العنوان إلى أين وصلت القافلة؟!
الكاتب أبو الحارث
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
مشاهدات 85
نشر في العدد 317
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
إن القافلة التي قاد خطاها - محمد صلى الله عليه وسلم- كان نداؤها الإيمان الفطري الذي أوقعه الله في قلبها، لذلك كانت استجابتها للدعوة طبيعية من تلك النفوس التي خلى بينها وبين فطرتها، والذين يدرسون تاريخ الأمم والشعوب تستوقفهم الوقائع التي تتسم بالكثير من الروعة والضياء، تلك الوقائع التي تتحرك على محور واحد، هو التفاعل مع مبادئ الدعوة تفاعلًا صادقًا، غير أن الذي يستوقف الدارس أكثر وأكثر: حرص القرآن الواضح على أن يظل هذا التفاعل هو الاستجابة الطبيعية دون تلكؤ أو تمهل.
إن أفراد هذه القافلة لم يكونوا يقرؤون القرآن لزيادة المعلومات والتمتع ببلاغته إنما كانوا يتلقون تلك الآيات العظيمة لأنها أمر من خالق عظيم، كانوا يتلقون ذلك الأمر ليعملوا به فور سماعهم له، هكذا كان شعورهم- شعور التلقي والتنفيذ، وإن هذا القرآن لا يقدم كنوزه إلا للذي يأخذه بهذه الروح وبهذا الشعور.
جهزت القافلة بعد ذلك أمتعتها للسفر والرحيل للانتقال من بلد لآخر وكلما وصلت إلى قطر عرضت بضاعتها على أهل ذلك المكان، ويا لحلاوة تلك البضاعة لجمالها وجودتها، لذلك كان الناس يتزاحمون عليها لأنها فريدة غير موجودة وأصبحت كالماسة الجميلة النادرة بل أغلى وأجمل.
لقد اصطبغ العالم بصبغة تلك القافلة وانتشرت أخبار بضاعتها في كل مكان، فأخذ الناس يفدون إليها أفواجًا وجماعات من جور السلاطين وردي ما يملكون.
لقد ساد العالم الهدوء والطمأنينة والأمن وانتشر العدل وكثرت الخيرات ودانت رقاب الأرض لأصحاب تلك القافلة لأنهم كانوا مخلصين وصادقين ولأنهم غسلوا أدمغتهم من جميع الأفكار والأباطيل والخرافات، ووضعوا شهواتهم تحت أرجلهم، ما تفرغوا للدنيا وما أعطي ظهورهم للآخرة، بل كانت الدموع تسيل على خدودهم في جوف الليل وفي النهار كانوا فرسانًا لا يهابون أحدًا إلا الله.
ولكن اليوم ترى ما الذي حدث لهذه الأمة؟ إنها جفوة القلب وقسوته وطول الأمد. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد:16).
إنه خواء يحمل إلى ساحة الضياع، لقد ألهت هذه الأمة عقول الغرب وعبدتها واستسقت القوانين الناقصة الأرضية من أدمغة هؤلاء القردة وقلدتهم في كل خطواتهم تقليدًا أعمى حتى أصابها العقم في التفكير وأصبحت إمعة يحركها الشياطين كالبهيمة ووضعت دستور الإسلام وراء ظهرها تستحي أن تأخذ منه، بل أدهى وأمر أنها اتهمته بالرجعية وبأنه يحتوي الخرافات والأباطيل، وأصبحت حياتها متناقضة، لأنها تدعي الحرية وهي تكبت الحريات وتطلب السعي وراء الوحدة وهي تحث على الفرقة والتفكك، وتريد الإسلام وقد عطلت شرائع الله وأمسكت بحناجر علماء المسلمين خشية مناداتهم للإسلام وتدعى العدل وهي تجور وتبطش، وتنادي بالأخلاق الحميدة وهي تفسد الأخلاق، لقد انمحى معظم الصفات الفاضلة من جبين أفراد هذه الأمة وهكذا واصلت بقية القافلة سيرها حتى طردت من الأندلس طردًا شنيعًا فرجعت مرة ثانية إلى الشرق حتى إذا وصلت الشام أراد أفرادها أن يستريحوا من تعب السفر ولكن لم يمض وقت حتى فوجئوا بسقوط الخلافة الإسلامية، حينئذ أحاط الخطر بهم فلم يستطيعوا المكوث هنا لأن القردة أصبح لهم كيان وشأن وها هنا اليوم نجد أن بقية تلك القافلة قد وصلوا بنا إلى نهر الدم في لبنان، قد وصلوا بنا إلى مدرجات من أجساد المسلمين في الفلبين وأرتيريا وتركستان الروسية والصينية والآن ألم يأن لنا وقد طالت على أمتنا ليالي المحن الرهيبة حيث تقاذفتها الأهواء واجتاحتها الأحابيل أن نتدبر أمرنا.
ملاحظة هذه الكلمة مستلة بتصرف من كتاب المعالم للشهيد سيد قطب وكتاب على الطريق لمحمد أديب صالح.