; مآذن في وجه الدمار: شاهد عيان على همجية الاحتلال الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان مآذن في وجه الدمار: شاهد عيان على همجية الاحتلال الصهيوني

الكاتب محمد عادل عقل

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 106

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

فاز فيلم «مآذن في وجه الدمار» الذي أنتجته مؤسسة طيف للإنتاج الفني المشارك بالجائزة الفضية في مهرجان القاهرة الدولي السادس للإذاعة والتلفاز في مسابقات الفيلم التسجيلي.

 الفيلم كما يقول مخرجه إياد الداود عبارة عن طرح حضاري إنساني بالدرجة الأولى لتاريخ وحضارة وآثار ينبغي رعايتها والحفاظ عليها، وهو يستعرض بالصورة والمقابلات الحية، ما آلت إليه أوضاع المساجد في فلسطين ١٩٤٨م، حيث يتعرض أكثر من ۱۰۰ مسجد للاعتداء كل منها له مأساته الخاصة.

ابتدأ شاهد العيان رحلته من مدينة صفد في الشمال الفلسطيني، حيث تحول المسجد الأحمر الذي بناه الظاهر بيبرس عام ١٢٧٥م إلى مرقص وناد ليلي بعد أن باعته السلطات الإسرائيلية لجمعية يهودية مستغلة ما يسمى بقانون أملاك الغائبين، ولم يكن مسجد اليونسي في وسط المدينة بأحسن حال إذ تحول إلى معرض للرسوم والتماثيل، وموقع لتصوير الأفلام، في حين تم مصادرة مسجد الغار وتحويله لكنيس يهودي، الأمر نفسه حصل لمسجد حارة الجورة عند مدخل المدينة.

 قرية عين الزيتون واحدة من ۷۸ قرية شردت من قضاء صفد تحول مسجدها الى حظيرة للأبقار، فيما أبقت السلطات على مئذنة مسجد الشيخ نعمة تذكارًا، بعد أن هدمت المسجد لتوسعة الشارع.

 في قيسارية كان الوضع مختلفًا..تتصفح دليلها السياحي فتجد مطعمًا وخمارة تدل عليهما مئذنة! أما في عكا فلم يشفع لمسجد البرج كونه داخل أسوار المدينة القديمة، بل تحول لمؤسسة للطلبة الجامعيين في حين أغلق مسجد أحمد الواقع خارج الأسوار وأهمل.

 في طبرية مسجدان اثنان يرويان الحكاية ذاتها: المسجد الزيداني يغلق ويهمل ومسجد البحر تبدأ السلطات بترميمه، ولكن من أجل تحويله إلى متحف!

 مسجد حطين.. المداخل فيه.. الصحن... المئذنة... المنبر.. لم يبقَ منها إلا الأطلال بعد أن منع أحبابه من إعادة ترميمه، وعين كمنطقة عسكرية مغلقة ولم تُمنع أبقار مستوطنة كفار زيتيم القريبة من اتخاذه حظيرة تلجأ إليها في الليل والشتاء.

مسجد روبين جنوبي مدينة يافا بنحو ثلاثة عشر كيلو مترًا فجرت مئذنته عام ١٩٩٣م وهو غارق الآن بين الكثبان الرملية، وفي مطلع التسعينيات وبعد المحاولة الفاشلة من قبل السلطات لتحويل مسجد حسن بيك بين مدينتي يافا وتل أبيب إلى متحف تسقط مئذنته وتقيد الحادثة ضد مجهول.

وفي يافا تقوم «وزارة الأديان»، بهدم المحكمة الشرعية الملاصقة لمسجد المحمودية مسجد يافا الكبير فيما تعمل على تحصيل ريع المحال التجارية الموقوفة للمسجد والتي لا تتورع عن بيع كل محرم خبيث بين جنباته.

لم نتصور أبدًا أن نلتقي يهودًا يقيمون في مسجد، لكن هذا ما سجلته الكاميرات في الطابق العلوي من مسجد السكسك الذي تحول إلى نادٍ لليهود البلغار وكلابهم يفعلون به كل قبيح مما جعل الكاميرات تستحي من نقل الصورة كاملة، في حين تحول الطابق الأرضي من المسجد إلى مصنع بلاستيك.

يقول الحاج فتح الله مصطفى «مواليد يافا 1931»، صليت في مسجد السكسك آخر مرة في عام ١٩٤٧م، وكانت صلاة ظهر وأتذكر الإمام الحاج يوسف أبو جياب الآن لم يُبقوا لنا إلا ثلاثة مساجد الله أعلم هل يظلون ثلاثة أم لا فربما نصلي في البيوت قريبًا إذا ما استمروا في سياسة الهدم.

 على شاطئ البحر، وبعد نحو ٥٠ عامًا من الإغلاق عاد الصيادون لفتح مسجد الطابية والصلاة فيه ليفاجؤوا بأكثر من ١٠٠ شرطي إسرائيلي يخرجون المصلين منه بالقوة ويعيدون إغلاقه بأزراد الحديد.

وإذا كان مسجد البحر في طبرية في طريقه ليصبح متحفًا، فإن مسجد بئر السبع الكبير قد أصبح كذلك بالفعل، إلا أنه أغلق بسبب غضبة الأهالي الذين ما زالوا يؤمون المكان ويصلون في الساحات المجاورة دفاعًا عن مسجدهم، أما مسجد مجدل عسقلان فلم يبق عربي واحد في المنطقة يدفع عنه الأذى، فقد تحول إلى متحف لبلدية أشكلون تستعرض فيه منجزاتها وممارساتها حيال من كانوا هنا أصلًا ليس هذا فحسب، بل رصدت الكاميرات قاعة الندوات والاحتفالات والمطعم أيضًا والإعلان عنه الذي نشر في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ ۱۹۹۹/۲/۲۱م تحت عنوان «سمك في المسجد».

حين حاولنا التقاط صور لمسجد قرية المالحة الذي حاوطته بيوت المستجلبين وتحول إلى مخازن ومكب للنفايات، ضحك أحد القاطنين اليهود قائلًا: تصورون للذكريات.. أليس كذلك؟

في حين تقاطر علينا السكان الآخرون ومنعوا إتمام عملية التصوير، التقينا الحاج صبحي على مشارف القرية فقال: «كيف أنساه؟ هل يوجد أحد ينسى جامعه وبلده؟ أقسم بالله أوقات تنزل دمعتي لما بشوفه.. مش جامعي؟ هل يجوز أن يتحول بيت الله لمزبلة ؟!!».

في دير ياسين كانت غرفة الطوارئ هي نصيب مسجد القرية التي حُوِّلت لمستشفى مجانين ومسجد عكاشة في القدس الغربية ينتشر حوله أصحاب القبعات السوداء، أما مسجد النبي داود قرب البلدة القديمة، فقد أزالوا المحراب من الطابق الأرضي وحولوه إلى كنيس، فيما أهدوا الطابق العلوي للنصارى وجعلوه كنيسة لهم. 

في أحد الأنفاق التي تهدد المسجد الأقصى المبارك، إضاءات خافتة ومجموعة من الدهاليز توصلك إلى نموذج للهيكل، وقد وضع مكان الأقصى، واستمعنا لشرح مفصل عن كل جزئية فيه، وسجلنا الاستجابة العملية للقرارات الدولية ومنها قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 36/15 بتاريخ ٢٨/١٠/١٩٩٨م الذي يطالب بأن يكف الصهاينة عن جميع أعمال الحفر وتغيير المعالم التي يقومون بها في المواقع التاريخية والثقافية والدينية للقدس وخاصة تحت الأقصى وحوله، حيث تتعرض مبانيه لخطر الانهيار.

 تنص اتفاقية لاهاي في ١٤/٥/١٩٥٤م على أن تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بتحريم أي سرقة أو نهب أو سرقة ممتلكات ثقافية، ووقايتها من هذه الأعمال، ووقفها عند اللزوم مهما كانت أساليبها. وبالمثل تحريم أي عمل تخريبي موجه إزاء هذه الممتلكات.

ولكن ما رأيناه في فلسطين كان مختلفًا !! لأن الصهاينة ليسوا أهلًا للدخول في أي اتفاق.

الرابط المختصر :