الثلاثاء 25-ديسمبر-1984
مؤتمر القمة الفرنسية الإفريقية الحادي عشر الذي جمع بين الرئيس الفرنسي فرانسوا میتران وزعماء الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية أنهى أعماله في بوجمبورا عاصمة بوروندي منذ أسبوعين. وقد افتتح هذا المؤتمر يوم ٨٤/١٢/١١ واستمر يومين وكان الموضوع الأساسي في المؤتمر موضوع تشاد الذي أثار جدلًا مريرًا ومشكلة الصحراء الغربية وقد أكد الرئيس فرانسوا ميتران استعداد فرنسا للتدخل عسكريًا في إفريقيا في إطار اتفاقات عسكرية ثنائية تربطها بعدد من الدول الإفريقية، وركز الرئيس البوروندي في خطاب الافتتاح على ضرورة التعاون بين فرنسا ودول إفريقيا الناطقة بالفرنسية في مجالي الاقتصاد والأمن. وقد حضر القمة ممثلون عن ٣٧ دولة إفريقية، لكن بعض الرؤساء امتنعوا عن الحضور احتجاجًا على انسحاب القوات الفرنسية من تشاد.
بداية المسيرة:
تعود فكرة هذه المؤتمرات التي أصبحت تقليدًا فرنسيًا إفريقيا إلى اهتمام فرنسا بالقارة الإفريقية لكونها تمثل مرتكزًا أساسيًا للسياسات الفرنسية الاقتصادية والخارجية، وكان الرئيس الفرنسي الأسبق ديغول أول من وضع حجر الأساس للسياسة الفرنسية الحالية تجاه إفريقيا والتي تتمثل في الإبقاء على علاقات وثيقة مع مستعمراتها السابقة. وقد واصل خلفاء ديغول من الرؤساء الفرنسيين هذا الخط الذي رسمه لهم بعد أن تمكنوا من إبرام عدد من الاتفاقات مع هذه الدول الإفريقية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية التي ارتقت إلى درجة السماح لفرنسا بالتدخل في الشئون الداخلية والسياسة الخارجية لهذه الدول. وتدخل تحت هذا الإطار مؤتمرات القمة السنوية بين فرنسا ومستعمراتها السابقة والتي يرجع تاريخها إلى عام ۱۹۷۳ في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو، وكانت هذه المؤتمرات تقتصر على الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، لكن فرنسا دعت دولًا أخرى غير ناطقة بالفرنسية لحضورها كمراقبين بغية توسیع دائرة نفوذها واستغلالها لثروات القارة.
أهداف استعمارية:
كان الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال ديغول سياسيًا ذكيًا لذلك عندما أدرك بحسه السياسي المرهف أن الوجود الفرنسي في إفريقيا على صورة استعمار تقليدي أصبح يثقل كاهل فرنسا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا أسرع إلى دعوة الشعوب الإفريقية إلى استفتائه الشهير الذي تم بموجبه منح الاستقلال لمعظم المستعمرات الفرنسية لا رغبة في سواد عيون الأفارقة بل تفاديًا للمجابهة العسكرية مع المقاومة الإفريقية من ناحية وتخفيفًا لكاهل فرنسا من متطلبات هذه المستعمرات من ناحية أخرى. لكن الجنرال ديغول بمنحه الاستقلال للدول الإفريقية لم يكن يريد الاستغناء نهائيًا عن ثروات القارة بل كان ذلك وسيلة ذكية لاستغلال هذه الثروات بصورة خفية وذلك من خلال الاتفاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية والعسكرية والثقافية وكانت فرنسا تهدف دائمًا في علاقاتها مع مستعمراتها السابقة إلى تحقيق هدف استراتيجي رئيسي يتمثل في المحافظة على استمرارية نفوذها وتأثيرها على هذه المستعمرات، وقد ضمنت تحقيق هذا الهدف بسياستها الاستعمارية المقنعة التي أدت إلى شرعية تدخلها في السياسات الإفريقية الداخلية والخارجية وإلى حرص زعماء مستعمراتها القديمة على حضور اللقاء السنوي الذي يربطهم بها أكثر من حرصهم على حضور مؤتمرات القمة لمنظمة الوحدة الإفريقية.
وقد نجحت فرنسا في استغلال هذا الموقف الإفريقي للحفاظ على اقتصادها من التدهور؛ حيث أصبحت المستوردة الرئيسية للمواد الأولية من الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية مثل النفط والغاز الطبيعي والحديد والفوسفات واليورانيوم والبن والأخشاب. والمصدرة الرئيسية كذلك للسلع المصنعة لهذه الدول. كما أن بنوك هذه البلاد ومصارفها ترتبط بالمؤسسات المالية والبنوك الفرنسية ارتباطًا كاملًا، ولتوضيح حجم الأرباح التي تعود للرأسمال الفرنسي من علاقاته الاقتصادية والتجارية مع إفريقيا يجب أن نعلم أن الشركات الفرنسية تسيطر على ٥٠٪ من اقتصاد ساحل العاج و٦٥% من اقتصاد الغابون و٥٥% من اقتصاد الكاميرون و٧٥ من اقتصاد السنغال.
قواعد عسكرية:
إلى جانب المزايا الاقتصادية والتجارية التي تجنيها فرنسا من علاقاتها مع مستعمراتها السابقة نجد أن لها وجودًا عسكريًا ملموسًا في كثير من هذه الدول عبر قواعدها العسكرية المنتشرة في هذه المناطق؛ حيث تمتلك قواعد في كل من إفريقيا الوسطى والغابون وجيبوتي وساحل العاج والسنغال وتشاد. كما ترتبط ست دول إفريقية باتفاقات دفاع مشترك مع فرنسا. وقد وصفت إحدى الصحف الباريسية مهمة الجيش الفرنسي في إفريقيا وصفًا دقيقًا؛ حيث قالت: «نحن لا نستطيع تجاهل القارة الإفريقية التي تمولنا بـ۱۰۰٪ من اليورانيوم والكوبالت و٧٢ من المغنيسيوم و٥٥% من الكروم و٣٣ من الحديد و٢٥٪ من الرصاص.. وقد استخدمت فرنسا قواعدها العسكرية للتدخل عسكريًا في عدة دول إفريقية: في العام ۱۹۷٦ تدخلت القوات الفرنسية في جيبوتي ضد حركة التمرد التي كانت تشجعها الصومال في عامي ۱۹۷۷- ۱۹۷۸ تدخلت في موريتانيا ضد جبهة البوليساريو التي كانت تقوم بهجمات على موريتانيا وكذلك تدخلت في عامي ۷۷- ۷۸ في زائير لوقف الحركة الانفصالية في منطقة شابا. وعام ۱۹۷۹ تدخلت في جمهورية إفريقيا الوسطى للإطاحة بنظام حكم الإمبراطور بوكاسا. وفي عام ۱۹۸۰ تدخلت في تشاد لدعم حكومة غوكوني عويدي ثم تدخلت فيها مرة أخرى عام ۱۹۸۲ لدعم حسين حبري ضد غوكوني وقواته المدعومين من ليبيا.
الشعوب ومؤتمرات القمة:
يتضح مما مضى أن المستفيد الأول من فكرة مؤتمرات القمة الفرنسية الإفريقية بشكل خاص ومن العلاقات الفرنسية الإفريقية بشكل عام هو فرنسا التي حصلت على كل ما تحتاجه في الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. والمستفيد الثاني بدون شك هو الأنظمة السياسية القائمة في الدول الإفريقية التي ترتبط بهذه العلاقات الودية مع فرنسا؛ حيث أصبحت مطمئنة البال وضامنة لبقائها على كراسيها بفضل تواجد القواعد العسكرية الفرنسية في ربوعها لإحباط كل محاولات انقلاب أو ثورة ضدها ما دامت على ولائها للاستعمار القديم الجديد فرنسا.
أما الخاسر الحقيقي فهو شعوب هذه الدول التي تنهب ثرواتها وخيرات بلادها أمام عينيها دون أن تستطيع المعارضة خوفًا من نقمة الأنظمة ورصاصات الجيش الفرنسي الجاثم على أبوابها.
إن هذه هي حقيقة القمم الفرنسية الإفريقية وحقيقة علاقات فرنسا مع مستعمراتها السابقة استعمار مقنع واستغلال اقتصادي وقواعد منتشرة لحماية الأنظمة الصديقة ضد شعوبها المقهورة.