العنوان مؤتمر الأمم المتحدة للإسكان والتعمير دعوة للانفلات الأخلاقي
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996
مشاهدات 51
نشر في العدد 1204
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 18-يونيو-1996
- الأمم المتحدة تشهر سلاحي المال والجمعيات غير الحكومية للحد من سلطة الدولة لتخلو لها الساحة.
رغم أهمية ما يثار حول مؤتمر الهابيتات الثاني الذي اختتم أعماله في مدينة إسطنبول يوم 14 يونيو «حزيران»، أو مؤتمر الأمم المتحدة للإسكان والتعمير كما اصطلح على تسميته باللغة العربية، والذي يعد الحلقة الأخيرة من سلسلة حلقات مؤتمرات الإعمار والبيئة التي بدأتها الأمم المتحدة منذ عام 1967م بمؤتمر فانكوفر، وكونه يسعى إلى وضع القواعد والقوانين التي من شأنها تفكيك النواة الأولى للمجتمع- ألا وهي الأسرة- بما يدعو إليه من الانحلال الخلقي والبيئي على كافة مستوياتها، وبما يبيحه لأفرادها- وبصفة خاصة المرأة، الركيزة الأساسية لتماسك الأسرة- وامتداد الأمر إلى الأطفال، بسن القوانين التي تبيح خروجهم عن العادات والتقاليد والعرف المعمول به في معظم المجتمعات، بل والمعتقدات الدينية التي تقوم عليها الأسس الأخلاقية التي تحمي المجتمع من السقوط والانهيار، خاصة في المجتمعات الشرقية والدول الإسلامية على وجه الخصوص، بدعوى إفساح المجال للمزيد من الحرية الشخصية وحقوق الإنسان الفردية، وهي في حقيقة الأمر أقرب إلى الانفلات الأخلاقي منها إلى الحرية الشخصية، بما يفتح الباب على مصراعيه لعوامل الفساد والانهيار الأخلاقي، وبالتالي الاجتماعي الذي يعني في نهاية المطاف انهيار المجتمع بأكمله، ووقوعه تحت هيمنة وسيطرة المنظمات الصهيونية والماسونية العالمية التي تحاول فرض سيطرتها على مقدرات الأمم والشعوب خاصة الإسلامية منها.
نقول رغم أهمية ذلك الجانب، إلا أن هناك محاولات أخرى لا تقل أهمية وخطورة عنه، يجري إعدادها على الساحة في الخفاء، ولم يلتفت إليها أحد حتى الآن، إذ تحاول الأمم المتحدة جاهدة إعطاء نفسها دورًا أكبر على الساحة الدولية في ظل النظام العالمي الجديد، وفرض سيطرتها الكاملة وهيمنتها على مقدرات كافة المجتمعات والدول، وتهميش دور السلطة الدولية والحكومية داخل البلاد عن طريق أمرين في منتهى الخطورة:
أولهما: قيامها بدعوة المنظمات غير الحكومية لتقديم مساهماتها في ذلك المؤتمر وفي التحضير له، بل وشجعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر التابعة للأمم المتحدة المنظمات غير الحكومية على الاضطلاع بدور فعال داخل اللجان الوطنية المكلفة بإعداد برامج العمل الوطنية، كما طلبت من الحكومات إدراج ممثلي المنظمات والجمعيات غير الحكومية في وفودها الرسمية.
وأبرز ما يلاحظ في هذا الصدد أن المجموعة المكلفة بإعداد الصياغة الأولية لبرنامج العمل العالمي كثيرًا ما منحت مقاعد إلى عضوين اثنين عن بعض الجمعيات غير الحكومية، إلى جانب المندوبين الحكوميين الثلاثة عشر، إضافة إلى ممثل عن السلطات المحلية.
وذلك كله بهدف التمهيد التدريجي لإحلال الجمعيات الأهلية غير الحكومية والسلطات المحلية محل الجمعيات والمنظمات الحكومية؛ ليكون لها دور أكثر إيجابية في المستقبل بهدف تهميش دور الحكومات ووضعها على الرف.
ويهدف سيطرتها الكاملة وبث سمومها داخل الدول وبين المجتمعات والمنظمات غير الحكومية كوسيلة لتحقيق أغراضها، مكنت الأمم المتحدة تلك المنظمات من تقديم مقترحاتها الخاصة بالوثيقة النهائية للمؤتمر، وما قبل منها من قبل لجنة الصياغة تم إضافته للوثيقة، وكلها موضوعات تتعلق بدور النساء ومكانتهن وأهمية السكن الخاصة بالنسبة لهن.
كما دعت المنظمات غير الحكومية الأمم المتحدة إلى مساندة اقتراحها الخاص الذي يهدف إلى جعل لجنة الأمم المتحدة للمنشآت البشرية تتكون مستقبلًا من أربعة أطراف، 50 % من المندوبين الحكوميين، على أن توزع بقية المقاعد بالتساوي بين السلطات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.
كل ذلك بهدف استغلال تلك المنظمات والجمعيات- التي لا يعرف في الغالب لمن تخضع ؟!، وما هي انتماءاتها ؟!، وهل لديها صلات بجمعيات ماسونية أو منظمات صهيونية ؟!- لفرض سيطرة الأمم المتحدة على مقدرات الشعوب عن طريق إعطاء تلك الجمعيات الشرعية المطلوبة والصفة الرسمية، في نفس الوقت الذي تسعى فيه إلى تقليص دور المنظمات الحكومية وتهميش مكانة الدولة، حتى تخلو لها الساحة لتفعل ما تشاء دون رقيب أو حسيب.
وثانيهما: فرض سيطرتها الكاملة على الاقتصاد المحلي للدول عن طريق التحكم في تمويل المشروعات، وتحديد الأسعار، وإعطاء الفرص كاملة لسيطرة رأس المال الأجنبي على مقدرات الشعوب الفقيرة، بالإضافة إلى فرض سيطرتها الكاملة على مجمل مشروعات البنية التحتية في المجتمعات، خاصة تلك المرتبطة بشبكات المواصلات، واستخدامات الطاقة، واستغلال مصادر المياه، والتحكم كذلك في كافة مشروعات إقامة الموانئ والمطارات بشقيها المدني والعسكري، والمواصلات السلكية واللاسلكية، بما يفقد الدول خصوصياتها، ويهدد أمنها القومي في الصميم.
ورغم تلك السياسة التي تهدف الأمم المتحدة من ورائها فرض سيطرتها الكاملة على مقدرات الشعوب- عن طريق سلاح المال في مواجهة الفقر- لدى كثير من دول العالم خاصة الإسلامية منه، واستغلال الجمعيات غير الحكومية في مواجهة الحد من سلطة الدولة، وسحب البساط من تحت قدميها؛ ليخلو لها الجو، في غياب القوى الحكومية والمنظمات الرسمية، إلا أن هناك بعض المحاولات والأصوات الإسلامية المخلصة التي كان لحضورها نوع من هالات الضوء في وسط ذلك الظلام الدامس، الذي أصبح يهدد مستقبل البشرية برمتها.
فقد أصدر المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وكذلك المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس بحثًا هامًا حول «الموئل» مفهومه وأهميته في الإسلام، وذلك في محاولة للرد على دعاوي الحرية الشخصية وحق الإنسان في السكن وفقًا للرؤى الغربية التي تنحدر بكل القيم والمبادئ والأخلاقيات إلى مستنقع الرذيلة والفحش، وأوضح البحث أهمية الموئل أو السكن في نظر الإسلام، وكيف أن الله- سبحانه وتعالى- من على الناس بنعمة البيوت التي هداهم لبنائها، وخلق لهم مادتها ليس فقط في الإقامة بل في السفر والارتحال إذ يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ (النحل: 80).
وأكد البحث أهمية السكن في تحقيق الاستقرار والسعادة للإنسان، إذ استخدم القرآن الكريم لفظة السكن للدلالة على العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، لأن الأصل أن تكون هذه العلاقة في نظر الإسلام قائمة على اطمئنان كل من الرجل والمرأة للآخر، وسعادته بإقامة علاقته معه، وبالتالي استقرار الحياة الزوجية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21)، فالسكن هنا سكن جسدي ونفسي.
كما أوضح أن حق السكن الذي تطالب به الأمم المتحدة الآن، وتسعى عن طريقه إلى تخريب الأسرة وهدم القيم والأخلاق، هو حق مكفول في المجتمع الإسلامي لكافة المواطنين، ومن عجز منهم عن توفير مسكن لنفسه تكفل له المجتمع الإسلامي بذلك، إذ ذهب بعض الفقهاء إلى القول بوجوب تكفل الأغنياء بحاجة الفقراء إلى المسكن مطلقًا، ويذهب ابن حزم إلى أن على أغنياء المسلمين أن يقوموا بفقراتهم إذا عجزت أموال الزكاة وغيرها في المجتمع عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى.
وحول العلاقة بين السكن والأسرة، أوضح البحث أن الأسرة في المقام الأول هي تلك التي تتألف من رجل وامرأة ارتبطا بعلاقة شرعية قانونية أنجبا من خلالها الأبناء والبنات، وليست بالأسرة تلك التي تنطوي على علاقة بين اثنين بغض النظر عن هذه العلاقة إن كانت شرعية قانونية أو ليس كذلك، وبغض النظر إن كان هذان الاثنان رجلين أو امرأتين أو رجلًا وامرأة، فالأسرة بهذا المفهوم أبعد ما تكون عن تحقيق السكن بمعناه النفسي والسعادة والطمأنينة.
وقد ضمن الإسلام للإنسان حصانة في سكن لا يُعتدى عليه فيه، بما يحقق الغرض الأساسي من الموئل والإقامة فيه من السكن والأمان، وتتمثل هذه الحصانة في القواعد التالية:
- وجوب الاستئذان: فقد أوجب الإسلام على كل من يريد أن يدخل بيت غيره أن يستأذن، أما إذا كان من أهل البيت فقد طلب الإسلام منه أن يدخل البيت من بابه.
- منع الإسلام على السلطة مصادرة السكن أو اقتحامه بغير وجه حق، وقد حدث أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- تسلق سور أحد المنازل، ووجد أمام صاحبه خمرًا، فقال له صاحب المنزل: أنا ارتكبت خطأ، وأنت ارتكبت ثلاثًا، فتجسست والله قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: 12)، وصعدت الجدار والله يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (البقرة: 189)، ودخلت بغير إذن، والله يقول: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا﴾ (النور: 27) فعفا عنه عمر على ألا يعود لشرب الخمر.
وأكد البحث في نهايته على أن المسلمين يطمحون لتحقيق هذه القيم للسكن، لتشمل كافة البشر بغض النظر عن جنسهم، أو لونهم، لأنهم يرون في تعاليم الإسلام سعادة البشر خاصة في مجال المحافظة على الأسرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل