; مأساة مسلمي بلغاريا الخلفيات، والأبعاد | مجلة المجتمع

العنوان مأساة مسلمي بلغاريا الخلفيات، والأبعاد

الكاتب عبدالله خليل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989

مشاهدات 106

نشر في العدد 927

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 08-أغسطس-1989

  المأساة المروعة التي يعاني منها المسلمون في بلغاريا لها جذورها التاريخية، وأبعادها المختلفة، فقد كانت دولة الخلافة العثمانية الإسلامية خلال القرون الماضية تبسط سلطانها على معظم الرقعة الإسلامية، وتمتد في قلب أوروبا إلى أسوار فيينا، وتشمل أجزاء كبيرة من بلغاريا الحالية، ويوغسلافيا، ورومانيا، واليونان وغيرها، والشاهد على ذلك بقايا التجمعات الإسلامية الموجودة في تلك البلدان بالرغم من ماضٍ شنيع من الاضطهاد والتعرض للمذابح المستأصلة، ومن اضطهادات متنوعة ومتفاوتة حاليًا، ومأساة مسلمي بلغاريا مأساة قديمة من تلك المآسي.

معاهدة برلين وانسلاخ بلغاريا عن الجسم العثماني:

فقد كانت بلغاريا في القرن الماضي ولاية عثمانية تابعة لإستانبول، وكان اسمها ولاية الطونا أو الدانوب، وبعد هزيمة العثمانيين في الحرب التركية البلغارية سنة ١٨٧٧-۷۸ ومعاهدة برلين ۱۸۷۸ أصبحت بلغاريا مقاطعة شبه مستقلة، وسلخت عن جسم الدولة العثمانية ككثير من المناطق آنذاك؛ حيث أثارت روسيا وأوروبا الصليبية عدة ثورات ضد الدولة العثمانية كما في الصرب، والجبل الأسود، والبوسنة والهرسك، وحتى في اليمن، والجزيرة، وبلاد الشام، مما أوهن قوى الدولة العثمانية، واستنزف طاقاتها، تمهيدًا لتحجيمها وإلغائها واقتطاع فلسطين لليهود، وهو ما تم بعد ذلك بنجاح، وقد كان السلطان عبد الحميد يرفض بإصرار بالرغم من الضغوط والإغراءات الهائلة، فكان جزاؤه الخلع من عرشه وتشويه سيرته، وجاء بدله من لعبت به الصهيونية ويهود الدونمة، الذين استولوا على الحكم في تركيا تحت شعار «حزب الاتحاد والترقي» ثم صنع الغرب من كمال أتاتورك بطلًا، وقام بإلغاء الخلافة، وإعلان تركيا في حدودها الحالية علمانية، وخلفه عليها يهودي دونمة آخر هو عصمت أینونو.

ضغوط هائلة وتكالب أوروبي روسي على دولة الخلافة:

وقد عانت الدولة العثمانية في أواخر القرن الماضي ضغوطًا هائلة لا تحتمل، لتتخلى عن فلسطين، ولتترك لليهود والأوروبيين حرية شراء وبيع أراضي فلسطين، وركزت الدول الأوروبية حملتها، وحكرت التجارة في يد النصارى، ودعمت مطالب اليهود، وتكالبت أوروبا بأكملها ضد تركيا في حرب البلقان، وحركت الشعوب الأوروبية وغيرها ضد الخلافة العثمانية، فخسرت الخلافة كثيرًا من ممتلكاتها، ولكنها تمسكت بفلسطين حتى آخر رمق، فما سقطت في يد الصليبيين إلا بسقوط الدولة كلها.

بدء وتصاعد مأساة المسلمين البلغار:

 لقد استشهد نحو مليون مسلم من جند الدولة العثمانية ورعاياها -معظمهم من الأتراك- في الحرب السابق ذكرها (۱۸۷۷ - ۱۸۷۸)، وهلكت بضعة آلآف في ظروف سيئة، فيما أجبر نحو مليون تركي للهرب إلى تركيا من بلغاريا واستمرت بلغاريا -بدعم من روسيا والغرب الصليبي- في استغلال ظروف تراجع تركيا؛ فتقدمت لتحتل المزيد من الأراضي التركية بما فيها من مواطنين مسلمين، مما زاد نسبتهم في بلغاريا، وقد كانوا قبل هذه الاحتلالات الجديدة يمثلون أكثر من 3/1 سكان المقاطعة البلغارية (33%)، وقد أبيد أكثرهم إبادة جماعية، حتى قلت نسبتهم، فلم يبق منهم بعد أكثر من قرن إلا مليون ونصف بالرغم من تكاثرهم بنسبة عالية.

أربع فرص لإنقاذ مسلمي بلغاريا أضاعها عصمت أينونو:

 وقد أعلنت مقاطعة بلغاريا نفسها مملكة مستقلة سنة ۱۹۰۸، واعترفت بها إستانبول في أبريل ۱۹۰۹، وقد استمرت عمليات الإبادة الجماعية للمسلمين في بلغاريا، لإحداث توازن سكاني ولحل هذه المشكلة طرح اقتراح باستبدال السكان البلغار جنوب جبال البلقان بالسكان المسلمين شمال تلك الجبال، لكن عصمت أينونو رفض ذلك تاركًا المسلمين في بلغاريا يبادون إبادة جماعية بالملايين وأضاع عصمت أينونو فرصة أخرى لإنقاذ مسلمي بلغاريا حين عرض عليه تشرشل دخول الحرب العالمية الثانية بجانب الحلفاء ليفتح جبهة خامسة ضد الألمان في الدانوب، ويخفف ضغوط هتلر على جبهة نورماندي وصقلية، وكان تشرشل كذلك لا يرغب في تقدم الروس جنوب نهر الدانوب؛ لئلا يقتربوا من تحقيق حلمهم الأزلي في الوصول إلى المياه الدافئة، وكان المقابل الذي عرضه تشرشل على عصمت أينونو هو استعادة المناطق التركية في بلغاريا، والتي كانت آنذاك تحت الهيمنة الروسية شمال شرق بلغاريا والقطاع الذي على الضفاف الغربية للبحر الأسود، وهي منفذ بلغاريا الآن على ذلك البحر، إضافة إلى استعادة تركيا لجزيرة رودس و(۱۱) جزيرة أخرى من جزرها القريبة من سواحلها في بحر إيجه والتي كانت تابعة لها، وهي اليوم تحت السيطرة اليونانية، ولا زالت وغيرها موضع نزاع بين تركيا واليونان بثور حينا ويخفت أحيانًا  وكان تشرشل قد انتزع الموافقة على هذا العرض من روزفلت وستالين في مؤتمر طهران الذي عقد من 2۰/1۰ - ١/١۱/1943 قبل نهاية الحرب بأقل من عامين وقد اجتمع تشرشل بعصمت أينونو مرتين، أولاهما في أضنة جنوب شرق تركيا، والأخرى في القاهرة، وكرر عليه العرض، وكان أينونو يتظاهر بالقبول، ويراوغ ويماطل، حتى أضاع فرصة أخرى لإنقاذ مسلمي بلغاريا، بل وكان يمكنه أن يساوم على مسلمي تراقيا الغربية في اليونان وغيرهم من المسلمين الخاضعين الآن للاضطهاد في عدد من المناطق المجاورة، إضافة إلى جلوس تركيا ندًا مع الكبار لاقتسام غنائم الحرب، ورسم خارطة العالم الجديدة، ولكن متى كان يهم يهود الدولة إنقاذ المسلمين؟، بل إنهم يحرصون على العكس.

 لقد قال المارشال مونتغمري إن تركيا ستشعر يومًا بالأسف على ضياع هذه الفرصة التاريخية لإنقاذ واستعادة مواطنيها الأتراك وأرضهم من بلغاريا، وها هو قوله قد تحقق، وقد أضاع عصمت أینونو فرصتين أخريين لإنقاذ مسلمي بلغاريا:

1- حين رأت ألمانيا نفسها مضطرة للانسحاب من بلغاريا، اتصل القائد الألماني لقطاع بلغاريا بالسلطات التركية لتملأ فراغ الألمان في البلقان، وهو عنده أفضل من أن تملأه روسيا عدوته، فرفض عصمت أینونو.

2- كما بعث ملك بلغاريا مبعوثين إلى إستانبول يناشد تركيا احتلال بلغاريا قبل أن يجتاحها الجحيم الشيوعي، فيهدر كرامتها، ويحولها إلى حمامات من الدماء، كما فعل في سائر المناطق التي احتلها، لكن عصمت أينونو لم يحرك ساكنًا، مما أضاع فرصة رابعة لإنقاذ مسلمي بلغاريا، وكان يمكن بجهد بسيط تجنب كل هذه المآسي والمجازر ضدهم، بل وإعادة المهاجرين السابقين إلى مواطنهم.

هجرات عالمية عديدة:

فمنذ خروج بلغاريا من حوزة الدولة الإسلامية وسلخها عن تركيا سنة ۱۸۷۷ قبل (١١٢) عامًا وحتى الآن ومسلمو بلغاريا في محن متكررة يتوارثونها خلفًا عن سلف، ويشتد عليهم الاضطهاد، ويهاجرون إلى تركيا خاصة، ولكن قبل الهجرة الجماعية الحالية، كانت هناك عدة هجرات جماعية للمسلمين المضطهدين من بلغاريا إلى تركيا، ففي العشرينات هاجر (۲۲۰) ألف، وفي سنة ٥٠ - ١٩٥١ استقبلت تركيا (١٥٠) ألف مهاجر مسلم تركي من بلغاريا، وفي سنة ١٩٦٨ طرد من بلغاريا (١٣٥) ألفًا، كذلك اضطرت تركيا أن تستوعبهم، وأخيرًا هذه الهجرة سنة ۱۹۸۹ حيث يهاجر يوميًا نحو (3) آلآف تركي مسلم إلى تركيا مجردين من كل شيء، مطرودين من أوطانهم وممتلكاتهم قسرًا.

تهجير قسري ونهب:

لقد رزحت بلغاريا تحت الحكم الشيوعي أكثر من أربعين عامًا؛ حيث كان يطبق عليها نظام الستار الحديدي، وفجأة سنة ١٩٨٤ أعلنت قوانين عفو، وأتيح لمن شاء أن يسافر خارج بلغاريا، لكن الأمر كان مختلفًا بالنسبة للمسلمين؛ فقد أجبروا على أخذ جوازات خروج بدون عودة، ولا تصلح إلا لتركيا فقط.

 وأصدرت السلطات حتى الآن أكثر من ربع مليون جواز للمسلمين، وكانت تنذرهم بالمغادرة بأقصى سرعة ممكنة خلال يومين أو ثلاثة، مما أثار احتجاجهم، فقوبلت مسيراتهم السلمية ومظاهراتهم الاجتماعية باقي قمع وحشي دموي من الشرطة البلغارية وقوات الأمن والجيش، وحصلت عدة مصادمات سقط في كل منها عشرات الجرحى ومئات القتلى، وعلى الطريقة الصهيونية (الإسرائيلية) رحلت بلغاريا أكثر من (٢٠٠) شخصية من القيادات والشخصيات البارزة بين المسلمين البلغار، وشنت حملات إرهاب، وسحق دموية مما جعل المسلمون يهربون بدينهم وحرياتهم وكرامتهم، وكم فرقت بلغاريا بين الأسر المسلمة فطردت الوالدين، واحتفظت بالبنات والأولاد، أو طردت الشباب، وتركت والديهم الكبار بلا معين، وقد سيطرت على ممتلكات المسلمين ومنحتها للنصارى، ولم تسمح السلطات البلغارية للمسلمين المطرودين باصطحاب شيء من أموالهم وممتلكاتهم إلا القليل جدًا، وهكذا طردتهم، ونهبت أراضيهم ودورهم، وسرقت أموالهم.

من ألوان المعاناة:

ومعروف أن بلغاريا تضطهد مواطنيها المسلمين منذ زمن؛ حيث تتدخل في أخص خصوصياتهم فتجبرهم على التسمي بأسماء نصرانية، وتمنعهم من تعليم أبنائهم تعليمًا دينيًا، وتأخذ تعهدًا على كل أب يرزق بمولود ذكر ألا يختنه، وألا تعرض للعقوبة القاسية والغرامة الباهظة، كما صادرت حكومة بلغاريا حرية المسلمين في العبادة، وأجبرت بناتهم على الخدمة في معسكرات الجيش مع ما في ذلك من تعرض للمضايقات، ومنعت المسلمين من المحافظة على دينهم، بل واستغلت كل مناسبة لاستفزازهم، وتحديهم والاستهزاء بالإسلام والمسلمين.

من أسباب المأساة:

ويرجع بعض المراقبين أسباب هذه الهجمة الشرسة الجديدة من حكومة بلغاريا الشيوعية ضد مواطنيها المسلمين لمحاولة بلغاريا الانتقام من تركيا لإثارتها قضاياهم والدفاع عنهم، وللعداء التقليدي بين الدولتين الجارتين، ولإحراج تركيا وإجبارها على استيعاب جميع المسلمين البلغار، ينهب النصارى أموالهم، ويحاولون أن يضفوا على التعددية خصوصًا بعد ظهور البرسترويكا والفلاسنوست، وبدء تحرك العناصر الإسلامية وغيرها في ممتلكات روسيا كما حصل في آسيا الوسطى وغيرها، وخوفًا من هجوم الديمقراطية فيجد البلغار والنصارى أنفسهم مضطرين للاعتراف بمواطنيهم المسلمين وحقوقهم المشروعة وحرياتهم، وهناك عامل آخر أثار حفيظة بلغاريا، وهو تشدد الحكومة التركية أخيرًا ضد عمليات التهريب غير المشروعة التي تمارسها بلغاريا عبر تركيا بتهريب السلاح والذهب، وغير ذلك من الممنوعات (ربما المخدرات أيضًا) مما أفقد بلغاريا مكاسب تقدر بمئات الملايين، فأرادت إحراج تركيا والانتقام منها.

مسلمو بلغاريا ليسوا أتراكا فقط:

ولقد استطاعت السلطات التركية مشكورة أن تستوعب المهاجرين المسلمين البلغار (الأتراك)، ولكنها أي تركيا عالجت القضية حتى الآن من منطلق عرقي قومي؛ حيث إن أغلب مسلمي بلغاريا هم من الأتراك (مليون ونصف من أصل مليونين، ولكن هناك عناصر أخرى من المسلمين حيث هناك من البوماك (حوالي ٤٠٠ ألف) ومن الغجر (١٠٠ ألف) عدا عن بعض المسلمين الصقالبة والبلغار وغيرهم، فمن يحمي هؤلاء؟ إن عداء بلغاريا الشيوعية الصليبية موجه ضد المسلمين والإسلام في الدرجة الأولى لا ضد عرق أو جنس معين، وإن كان هذا فهو مرحلة تالية

إن على تركيا أن تثير القضية على كافة المستويات، ويبدو أن هذا هو الاتجاه المقصود، فلا بد أن تثار قضية مسلمي بلغاريا (لا أتراك بلغاريا وإلا كان موطنهم تركيا) على المستوى الإسلامي والدولي والإنساني.

من الحلول:

ولا بد أن تطالب تركيا -بالمقابل- باسترجاع المسلمين في بلغاريا مع أراضيهم والتي تمثل حزامًا ساحليًا شرق بلغاريا يجعلها تطل على البحر الأسود.

 ولا ندري إلى أي حد سيبلغ تصعيد الموقف، وإن كان هناك من احتمالات للصدام المسلح، لكن يخفف هذه الاحتمالات، عدم قدرة تركيا على مواجهة عضو في حلف وارسو أو توريط حلفائها الغربيين في صراع لا يهمهم، إضافة إلى إمكاناتها المحدودة والمشاكل المختلفة التي تعاني منها داخليًا وخارجيًا.

لقد قامت الكويت بدور بارز في هذا الموضوع حتى الآن باعتبارها بلدًا مسلمًا، وباعتبار أميرها رئيسًا لمؤتمر القمة الإسلامي في دورته الحالية.

والمطلوب أن يهب المسلمون لمساعدة إخوانهم مسلمي بلغاريا ماديًا ومعنويًا، ويرسلوا المساعدات للمهاجرين إلى تركيا، ويضغطوا على بلغاريا بشتى الأساليب، وأبسطها وقف استيراد المنتجات البلغارية التي تملأ أسواق الخليج والدول العربية والإسلامية، لتحرم الحكومة الشيوعية الصليبية من ملايين الجنيهات أو مئات الملايين من «الليفا البلغارية» وهذا هو بعض ما يستطيعه المسلمون لمعونة إخوانهم في المرحلة الحالية، وهذا أضعف الإيمان.

 

الرابط المختصر :