العنوان مؤتمر الميثاق الوطني السوري بين التقويم والتجريم
الكاتب محمد محمود
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 63
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 40
السبت 12-أكتوبر-2002
لم يبق خارج اللحن الديمقراطي سوی حزب البعث الحاكم الذي نصب نفسه قائدًا للدولة في دستور ينتمي للقرون الوسطى السياسية.
تحدث عبد الله الأحمد (عضو أسبق في القيادة القطرية للحزب الحاكم في سورية في مقالة له السفير 13/٥/2001م) بمناسبة صدور (ميثاق الشرف للعمل الوطني، مكررًا تعليقه على موقف جماعة الإخوان المسلمين والمعارضة صبيحة تشييع الرئيس حافظ أسد بقوله: إنني مندهش يقينًا من أن الإخوان المسلمين وحدهم قالوا كلامًا، يخص المستقبل، وأما الباقي فمعظمهم استرجع في كلامه سكاكين المطبخ السياسية القديمة.
يبدو أن سكاكين المطبخ هذه لم توفر السيد الأحمد نفسه الذي ذهب ضحية حادث مروري غامض، ما ندري حتى الآن إن كان مدبرًا، أم هو قضاء وقدر فقد عودتنا الأجواء السورية على الشك والريبة والحذر.
كان تعليق الأحمد فاتحة سلسلة خصبة من المقالات والدراسات الفكرية والسياسية طوال عام ونيف حول مشروع ميثاق الشرف للعمل السياسي (الوطني) الذي طرحته جماعة الإخوان المسلمين بتاريخ 3/٥/٢001م، عبر حوارات وسجالات متصلة على منابر الصحافة ومواقع الإنترنت والندوات السياسية كانت حصيلتها إيجابية تشيد بمضمون المشروع، وبالجهة التي أطلقته، بوصفه قاسمًا مشتركًا للطيف السياسي السوري، ومعلمًا حضاريًا يؤشر على نضج الوعي والممارسة السياسية لدى فصيل من فصائل المعارضة يقابله حسن تفهم وتعاطٍ من فصائل المعارضة الأخرى حتى (التجمع الوطني الديمقراطي) -قيادته داخل سورية- ثمن مشروع الميثاق إيجابيًا، ولم يشذ عن هذا الأفق البناء من التعاطي إلا ما أدلى به في حينه (مسؤول أمني رفيع عبر مراسل جريدة (النهار) من تشكيك بالنوايا، وارتكاس إلى (دفتر الوضع الاستثنائي في الثمانينيات، وتسخيف للقوى الوطنية والدارسين الذين تعاطوا مع المشروع بجدية وموضوعية، لا تخلوان من منهج نقدي، ثم اتهام لهم بالسذاجة، و(حسن النية؛ لأن العمل الوطني عنده ينافي (حسن النية. فكان ذلك بحق شهادة ملموسة من جهة أمنية مشهورة بالديمقراطية وآلية الحوار الحضاري غير المسبوق.
هذا الحراك السياسي الذي واكب نشاط النخبة وأنصار المجتمع المدني، واستمر بعد قمع (ربيع دمشق)، واعتقال الناشطين العشرة ومحاكمتهم والحكم الجائر عليهم أمام محكمة (أمن الدولة الاستثنائية، وإحباط الآمال المعقودة على وعود (خطاب القسم الرئاسي، وتفاقم الحاجة إلى المصالحة الوطنية التي دعا إليها منديلا سورية رياض الترك، وتململ الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين طال اعتقالهم ربع قرن، وتحرق ذويهم ومحبيهم ومواطنيهم، وتزايد الأخطار والاستحقاقات الخارجية على القطر والمنطقة بأجمعها، كل ذلك استوجب الدعوة إلى (مؤتمر الحوار الوطني حول ميثاق الشرف للعمل السياسي الوطني السوري) في ٢٣ - ٢٥-8/2002م في لندن لا دمشق،
ومثلما لقي (مشروع الميثاق الوطني) اهتمامًا وأصداء واسعة في الداخل والخارج، كان للمؤتمر الأصداء والاهتمامات نفسها أو أكثر؛ لأن المشروع لم يعد مبادرة من فصيل وحده، بل تحول إلى وثيقة عمل وطني جامع، يؤسس للحياة السياسية في سورية بشكل عصري، لبناء دولة العدل والقانون، والتداول السلمي للسلطة، والاعتراف بالآخر، والفصل بين السلطات.
كانت الدعوة للمؤتمر مفتوحة لكل الأطراف لكن السلطة اعتصمت بالصمت عمومًا، وبعض المدعوين من الداخل اعتذروا بذريعة (التوقيت والمكان غير المناسبين)، فرد عليهم أنصارهم في الخارج سلطان أبا زيد وصبحي حديدي في (القدس العربي): (واجب ملاقاة الإخوان المسلمين في حوار الميثاق الوطني لكي يشع الطيف لجميع المؤمنين بسورية. ۲3/۸/2002م). كما أن الطبيب محمود حسين صارم (مقيم في الرقة أشاد بالمؤتمر والمتداعين لحضوره، وتمنى للمؤتمر النجاح وتحقيق الأماني المعقودة عليه، بل إن أحد محبي الصحفي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان نزار نيوف احتج على إغفال توقيع نزار على وثيقة المؤتمر مع الموقعين، والسبب شكلي وهو حصر التوقيعات بالحاضرين في المؤتمر.
ولولا مرض نزار لما احتجنا إلى سماع كلام عن الكيد أو الخصومات الشخصية بين الوطنيين الغيارى، ولما قيل: لم يوقع على الميثاق مواطن علوي مع العلم أن التوقيعات مسبوقة بعبارة (من الموقعين؛ أي أنهم ليسوا كل الموقعين تم الإعلان عنهم، ولا استطاع موظف في السفارة السورية في فرنسا أن يتصل بالصديق نزار، محاولًا أن يوغر صدره في أشد ساعات مرضه على أصدقائه الوطنيين.
فرصة لطرح الهم السوري:
وهكذا صار (مؤتمر الحوار الوطني حول (الميثاق) فرصة لطرح الهم السوري وطنيًا ولمعالجة القضية السورية من خلال وثيقة الميثاق، وحولها من جديد عبر الصحافة أو مواقع الإنترنت أو قناة (الجزيرة) طوال أيام المؤتمر أو المحافل والندوات السياسية داخل سورية وخارجها، مما كانت معه تصريحات وزير الإعلام مستغربة بالكاد سمعت بالمؤتمر)، لكنه لم ينس الغمز والاتهام بالإرهاب للتيار الإسلامي مستعديًا الإدارة الأمريكية، في حين تلجأ الإعلاميات المبرمجة سوريا) للاتهام بالعمالة كما فعلت الصحيفة الأسبوعية الصادرة في باريس، الموجهة (بالريموت) من (قاسيون) تحت عنوان: الإخوان الماونيون تحالف غير مقدس، وزجت باسم الكاتب محمد جمال باروت بين أسماء الموقعين، فكتب يرد عليها ينقض دعاواها وبعدها باللجوء إلى القضاء، وقال فيما قال لقد اضطررت للعودة إلى بعض أعدادكم السابقة، من خلال أصدقاء يحتفظون بها، وفوجئت بأن الجريدة لها تقليد سابق في التضليل، ونشر الأخبار الكاذبة، وشن التشهيرات ولم يذكر باروت أن الصحفيتين الشقيقتين (سبيني) اعتقلتهما الأجهزة الأمنية اختطافًا منذ شهرين؛ بسبب كشفهما أسرار رئيس مجلس إدارة الجريدة المذكورة ومديرها العام ورئيس تحريرها في علاقته بضابط كبير في (قاسيون)، يوفر له الاحتياجات الصحفية والمادية من جهة، وعلاقته بالمخابرات الأمريكية من جهة ثانية، فضلًا عن أسماء الضباط الذين يكتبون بأسماء مستعارة.
تناقضات:
على أن تناقض الجهات الأمنية في ردود أفعالها في اتهام التيار الإسلامي بالإرهاب والأمركة في وقت واحد، ليس الوحيد من التناقضات المتهافتة، فهناك من وصل إلى زعم تحالف مسبق بين السلطة أو الحزب الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين: إن تحالفًا موضوعيًا، وعلاقة جدلية بين هذين الطرفين تجعل من وجود أحدهما دعمًا وضرورة لوجود الآخر (قراءة مختلفة في ميثاق الشرف الوطني، أخبار الشرق ٢3/٨/٢002م)، وهذه طفولة يسارية تذكرنا بواقعة في الثمانينيات أوج الأحداث الدامية، حين قال رئيس فصيل ماركسي معارض: إن تنظيمه سوف ينقل البندقية من الكتف اليسرى (أي ضد النظام) إلى الكتف اليمنى (أي ضد الإخوان) فسخر منه زملاؤه في التجمع الوطني الديمقراطي وأقنعوه -ماركسيًا- أن التناقض الحالي هو مع سلطة القمع والاستبداد.
صاحب مقالة (قراءة مختلفة أعفانا من تناول طروحاته تفصيليًا حين وصل قدحه الذهني إلى هذه الحقيقة العلمية التاريخية الفاقعة، أما ادعاؤه بأن المتلقي يساهم في صنعة النص أيضًا)، وهي مقولة أدبية لا سياسية، فادعاء مردود، يؤكده الإسراف في تحميل نص مشروع الميثاق ما لا يحتمله، مثل الانتقال إلى المستقبل، والتنجيم في مآل الميثاق، ومدى تقيد الموقعين عليه ببنوده، وهناك تفصيلات أخرى حول إعادة قراءة التراث الإسلامي، وإدخال القراءة التاريخية والتطورية اللغوية للنصوص الإسلامية، وتوظيف أحدث المناهج في العلوم الاجتماعية والإنسانية واللغوية في تلك العملية). وأمثال ذلك، فسوف يكون الجواب عليها مبسوطًا في (المشروع الحضاري لسورية المستقبل) الذي على وشك أن تصدره جماعة الإخوان، لكننا نثمن اعتراف الكاتب بشعبية التيار الإسلامي وجدية تعاطي أطراف المعارضة والطيف السياسي السوري مع الميثاق، من خلال تحذيراته وتشكيكاته الفوقية، فهي أي جماعة الإخوان، تستغل القاعدة السوسيولوجية للتدين، في ظل الفقر والتهميش والإحباط الذي يعانيه السوريون، على المعارضة ألا تخضع نفسها لإكراهات العمل السياسي، ومتطلبات الجدوى والفاعلية المباشرة قصيرة النظر، إن تلقفها الإيجابي لهذا الميثاق، وقراءتها له، تشير إلى الطبيعة الإرادوية والتوظيفية لتحليلها موقف الجماعة الفكري والسياسي.
لذلك نتساءل: كيف تنسجم هذه الطروحات التشكيكية مع قول صاحب (القراءة المختلفة): إن النظام السوري هو المسؤول الأول والمباشر عن نسف أي إمكانية حقيقية لديمقراطية عادلة وصائبة، برفضه فتح الملفات المضبوطة تراثيًا، وقمعه لكل الفاعليات الحراكية، وبمفاقمته لغم التعصب الديني سياسيًا وثقافيًا.
مثل هذا المنطق غير المنطقي وغير الموضوعي نصادفه في مداخلة على قناة الجزيرة لـعــمــاد فوزي الشعيبي يوم ۲5/۸/۲002، الذي لا يستوقفنا استخفافه بحجم الأطراف الوطنية الممثلة في المؤتمر: من إسلامية، وماركسية، وقومية ناصرية، أو بعثية ومستقلة، ولا زعمه جهلها بمجمل الأوضاع السورية في عصر المعلوماتية، بل يستوقفنا قوله: إن رأيه شخصي)، وهو ليس بحاجة لمثل هذا القول إلا لقناعته بافتضاح ارتباطه المسبق بالأجهزة، ونطقه بما تمليه عليه، لا لأن والده هو رئيس المخابرات الأسبق، ولا لكونه المثقف الوحيد الذي خالف مثقفي بلده وعصره، كما يصرح هو نفسه بل لأنه مقتنع أكثر من هذه الأجهزة بآرائه الشخصية).
دليلنا على ذلك الواقعة التالية: أرسل (صاحبنا) مقالة له إلى صحيفة عربية تصدر في لندن اعتاد أن ينشر مقالاته فيها، لكن رئيس التحرير بخبرته امتنع عن نشر المقالة؛ لأن صاحبها يطالب فيها السلطات السورية أن تنصب (مقصلة) لقطع رؤوس المثقفين المعارضين في ساحة المرجة وسط دمشق، قطعًا لدابر الحراك السياسي الوطني المعارض، هذه المقالة تسربت من الجريدة إلى أيدي المثقفين السوريين، وإلى الضابط الكبير المكلف بقيادة وضبط الإيقاع لدى (كتاب السلطة)، فاستدعاه ووبخه على شدة اندفاعه.
على أن أغلب المداخلات والمقالات المنشورة حتى الآن تنأى عن السلبية، نخص بالذكر -على سبيل المثال- مداخلتي محمد جمال باروت، وعلي عقلة عرسان رئيس اتحاد الكتاب من داخل سورية عبر (الجزيرة)، ومقالة حول مؤتمر الميثاق الوطني في سورية - القدس العربي ٢9/٨/٢002م) للدكتورة فيوليت داغر. لبنان رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومقالة (عفوًا سيادة الرئيس الأسد الابن) للدكتورة أميمة أحمد -الجزائر- أخبار الشرق 3/٩/2002م.
مما قاله باروت إن التنظيم العام للإخوان المسلمين اتخذ منذ منتصف الثمانينيات قرارًا بالتعددية وبالحوار، مشيرًا إلى أن تفكير الإخوان يتبلور باتجاه المعارضة الإيجابية، أما الأستاذ عرسان فأثنى على الروح الحوارية للمؤتمر، ودعمه المقاومة الفلسطينية، ورفضه الاستقواء بالأجنبي على الوطن، وإدانته العدوان على العراق، وقالت الدكتورة فيوليت بعد مؤتمر لندن أصبحت الجمهورية الديمقراطية القاسم المشترك الأعلى لكل أطراف المعارضة في الداخل والخارج، ولم يبق خارج اللحن الديمقراطي سوى حزب البعث الحاكم، الذي نصب نفسه قائدًا للدولة والمجتمع في دستور ينتمي للقرون الوسطى السياسية، فإذا لم يكن هذا الحزب مؤهلًا بعد لقبول مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهل يمكنه التحلي بالمرونة السياسية ولو بداعي غريزة الدفاع عن البقاء، والطريف في مقالة الدكتورة أميمة أحمد أنها لم تتعرض للمؤتمر من بعيد ولا قريب، لكنها ختمت بالمطالب نفسها، وهذا درس للعاقل الذي تكون الحكمة ضالته من أي وعاء جاءت، فهل آن الأوان لنضع ذرائع التوقيت والمكان والإخوان لنحتكم إلى قوانين العدل والقسطاس والميزان؟ ﴿ولا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ على ألّا تَعدِلوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوى﴾ (سورة المائدة: ۸).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل