العنوان مآلات الوضع في اليمن والسيناريوهات المتوقعة
الكاتب فتحي عبدالقادر
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2014
مشاهدات 56
نشر في العدد 2077
نشر في الصفحة 26
السبت 01-نوفمبر-2014
شؤون عربية
مآلات الوضع في اليمن والسيناريوهات المتوقعة
صنعاء: فتحي عبدالقادر
من الصُّعوبة بمكان، في ظلّ تسارع الأحداث الجارية وتعقيداتها، رسم صورة واضحة عن طبيعة المشهد السياسي اليمني في المرحلة القادمة، وعن مآلاته وانعكاساته على الوضع المحلي والإقليمي، غير أنه من المؤكد أنَّ الوضع السياسي بات أكثر غموضاً وحيرةً؛ بل إنّ مرور الأيام لا تزيده إلا تعقيداً، ولذلك يبدو من السابق لأوانه، في ظلّ محدوديّة المعطيات الدقيقة المُتوافرة، تقديم تفسير منطقي وواقعي للأحداث الأخيرة وما ستفرزه في قادم الأيام، لكن باستحضار الرُّؤى الإستراتيجية للأطراف الإقليمية والدوليّة المؤثّرة والفاعلة في المنطقة، ومن خلال المتابعة اللّصيقة والدَّقيقة للوضع الرَّاهن وتطوراته واتجاه مساراته؛ بالإضافة إلى بعض التَّسريبات التي بدأت تظهر على السطح من بعض القيادات السياسيّة بين الفينة والأخرى، يُمكن تقديم صورة تقريبية لما ستؤول إليه الأمور في اليمن.
طهران تستدرج "منصور هادي"
إلى وقت قريب كانت الثّقة الممنوحة من الشَّعب اليمني وقواه السّياسيّة للرئيس "هادي" تكاد تكون مُطلقة، باعتباره "القائد المُخَلّص"؛ بل باعتباره صمام أمان "المبادرة الخليجية"، غير أن المعطيات الجديدة التي تم الكشف عنها تشير إلى وجود صورة مغايرة تماماً لحقيقة الرّجل وما يدور وراء الكواليس ويحاك في المطابخ السياسية، حيث تم الكشف عن وجود تحالف حقيقي بين الرئيس "هادي" والحُوثيين حيث تولدت لديه قناعة بالدَّور الإقليمي الفاعل لإيران وإمكانية إسهامها في تحقيق الاستقرار في اليمن، وقد تولدت تلك القناعة بعد عدة زيارات سرّية بين صنعاء ومسقط، وتقول معلومات مؤكدة: إن الرئيس "هادي" أوفد رئيس جهاز الأمن القومي علي الأحمدي إلى طهران، وكانت خلاصة الزيارات الموافقة على تمكين الحوثيين من دخول صنعاء لتوجيه ضربات قاتلة إلى "حزب الإصلاح" ذي التوجه الإخواني، وحليفه اللواء علي محسن الأحمر، وجرّ "الإصلاح" إلى حربٍ أهليّة تفقده مشروعه السِّياسي المدني، وربَّما يُمهّد ذلك لقرار أممي بإدراجه ضمن الجماعات الإرهابية.
لا يَحيق المكر السيئ إلا بأهله
وحسب تقديرات الرئيس "هادي"، كما كان يتوقّع، فإنّ المناخ السّياسيّ سيكون ملائماً جدّاً له، وذلك بعد القضاء على الحركة الإسلامية مُمثّلة في "حزب الإصلاح"، واستنزافها في حرب طاحنة لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهو ما من شأنه أن يحقق رغبة العديد من الأطراف الداخليّة والخارجيّة؛ إقليمياً ودولياً، والتي سعت جاهدة، منذ "الربيع العربي"، من أجل إغراق "الإصلاح" في مستنقع حرب طويلة المدى يأتي على بنيانهم من القواعد فيخر السقف عليهم من فوقهم، وكان تقدير "هادي" أنَّه يُمكن لَجْم طموح الحوثيين ببعض "الفتات السّياسيّ" الذي يمكن أن ينالهم نظير الدور الذي سيقومون به، لكن الأحداث جرت على غير هوى "هادي"؛ فسرعان ما انهارت مؤسسات الدَّولة المدنيّة والعسكريّة بالكامل دون أدنى مقاومة، وانسحب "الإصلاح" من مختلف الميادين بكل هدوء عندما أدرك أنَّ هناك مُؤامرةً كبيرةً تحبك خيوطها على يد دهاقنة السّياسة الدَّوليّة، وأنه سيكون هو الضحية لا محالة، وقد بدا الرئيس "هادي" بعد فشل الإيقاع بين "الإصلاح" والحوثيين في حالة من الضعف والهوان أقرب منها إلى الإقامة الإجباريّة، لا يملك صرفاً ولا عدلاً، وهو ما جرّأ الحركة الحوثية وجعلها تصف "منصور هادي" بأنَّه "دُمية"؛ تعبيراً منها عن مدى الضَّعف الشّديد الذي وصل إليه.
ويعود ضعف الرئيس "هادي" في حقيقة الأمر إلى سببين:
السبب الأول: أن فترة رئاسته - كما تنص على ذلك "المبادرة الخليجية" - قد انتهت في 21 فبراير الماضي، ومن ثمّ فقد شرعيته.
والسّبب الثَّاني: أنّ الحراك العسكريّ الذي قام به الحوثيون، ومكّنهم من مقاليد السلطة، هو عبارة عن انقلاب عسكري بما أتم معنى الكلمة، وهو ما أفقد "منصور هادي" كل الصّلاحيات التي كانت بحوزته، ومن ثم بات الحوثيون هم القوة الحقيقية المدعومة من قوى الدولة العميقة، وقد منحتهم "اتفاقيّة الشَّراكة والسِّلم" التي وقعت عليها معظم الأطراف السياسية غطاءً شرعياً للانقلاب.
ومن الملاحظ – قطعاً - أن اليمن الذي يشكل غالبية سُنية قد سقط في الحضن الإيراني الشيعي بشكل كامل، وهو ما عبّر عنه صراحةً مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني، "علي رضا زكاني"، المقرب من المرشد "خامنئي"، عندما قال: "إن ثلاث عواصم عربيّة أصبحت اليوم بيد إيران، وتابعة للثورة الإسلامية، وإنَّ صنعاء أصبحت العاصمة العربيّة الرَّابعة التي باتت في طريقها للالتحاق بالثَّورة الإيرانيّة"!
المسارات المتوقعة للحالة اليمنية
وبناء على ما سبق، فإننا يمكن القول: إن مآلات الأوضاع في اليمن ستشهد في قادم الأيام تطورات دراماتيكية على مستويين؛ المستوى الأول ويتناول المديين: المتوسط والبعيد، والمستوى الثاني ويتناول المدى القريب.
فعلى مستوى المدى المتوسط والبعيد فهناك عدة مسارات يمكن تلخيصها في الآتي:
المسار الأول؛ ويتعلق بتنامي "تنظيم القاعدة" والفكر الجهادي التكفيري: يبدو واضحاً من خلال المعطيات المتوافرة حتى الآن وبعض أحداث العنف التي شهدتها بعض محافظات اليمن، أن السلوك العدواني الذي سار على نهجه الحوثيون سيؤدي إلى تنامي ظاهرة التّطرّف الدّيني، وانتشار "الفكر القاعدي" بنسب عالية، ومن ثمّ ربّما يتحوّل الصِّراع بين الطَّرفين إلى صراع طائفي لا يقل وحشية ودموية عن الصّراع الطائفي الذي تشهده سورية أو العراق، ومن المعروف أن اليمن يمثل بيئة خصبة وحاضنة شعبيّة متميزة لـ"تنظيم القاعدة"؛ وبالتالي من المتوقع أن يشهد اليمن مزيداً من العنف والعنف المضاد في ظل انتشار السلاح، حيث تشير بعض التقارير الدولية لوجود 60 مليون قطعة سلاح منتشرة بين اليمنيين، وفي ظلّ الغياب الكامل للدولة، ولعلّ السياق العام للأحداث يسير في هذا الاتجاه، وهناك أكثر من مؤشر واقعي يؤكّد هذه التَّوقعات، فكما أدّت "طائفيّة المالكي" في العراق إلى إعادة الحاضنة الشعبية لـ"تنظيم الدّولة الإسلاميّة"، و"طائفيّة بشَّار" في سورية إلى تنامي ظاهرة العنف اللامحدود، فإن العدوان الحوثي سيؤدي - قطعاً - إلى تهيئة بيئة شعبيّة حاضنة لـ"القاعدة" في اليمن، وهو ما سينعكس في الواقع المنظور في صورة حربٍ طائفية مذهبية، وهناك أكثر من عامل سيساعد على تأجيج نار الفتنة وينفخ في أوارها؛ من بينها "التَّطرف القاعدي" و"الاستعلاء الحوثي".
المسار الثّاني؛ ويتعلق بوضع الجنوب واحتمالية انفصاله: ثمّة حالة ترقب مُخيفة ينتظرها اليمن خلال الأيام القادمة، تتصاعد مخاوفها مع تعدد زيارات وزير الدفاع الجنوبي لمعسكرات الجنوب، فالحراك الجنوبي واللجان الشعبية باتا أكثر تحفزاً بعد اقتحام صنعاء وسقوطها بيد مليشيا الحوثيّة، ويريدان الآن ركوب موجة الفوضى وضعف الدَّولة والسعي للانقضاض على المُعسْكرات وإعلان الانفصال من جانبٍ واحدٍ، وإذا ما صَدقت تلك التَّوجهات فمعناها أن "منصور هادي" ووزير دفاعه هما من رَتَّبا لكل ما حدث، على أمل أن يحكما الجنوب المنفصل، وينتقما من الشمال "المحتلّ".
وتزداد هذه المخاوف في ظل التصريحات الأخيرة لبعض قيادات "الإصلاح" في الجنوب بالموافقة على حل الانفصال والعودة إلى ما قبل 1990م، لكن هذا المسار تعتريه الكثير من الصعوبات والأخطار؛ ذلك أن هناك عدة أقطاب جنوبية تطمح لحكم الجنوب، وهو ما من شأنه أن يثير حفيظة الحضارمة ونزعتهم الانفصالية المتجذّرة، كما سيشجع "المَهْرِيين" للمطالبة أيضاً بالانفصال، وبالتّالي سيتوزع الجنوب دمه بين القبائل.
من ناحية أخرى، لا يَعُدّ الجنوبيون الرئيس "هادي" الرجل المناسب لحكم اليمن الجنوبي، لكونه شريكاً أساسياً في مجزرة يناير 1986م، ثم فر بعدها إلى نظام صنعاء، الذي أصبح شريكاً له في حرب عام 1994م، وهي الحرب التي كالت الويلات على الجنوب، ومع ثورة التغيير عام 2011م انضم "هادي" سراً لقوى الثورة، وساهم في إسقاط رئيسه "صالح"، وبعد سنتين انضم إلى الثورة المضادة وأطاح بقيادة ثورة 2011م، والآن يريد أن يفك الارتباط قسراً ويضع اليمن واليمنيين تحت وطأة سياسة الأمر الواقع، فالقوات اليمنية المسلحة موزعة بين الجنوب ويمكن أن يسيطر عليها الحراك واللِّجان الشَّعبيّة، والشّمال وهي في قبضة الحوثيين الذين لا يهمهم بقاء الوحدة من عدمها.
المَسار الثَّالث؛ ويتعلق بوضع الشّمال بعد انفصال الجنوب، والذي من المتوقع أن يتحوَّل إلى كتلة ملتهبة من الصراع الطائفي بين "الحوثيين الشّيعة" وبين "الأطراف السُّنيّة" بمختلف انتماءاتها الفكريّة والمذهبيّة، وليس يخفى على أحد أن كل مقومات الصراع موجودة وحاضرة بقوة في المشهد اليمني، ويؤكّد ذلك السّياق العام الذي تشهده المنطقة والمُتمثل في العنوان الأبرز فيه، وهو الفوضى العارمة التي لن تدع بيت مدر ولا وبر إلا دخلته، وليست سورية ولا العراق منا ببعيد.
أما على المدى القريب، فمن المحتمل حدوث أحد السيناريوهات التَّالية:
السيناريو الأول: بعد امتلاكهم لزمام القوة وسيطرتهم على كل مفاصل الدولة سيلجأ الحوثيون إلى الإطاحة بالرئيس "هادي" وإجباره على تسليم السلطة لمجلس عسكري أو مدني، ويتم التَّرتيب بعد ذلك لانتخابات رئاسيّة يصعد فيها رئيس صوري، ليس له أي صلاحيات حقيقيّة، ويظلّ بالتالي عبدالملك الحوثي هو المرشد الأعلى للثورة.
السيناريو الثاني: أن يتم التوافق على تشكيل حكومة ائتلافية يكون للحوثي فيها نصيب الأسد من حقائبها السّياديّة، وغير السيادية وسيسيطر عليها عبر أشخاص محسوبين عليه، وليس عبر رجاله مباشرة.
والواقع أن الحوثي لن يعول كثيراً على الوزارات في حكومة ذات خزينة فارغة، وإنما سيسعى للسيطرة على أهم جهازين أمنيين ورقابيين هما: الأمن السّياسيّ والأمن القومي، وهيئة مكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وهي أجهزة من يسيطر عليها يتمكن من امتلاك المعلومة، وإذلال قيادات الدولة ونخبها الفاعلة بفسادها المالي أو الأخلاقي.
وفي الأخير، تبقى هذه مجرد سيناريوهات مطروحة، قد تتحقق وقد لا تتحقق، ولكن ربما تسير الأحداث أيضاً باتجاهات إيجابية مختلفة تماماً، تُجنّب اليمن ويلات الحرب والدّمار.
فهل يستطيع اليمنيون بعد كل هذا أن يجتازوا هذه العقبة؟