; مآسي الأمة.. حين يستخف بها حكامها | مجلة المجتمع

العنوان مآسي الأمة.. حين يستخف بها حكامها

الكاتب خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1976

مشاهدات 82

نشر في العدد 313

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 17-أغسطس-1976

 

بين ما تحتاجه الأمة وما يخطط لها هوة سحيقة! هذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها رغم ما بها من مرارة وثقل على نفوسنا، وإننا لنرى الأمة تتردى يومًا بعد يوم، وتساق رغمًا عن أنفها إلى حتفها ذليلة منكسرة.. وفي سبيل هذا التردي وذلك الضياع.. في سبيل هذه الأهداف الخاسرة وذلك الصبر اليائس تدفع- ويا للعجب- أثمانًا باهظة.. فتمسخ الأمة وتداس كرامتها وتشوه عقيدتها، ويقتل خيرة أبنائها ويودعون السجون بل ويذبح الأطفال وتنتهك الأعراض والحرمات وينتشر الدمار والخراب..

وإنه لأمر عجيب أن يحدث كل هذا وأن تدفع هذه الأثمان الباهظة نظير هدف خسيس حقير.. هو ضياع الأمة وهلاكها، وليس من مصلحة ترجى من وراء ذلك إلّا أن تبقى تلك الخشب المسندة.. وإلّا أن تحفظ لها عروشها وصولجاناتها ولو كان ذلك مقامًا على أشلاء الأمة وجماجم أبنائها وفوق أنهار الدم والدموع.. ولو فُعل ذلك من أجل إعزاز الأمة وتتويجها بالنصر- مع ملاحظة أن تلك الوسائل القذرة يستحيل أن توصل إلى هذا الهدف- لهان الأمر قليلًا، أما أن يكون الهدف على تلك الصورة الخسيسة فذلك أعجب العجاب وذلك ما يتنافى مع الطبائع السوية والنفوس الحية والعقول السليمة.

ولو أننا استقرأنا تاريخ الأمم والشعوب لوجدناها- على اختلاف عقائدها- تجند كل طاقاتها وإمكاناتها وتبذل المستحيل بغية نيل حقوقها وسحق خصومها ورفع رايتها خفاقة من جديد. فها هي فرنسا- إبان الحرب العالمية الثانية- نراها قد أفاقت من نومها تحت وقع ضربات جيوش هتلر، فجندت شعبها بعد أن صرفته عن الفساد الذي كان يعشعش في أوكاره فانتفض يدفع الغزاة عن بلاده، وكذلك كان شأن إنجلترا بقائدها تشرشل أمام الغزو الألماني، والأمثلة أكثر من أن تحصى تؤكد الحقيقة التي أسلفناها.. وإنا إذ نسوق هذين المثالين لا نعني أن تاريخ الأمة الإسلامية خالٍ من الأمثلة والوقائع المشرقة، فذلك لدينا من البديهيات التي لا يجهلها أحد ولا يختلف عليها اثنان، وإنما عنينا بذلك أن نبين أن تلك القيادات- على كفرها وضلالها- كانت تعمل لصالح شعوبها وصالح قضاياها، ذلك أن النفوس السليمة السوية لن تجد من سبيل إلا أن تنتصر لأبنائها وتدفع الظلم والهوان عن أحزانها وأبناء جلدتها.. فذلك منطق الفطرة ومنطق الواقع.. 

غير أننا في عالمنا العربي- حيث يكثر هواة الإبداع والتطور- نجد الأمور تسير على نحو جديد ونمط غريب.. فتضرب كل يوم أمثلة جديدة للخور والاستخذاء وتساق نماذج فريدة لبائعي الضمائر وطلاب الشهوات... وما فتئنا نراهم يزحفون على الجماجم ويسبحون في الدماء.. لاهثين وراء المناصب وكئوس الخمرة.. وضحكات الأعداء تعلو الآذان وتملؤ الآفاق، ولسان حالهم يقول: يا لنا من عباقرة… لقد عرفنا كيف نتخذ لنا مطايا جديدة تتناسب مع القرن العشرين.. لقد ولى عهد البهائم.. وجاء عهد العبيد.. وما أكثرهم عددًا، وأسرعهم تلبية حين تحن كئوس الخمر أو تبرق الدنانير أو تتعرى المومسات.. 

وهكذا غدا عالمنا العربي محطة تجارب لأعدائنا.. ومركز لهو وسخرية.. كيف لا وما يجري في عالمنا يخالف كل تصور وكل منطق.. حتى أضحت أمورنا وموازين قيمنا تائهة مهلهلة.. لا قرار لها ولا حق فيها ولا خير يرجى منها.. 

فالمجرم غدا بطلًا، والصادق أصبح خائنًا مجرمًا! والذي باع المبدأ والأرض والضمير حكم له بالعظمة والبطولة. أما أولئك الذين حملوا البنادق ليدفعوا الظلم والأعداء عنهم فقد حكم عليهم أن يموتوا بالرصاص وبالمدافع.. وبالعذاب والاضطهاد.. لأن الرجولة عند المجرمين حرام! والصبية الصغار والأمهات الثكالى والشيوخ الكهول.. فلأن في دموعهم بريق حق وأمل، وفي صرخاتهم ما يبعث الرجولة ويثير الهمم.. فقد حكم عليهم أن يموتوا جوعًا وعطشًا، وهتكًا وفتكًا.. في جسر الباشا وتل الزعتر.. في كل ملجأ وكل مخيم.. والقاتلون عرب.. والمتفرجون عرب.. والرابحون هم اليهود! 

والرجال الصادقون الذين هبوا يوقظون الأمة وينتشلونها من كبوتها وينيرون لها دربها، ويوضحون لها معالم طريقها.. فهؤلاء ذوو الوجوه الصبوحة والثغور الباسمة والعيون الدامعة والقلوب الحية المطمئنة الواثقة.. هؤلاء حكم عليهم بالسجن والموت على أعواد المشانق.. لأنهم صادقون.. والصدق عند المجرمين حرام.. فما عاد للصدق والسمو وكل المعاني الخلاقة في عالمنا وجود إلا في السجون وفي القبور.. ذلك أن الحق مهما ضعفت قوة أنصاره وبدوا في الأعين قلة ضئيلة.. فإنه يرعب المجرمين ويقض مضاجعهم.. لأنه طهارة وعفاف، وهؤلاء خبث لا يعرفون إلا النجاسة، ولأنه نور ووضوح يفضح القتلة والمتآمرين الذين لا يجرؤون على العيش إلّا في الخفاء والظلام.. في أوكار المكيدة والخداع.. 

وهكذا تجري الأيام عندنا، وها هو ذا ديدن الظلمة والطغاة في بلادنا.. يئدون الخير ويستنبتون الشر.. ولكن أنى لهم ما ابتغوا.. وأنى لهم أن يطفئوا نور الحق وهو مركوز في فطرة الوجود، وباطلهم مبتور عن كل ما في الوجود.. أنّي لما زرع فيه الفناء أن يتغلب على ما أصله الحق وينبوعه الحياة.. إن ما يفعله الطواغيت على خبثه وشراسته لا يعدو أن يكون فعل الأقزام، الذين يتطاولون على الحق في شموخه وما هم بقادرين عليه.. ومهما تجبروا واستعدوا عليه فأيامهم على الأرض قصيرة وسلطانهم يوشك أن يزول لأن جذورهم منبتة ودعائمهم هشة، وأمرهم في النهاية إلى بوار وزوال.. وإن أمرهم لعجيب أولئك الجبابرة الظلمة وهم يصنعون بأيديهم نهايتهم البائسة!! فلئن أغرقوا الأمة بالدماء والدموع فسيغرقون لا محالة فيها، وهذه القبور التي يحفرونها للرجال.. لا أشك لحظة أنهم ساكنوها يومًا ما والسخط واللعنات تنهال عليهم... ولئن خدعهم ما قد يبدو في الآفاق من هدوء وفي الأجواء من سكون فإنما هو السكون الذي تتبعه الأعاصير والأنواء.. ولئن غرهم من العصبة المؤمنة ضعف وقلة فعما قريب تتزلزل الأرض من تحت أقدامهم وتدور الدائرة عليهم... وينتفض الرجال.. وإني لاراهم من بعيد.. يدكون الأرض دكًّا.. قادمون وفيهم عزم الأسود.. وشموخ الجبال وإشراقة الصباح.. قد أضفوا على ما حولهم نورًا من أنوارهم وضياء يعبر عن مكنوناتهم.. ينتشلون الأمة من الأوحال ويبعثون النور فيها من جديد.. وتخفق في الوجود راية التوحيد..

وإنه ليوم آتٍ.. وغد مأمول.. وفجر قريب.. 

بإذن الله..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل