلى الثقة والمصداقية، ومتهم أغلب نوابها في البرلمان بأنهم فازوا بمقاعدهم بتواطؤ بعض أعوان السلطة عن طريق التزوير والتغاضي عن استعمال المال لشراء الأصوات، بحكم طول تواجدهم في مراكز القرار، وإقامتهم لعلاقات تمكنهم من الإفلات من أي مراقبة أو لجنة لتتبع الانتخابات.
ويبقى- في انتظار بت المجلس الدستوري في الطعون المعروضة عليه، هذا البت الذي قد يرجح كفة المعارضة قليلًا أو كثيرًا- أن تستجيب هذه المعارضة للرغبة المعبر عنها من طرف الكثيرين بأن تتحالف مع الوسط لتشكيل حكومة قادرة على إخراج الوضعية في البلاد من حالة اليأس.
غير أن هذا التوجه يلقى معارضة قوية داخل أحزاب اليسار، وعلى الخصوص «الاتحاد الاشتراكي» الذي تواجه قياداته التقليدية ضغوطًا كبيرة من تياراته الرافضة لكل مشاركة مع أي طرف غير مكونات «الكتلة» والمتمثلة في صفوف الشبيبة الاتحادية، وتيار «محمد تويير الأموي» زعيم «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، والتي وصلت إلى حد دفع بعض أعضاء التيارين «الاتحاديين» الذين ثبت أنهم فازوا بمقاعدهم البرلمانية بالتزوير إلى الاستقالة من البرلمان بدعوة أنهم يرفضون أن يكونوا برلمانيين مزورين، وقد استجاب حتى الآن اثنان منهم «محمد حفيظ» من الشبيبة الاتحادية، الذي تم التزوير له لإسقاط الفائز الحقيقي «مصطفى الحيا» من «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية»، و«محمد أديب» من تيار «الأموي» الذي تم التزوير له أيضًا لإسقاط عضو آخر من نفس حزب «الحيا» هو الإسلامي «عبد الرزاق توفيق»، وهناك لائحة أخرى أكثر من ثلاثة آخرين يطالبهم التيار الرافض بالاستقالة، ويبدو أن مناورات تياري «الأموي»، و«الشبيبة» هي محاولات من صقور الاتحاد لوضع قياداتهم أمام الأمر الواقع عن طريق تقليص عدد نواب الحزب في البرلمان حتى لا يتمكن من المشاركة في الحكومة، غير أن تدخلات تمت على أعلى مستوى لوقف هذا النزيف البشري في الفريق البرلماني للاتحاد.
وذريعة هؤلاء الرافضين هي أن المعارضة إذا ما تحالفت مع «الوسط»- الذي ظلت إلى ليلة الاقتراع تتهمه بأنه ضالع كذلك في الأزمة التي وصلت إليها البلاد وتطالب بمحاسبته- سوف تفقد مصداقيتها لدى الشارع المغربي، وتهدد دورها التاريخي، ويخلي ساحة المعارضة لتيار معارض جديد وصاعد «الحركة الإسلامية» ويفسح له المجال، ولتكسب ثقة الناس أكثر، وتكون الحركة الإسلامية بذلك هي بديل المستقبل بلا شك، لهذا يفضل هؤلاء أن يبقى الاتحاد الاشتراكي ممسكًا بزمام مبادرة المعارضة ولا يتركها للإسلامين.
الخاسر الأكبر
أما الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات «حزب الاستقلال»، ويبدو أنه حتى الآن لم يفق من آثار الصدمة، ولم يدر بعد ما الذي حدث له بعد أن فقد أهم معاقله «فاس» التي سقطت فيها قياداته التاريخية، وأهم أعضاء لجنته التنفيذية وعلى رأسهم نائب الأمين العام «محمد الدوبري»، ولكن يبدو أن الحزب تمكن من احتواء إرهاصات الانشقاق الأكبر الذي ظل يتهدده بعد الرسالة مهددًا فيها بالانسحاب مع الحزب إذا لم يستجب لطلبه في عقد مؤتمر استثنائي لدراسة الوضع، ولكن يبدو كذلك أن العاصفة هدأت فقط إلى حين فالإهانة التي تلقاها هذا الحزب العريق لم يستطع أن يمحوها البلاغ المدوي الذي أصدرته لجنته التنفيذية يوم 20 نوفمبر بعد اجتماعات يومية دامت طيلة الأسبوع الذي تلا إعلان النتائج، والذي جاء معبرًا عن رفض الحزب لهذه النتائج، واتهامه مباشرة لوزارة الدولة في الداخلية بالتدخل لتزوير الانتخابات مما اعتبر خروجًا للحزب عن «ميثاق الشرف» الذي وقعه إلى جانب كل الشاغلين السياسيين الآخرين، والذين تعهدوا فيه بالإشراف جميعًا على تتبع سير الانتخابات وعدم الطعن في نتائجها بدون دليل، ولم تهدئ من غلواء قواعده حتى الرسالة التي وجهتها قايدة الحزب إلى الوزير الأول بعد ذلك، والتي تطالبه فيها بفتح تحقيق في الخروقات التي نسبتها للإدارة، والتي اعتبرت كذلك تجاوزًا للجنة الوطنية لتتبع نزاهة الانتخابات والتي يشارك الحزب في تشكيلها.
ومطالبة «الدوبري» بمؤتمر استثنائي للحزب لدراسة أسباب هذا التراجع تعني تحميله لحزبه مسؤولية الإخفاق أكثر من تحميله ذلك لتدخل الإدارة، ويزيد كذلك من إشفاق المتعاطفين مع حزب «علال الفاسي» من الانفجار، تهديد بعض نوابه الجدد بالانسحاب والإلتحاق بأحزاب أخرى في حال ما إذا تخلى الحزب عن المشاركة في حكومة قد تشكلها «الكتلة» مع أحد الأطراف «الوسط».
وهناك بعض الجهات في أوساط المال والأعمال أخذت تطرح خيارًا آخر: الإبقاء على الحكومة التقنوقراطية الحالية حتى تسير بالإصلاحات التي بدأها المغرب قدمًا إلى نهايتها ريثما تنضج بعد سنتين أو ثلاث ظروف إعادة التجربة بانتخابات أخرى سابقة لأوانها، غير أن هذا الخيار سيكون بمثابة ضرب من العبث، ويؤثر بالتسلب على كل ما تم من إصلاحات دستورية.
ومع كل هذا المأزق فإن الجميع دخل بنفس الحماس في الحملة الانتخابية التي انطلقت منذ أسبوع لإجراء آخر محطة في الاستحقاقات لانتخاب الغرفة الثانية للبرلمان «مجلس المستشارين» يوم 5 ديسمبر بالرغم من أنها لن تأتي بجديد، إذ إن أمر الخريطة السياسية لهذه الغرفة قد حسم بعد انتخاب قاعدتها الانتخابية «الجماعات المحلية، والغرفة المهنية، ومجالس الجهات، وممثلو المأجورين».
وهكذا يجد المغرب نفسه- بعد سلسلة طويلة من الاستحقاقات كان يأمل أن يخرج منها بتداول ديموقراطي حقيقي للسلطة- أمام خريطة سياسية أفرزت أزمة حادة تبقي الأمور كما كانت من قبل وهي أزمة خطيرة قد لا يتم تجاوزها إلا بالكثير من التنازلات، وفرض بعض الانضباط الحزبي على القواعد.