; مأتم ضحايا البروستاريكا في العالم العربي | مجلة المجتمع

العنوان مأتم ضحايا البروستاريكا في العالم العربي

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1989

مشاهدات 72

نشر في العدد 911

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 04-أبريل-1989

    • الرؤوس الماركسية عرقيًا وصليبيًا وصهيونيًا تستعد لمعارك جديدة ضد الصحوة الإسلامية.
    • يا عمال العالم اتعظوا قبل أن تتحدوا.
    • الطائرات الليبية تهاوت في مواجهتها مع الطائرات الأميركية فوق المتوسط لأنها كانت نماذج من طائرات عبدالناصر في حرب سنة ١٩٦٧.
    • الإسلام يدعو ضحايا البروستاريكا بالعودة إلى الله.
    • مأتم ضحايا البروستاريكا

    قال الحق سبحانه ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ (الحشر: 16).

    في زحمة الأحداث التي تحيط بعالمنا الإسلامي وفي وسط الضجيج الذي أحدثته التجربة السوفيتية المسماة بالبروستاريكا واهتزاز بنية النظام السياسي والاقتصادي في الوطن الأم للماركسية ورغم غيبة المتابعة العربية لما يجري على الساحة السوفيتية وكأن الأمر لا يعنيها في حين أن مصائر شعوب كثيرة تأثرت من قريب أو بعيد بهذه الأيديولوجيات.. وسط كل هذا الزخم الهائل من الأحداث انعقد مؤخرًا مؤتمر تحت عنوان: «البروستاريكا عربيًا»، احتشد له على استحياء كل الفلول المتبقية من الرموز العرقية والطائفية والصهيونية والتي تبنت الماركسية منذ عقود من خلال صفقة تاريخية مشبوهة.. ولم يسفر هذا المؤتمر الشيوعي عن توصيات ذات معنى رغم الصخب الذي ساد جلساته إلا أنه يعتبر مسيرة احتجاج صامتة ضد البروستاريكا، كما لم ترفع شعارات «أممية البروليتاريا» «ويا عمال العالم اتحدوا».. لأنه اتحاد ضد من؟ مادام زعيم الماركسية في وطنها الأم يسعى للوفاق والتقرب من دهاقنة الرأسمالية! وعلى هذا أشار أحد المراقبين بأن يستبدل الرفاق هذا الشعار بشعار آخر يقول «يا عمال العالم اتعظوا».. ولولا واجب العزاء الذي تقتضيه- على الأقل- المجاملات الدبلوماسية ما كتبنا عن هذا المأتم حرفا.. لأنه كما قيل إن الضرب في الميت حرام، وديننا نهى عن المثلة، ورغم ذلك نرى في الكتابة عن الردود التي أحدثتها البروستاريكا عالميا تذكير الجماهير السادرة في غيها عن متابعة ما يجري في الساحة الخلفية من حدودها.. كما نرى بالإضافة إلى واجب التعزية القيام بواجب الدعوة نحو بعض من تلك الفلول الشاردة عن أهلها ودينها وتراثها علها تثوب إلى رشدها وتأتزر بثوابتها التاريخية أمام الرؤوس العرقية والطائفية والصهيونية والتي غررت عبر عقود من الزمن بشبابنا، بل وبقيادات مفروضة في عالمنا.. تلك الرؤوس لا أمل ولا خير يرجى من ورائها.. لأن القوى التي زرعتها في المنطقة لم تستنفد منها أغراضها حتى الآن ودورها سيستمر في الجولات اللاحقة وفي معارك أشرس.. وهي المعارك الطائفية التي تعد لها الصهيونية الماركسية.

    • متى يتعظ ضحايا الصهيونية الماركسية في عالمنا؟!

    لا عجب أن تتهاوى طائرات الميج الليبية السوفيتية الصنع كأنها نماذج من ورق أمام الطائرات الأميركية فوق مياه البحر الأبيض المتوسط.. ولكن العجيب إصرار القيادات العربية على التسلح بنفس النماذج التي تستطيع حماية أية أجواء عربية في كل الحروب مع إسرائيل.. هذا الحدث يجسد إلى أي مدى بلغت بأمتنا الغفلة ورحنا نصدق مقولة أن الاتحاد السوفياتي نصير القضايا العربية.. ونحن لا ندري أن إسرائيل كانت على علم مسبق بكل قطعة سلاح خردة ترد إلى العالم العربي من روسيا وذلك عن طريق اليهود الموجودين هناك في أعلى المناصب القيادية والتوجيهية حيث يسيطرون سيطرة كاملة على لجان وإدارات التنسيق مع الخارج وفي جملتها تصدير الأسلحة فجاكوب كريزر مثلا وهو أحد الجنرالات اليهود في الجيش الروسي اشترك في جميع المفاوضات العسكرية السوفيتية العربية التي جرت بغرض شراء السلاح.. فاليهود لم يغيروا ولاءهم للتوراة وقضية الصهيونية أبدا.. لقد أصبح أحمد في أذربيجان أحمدوف وفي المنطقة العربية الرفيق أحمد.. لكن كوهين بقي كوهين ثابتا وقابضا على تراثه ممتطيا صهوة الماركسية ومنطلقا بها نحو هدفه.. فلم تغيرت تلك القطعان الشاردة منا وتحولت عن دينها وعروبتها وتنكرت لقضاياها ولم يتغير بنو يهود في قلب الاتحاد السوفيتي، فبعد أكثر من ستين عاما على قيام الثورة الشيوعية.. ها هم يهاجرون يرفعون توراتهم ويترنمون بمزاياهم منطلقين إلى فلسطين شاحذين حراب يوشع وشمشون والميكايين في وجه كل عربي يعترض طريقهم والرفاق العرب يجتمعون يبحثون عن مخرج.. إلى أين المفر؟ وكيف المخرج؟ إيجاد بروستاريكا عربية.. أي تعريب الماركسية ولا يعدو هذا النهج سوى العودة إلى نفس القصة القديمة وهي ارتداء ثوب القومية العربية لتحقيق الأهداف الماركسية.. وهنا ينزع كل فصيل إلى أصله وتتعدد التفسيرات الماركسية وتبدأ حرب الطوائف والأقليات حيث لا أممية، بل قومية سوفيتية.. فهل هذا هو الحل؟

    • وهل القومية العربية هي الحل؟

    لقد وجدت القومية العربية في الماركسية منهجًا لها واستراحت الماركسية لهذا الإطار وتزاوج الطرفان حتى جاءت حرب الأيام الست فأنهت ذلك القران المشبوه وأثبتت تلك الحرب ضعف القومية وتفاهتها وكشفت نفاق الماركسية وكذب إخلاصها لقضايا العرب، والآن بعد أن سحب جورباتشوف الغطاء من فوق الماركسيين وتعرت نواياهم خرج من بين صفوفهم لورانس جديد يبشر بالعودة إلى القومية العربية التي يمكن أن تحتوي الإسلام والماركسية معا.. فها هو خالد محيي الدين يدعو التيار الإسلامي إلى طرح برنامج سياسي معاصر- معتدل- حتى يمكن أن يجذب إليه الجماهير المتقدة بالحماس الإسلامي ومادام التيار الإسلامي فشل في تقديم برنامج شامل لحل مشاكل الجماهير.. فلا ضير في أن يقتبس برنامجا من غيره! وما الإسلام إلا استبقاء هذا الحماس وتوظيفه لصالح تلك الجماهير.. وتزاحمت الأقلام في الآونة الأخيرة وأخذت تركز على إحياء ذكرى القومية العربية وعدم تعارضها مع الإسلام، بيد أن هذه كلمة حق أريد بها باطل.. فالإسلام لم يكن يوما خصما للعروبة إلا يوم أن تلفح بها لورانس وحملها أحفاده من بعده ليحاربوا بها الإسلام وتلقفها من بعدهم الماركسيون ليتخذوها ستارا لنشر الإلحاد والفرقة في الأمة أما العروبة التي نريد فهي عروبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.. عروبة تتخذ من القرآن منهجا ومن شرع الله سياسة عامة، أما عروبة عفلق وبكداش وحبش فهي عروبة بينها وبين الإسلام تعارض وتنافر.. ألا فلتكف تلك الأقلام عن طرح التحليلات المتعددة للصحوة الإسلامية وإمكانية التفافها مع العروبة.. لقد كانت هذه حرب مفتعلة وعدوى سرت إلى العرب آخر القرن التاسع عشر الميلادي.. العرب الذين ظلوا ثلاثة عشر قرنا يدعون إلى الأخوة البشرية والمساواة والإنسانية بحكم تعاليم دينهم الذي اختارهم الله له وامتزج بدمائهم ولحومهم.

    أما تلك الأقلام التي حاولت أن تقلد النموذج السوفيتي فإنها تواجه اليوم امتحانها المصيري في قدرتها على استعادة حرية الفكر وحرية التحليل.. فانهيار الماركسية أثبت أن الأيديولوجيا المستوردة لم تعد حماية لأحد.. فها هي تاركة نجيب الله يغوص في المستنقع وحده وعما قريب ستدير ظهرها لكاسترو الذي توجس من المصير خيفة حين شيد البروستاريكا بزوجة رجل آخر لا شأن له بها وهو الذي كان يسمي العلاقة بين الاتحاد السوفيتي وكوبا بالزواج الكاثوليكي.. لقد أضحت الأيديولوجيا المستوردة وبالا لمن لا يملك البدائل الفكرية أصلا مثل كاسترو.. وهي أقل وبالا لمن يملك البدائل الفكرية في بيئته لكنه يفتقد إلى روح المبادرة والشجاعة مثل الكتاب الماركسيين والقوميين الذين أخذتهم العزة بالإثم فكبر عليهم وضع الأمور في نصابها بالرجوع إلى شرع الله ومنهجه ولقد قيل «أعظم العقائد هي التي تمليها حقائق المصالح العقلية للأمم والمجتمعات، وإن الفكر الذي يعجز عن استلهام هذه المصالح واستنطاقها وصياغتها في شكل أنظمة قابلة للاستجابة لدواعي التجاوز والتطور فإنه فكر يصير نقيضا للواقع وعدوا خطيرا للمحتمين بشعاراته وثوابته».

    والكتاب الماركسيون استنطقوا المنهج الإسلامي عندما كانوا يريدون أن يقولوا: «إن الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ».. وبعثوا شخصية الجراح والغفاري.. خداعا للجماهير بزعمهم ألا تعارض بين الإسلام والماركسية.. فالإسلام في نظرهم آنذاك حفل بالمبادئ والشخصيات التقدمية فلما دانت الأمور لهم أذلوا الإسلام وأهله ووصموه بالرجعية والتخلف.. والآن حان وقت المراجعة الأخيرة.. ولتكن على الأقل تجربة البروستاريكا السوفياتية التي جاءت معبرة عن مصالح الاتحاد السوفياتي فقط. ومستلهمة من تجاربه الخاصة درسًا بليغًا في أن لبني العروبة الذين ضلوا عن دينهم منهجًا ربانيًا غير مستورد سباقًا في مقاومته للأيديولوجيات، قادرا- لو أتاحوا الفرصة لأنفسهم في قراءة سطوره دون استعلاء- أن يعيدهم إلى أمتهم ويمكنهم من اكتشاف قدراته الرائعة في إشباع طموحاتهم في مجالات التقدم والرقي- كما يزعمون.. فهل يحاولون القراءة من جديد أم ينتظرون- عسى أن يغير جورباتشوف رأيه أو كما يتنبأ البعض منهم بأن ينحسر المد الإسلامي وتعود دولتهم.

الرابط المختصر :