; مؤتمر بون يفضح جرائم الصرب في البوسنة (4 من 4) | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر بون يفضح جرائم الصرب في البوسنة (4 من 4)

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

مشاهدات 60

نشر في العدد 1169

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

دور وسائل الإعلام الصربية في حملات الإبادة الجماعية للمسلمين

وقف البروفيسور محمد نوحيتش -الأستاذ بقسم العلوم السياسية في جامعة سراييفو- مخاطبًا المشاركين في مؤتمر توثيق الإبادة الجماعية في البوسنة «بون من 31/8 إلى 4/9/1995» قائلًا:

«عندما اندلع العدوان الصربي ضد البوسنة والهرسك وبدأ القتل الجماعي والتنكيل بالبوشناق، أخذتنا الحيرة، ولفنا العار بعباءته، سألنا أنفسنا: لماذا؟ ومن أین جاء هذا الكم الهائل من الحقد؟ ومن أين تولّد هذا التعطش للدماء؟ من أين جاء كل هؤلاء المجرمين الصرب؟ لماذا يقتلوننا ويحرقوننا وينهبوننا؟ ولماذا يغتصبون نساءنا؟ أو ليسوا هم نفس الرجال الذين حاولنا أن نعيش معهم في علاقة طيبة، وهم الذين عملنا معهم، وعشنا معهم، وذهبنا إلى المدارس معًا، وقضينا الأوقات في المقاهي معًا، وتبادلنا العون في أوقات المِحَن، ومشينا في جنائزهم ومشوا في جنائزنا، واحتفلنا بأعراسهم واحتفلوا بأعراسنا كيف يمكن ذلك؟ إن الذي حدث لا قِبَل لبشر متحضر باستيعابه، ولا يقبله إنسان طبيعي، ولكن إذا كان ذلك صحيحًا، أي إذا لم يكن بإمكان إنسان طبيعي متحضر أن يفهمه أو يقبله، فهل هؤلاء الصرب طبيعيون؟ وهل هم شعب متحضر؟ وإذا كانت أمة الصرب متحضرة، فكيف يمكن أن يخرج شعب صغير هذا العدد الهائل من الأشخاص غير المتحضرين؟».

يرى البروفيسور نوحيتش أن تفجر هذه الظاهرة الغريبة بشكل مفاجئ ومتسارع لا بد أن يجد له تفسيرًا في سلوك وسائل الإعلام، إذ إن الإبادة الجماعية ليست جريمة مستوطنة وتلقائية، وإنما عرض مرضي يتفشى عندما تنتشر جراثيم الحقد وعدم التسامح في مناخ مناسب لتكاثرها، والمناخ المناسب في هذه الحالة هو أسطورة شعب الصرب المختار، بينما الجرثومة هي القومية في ثوبها الشوفيني، وإذا كانت الجراثيم هي الكلمات والشعارات والمقولبات «الأنماط المكررة، فإن الناشرين لهذه الجراثيم هم الكُتّاب والسياسيون والقساوسة والصحفيون.

الدعاية الإعلامية الصربية: وسائل الدعاية الإعلامية في الزمن المعاصر أعملت أدواتها لإحياء أساطير الماضي مرسّخة في أذهان الصرب أن الإسلام والمسلمين ما زالوا الخطر المحدق بالصرب منذ أن هزم العثمانيون في معركة كوسوفو عام ۱۳۸۹م جيش الدوق لازار هر يبيليانوفيتش، وأنهم يتحملون «إثم» ضياع إمبراطورية الصرب وانقطاع دولتهم، ويتحملون بالتالي تبعة كل ما حاق بالصرب منذ ذلك الوقت وحتى الآن من شرور، وتركز الدعاية الصربية على أنه لا بد من الانتقام من الأتراك، وإذا كان الأتراك لم يبق لهم وجود هنا فلا بد من تحويل النقمة وصب جام الغضب على البوشناق، ويكفيهم من الإثم أنهم ارتضوا الإسلام دينًا، وتقوم السياسة الدعائية على أساس نظرية استحالة أن يتمكن الصرب من العيش في دولة واحدة مع أولئك الذين تسببوا على مَر القرون في معاناتهم، ولما كان مَعْلّمًا تراثياً أو مسجدًا أو مقبرة.

كان لا بد من ترسيخ فلسفة الإبادة الجماعية في الضمير الصربي بكل الوسائل المتاحة. بتصميم المقولبات «الأنماط المكررة» وباستغلال الدين ورجاله، ومؤسساته، وبنشر المطبوعات وعبر الموسيقى والفن التشكيلي، ومن خلال الصحافة والإذاعة والتليفزيون والسينما.

يذكر البروفيسور نوحيتش في هذا المجال بأنه كان يكفي المرء في النصف الثاني من الثمانينيات أن يرمق بنظره ما كانت تعرضه مكتبات بلجراد من مطبوعات ليتساءل بدهشة: لماذا كل هذا التركيز على مواضيع تتعلق بالقومية الصربية وبالديانة الأرثوذوكسية؟ ولماذا كل تلك الطبعات الجديدة لكتب بالية تمجد الماضي «التليد» لأمة الصرب، وتحدث عن أساطير موغلة في القدم، وانتصارات وهمية، وعذابات ومآسي «يتحمل أصحاب الهلال وحدهم مسؤوليتها؟»، كل ذلك لم يكن اعتباطًا، بل جاء ضمن حملة خُطط لها بليل، لكي يعد الصرب لارتكاب أبشع الجرائم دون أدنى شعور بالذنب فالمبررات لا تنقصهم، انطلقت من كل المنابر الدعائية، سواء في جمهورية صربيا أو في تجمعات الصرب داخل البوسنة وكرواتيا، شعارات تبشر «بانبعاث الصحوة الصربية بعد طول انتظار». مؤكدة أن ما يحدث هو مؤشر على «النهضة السياسية والروحية لأمة الصرب»، ومن هذه الشعارات: «فليتجمع كل الصرب تحت لواء واحد»، «فلتعودوا إلى كنيستكم الأرثوذوكسية».. «حيث يوجد الصرب فثمة صربيًا»، وهكذا.

دور الكنيسة الأرثوذوكسية:

كان لا بد للكنيسة من لعب دور يبدو في الظاهر منسجمًا مع تعاليم الإنجيل، وعلى رأسها الدعوة إلى التسامح، فجاء الالتفاف الماكر على التعاليم السامية على شكل شعار يقول: «نعم.. نسامح ولكن لا ننسى» إنه شعار، كما يقول البروفيسور نوحيتش ظاهره الإنسانية وباطنه الحقد والكراهية، شرعت الكنيسة الأرثوذوكسية بموجبه سياسة الانتقام، إذ تمكنت من إقناع الصرب، بما في ذلك نسبة كبيرة جدًا من المثقفين، بأن فترة التعايش السلمي التي قضاها الصرب مع المسلمين، والكروات كانت غير كافية لتكفير خطايا المسلمين لمسؤوليتهم عن هزيمة الصرب الأسطورية في كوسوفو على أيدي الأتراك، وكذلك تكفير خطايا الكروات لمسؤوليتهم عن المذابح المزعومة التي تعرض لها الصرب على أيدي «أوتاشا» في الحرب العالمية الثانية، وكلما تحدثوا عن التسامح أيقظوا نيران الفتنة، وانطلق مسعرهم يلهب المشاعر وينادي بالانتقام من «التحالف الإسلامي - الكاثوليكي التاريخي» ضد الأرثوذوكس.

وقد لعبت وسائل الإعلام المختلفة أدوارًا خطيرة في بث وتضخيم الدعاية الصادرة عن الكنيسة، وشهدت فترة ما قبل اندلاع الحرب مباشرة عرض ملاحم شعرية في الإذاعة والتلفاز، ونشر أدبيات قومية ألبست رداء الأرثوذوكسية في كل من صربيا والجبل الأسود، وإقليم فويفودينا، ولم تكتف الكنيسة بالدور الدعائي غير المباشر، بل عكفت بعد ذلك على عقد المهرجانات الجماهيرية التي كان يجمع لها الألوف من الصرب في كل موقع تقام فيه، ليذكروا بأمجادهم وبما كان يمكن أن يكونوا عليه لولا الأتراك، وكانت تعرض في تلك المحتشدات الملحمة الشعرية المسرحية التي تدور فصولها حول أسطورة كوسوفو والقيصر دوزان، لتخلص إلى التأكيد على حق الصرب وحدهم دون سواهم في امتلاك كل من الجبل الأسود، والبوسنة والهرسك ودالماتيا، ومقدونيا، وأجزاء من اليونان، كانت محطات الإذاعة والتلفاز تغطي المهرجانات بشكل مفصل معتبرة إياها «تعبيرًا عن تراث الشعب وعن نهضته الروحية».

دور الصحافة:

يعود دور وسائل الإعلام إلى السبعينيات إثر نشر روايتين في البوسنة والهرسك الأولى من تأليف «فويسلاف لوبرادا» بعنوان «كبوة الفخار» والثانية من تأليف «فوك دراشكوفيتش» بعنوان «السكين»، وعلى الرغم من أن الروايتين استهدفتا التعرض لأحداث الحرب العالمية الثانية ومعاناة الصرب في شرق البوسنة وشرق الهرسك، إلا أن الصياغة في كلتا الروايتين والتغطية الإعلامية لهما كانت توحي بأنهما وثيقتين دامغتين على تحمل البوشناق المسؤولية عن كل ما لاقاه الصرب من معاناة، وبينما كان نقاد الأدب في بلجراد يكيلون المديح للعملين الأدبيين، كانوا يتجاهلون الأبعاد السياسية والأيديولوجية لهما، وما يمكن أن يترتب من عواقب على ما يثيرانه من فتن، أما النقاد في سراييفو فلم ينكروا أدبية الروايتين، ولكنهم كانوا يحذرون من خطورة الإيحاءات المتضمنة فيهما، وإثر امتعاض عامة الناس في البوسنة والهرسك من الروايتين، اضطر المؤلفان إلى الهجرة إلى بلجراد، وهناك استقبلا استقبال الأبطال، واحتفت بهما وسائل الإعلام بكافة أشكالها ملقبة إياهما «بشهداء القومية الصربية»، و «بالمبعدين ظلمًا وعدوانًا» وكان الدور البارز في هذه المسرحية إعدادًا وإخراجًا لاتحاد كُتاب صربيا.

ثم ما لبثت الحملة - ضد البوسنة والهرسك كدولة وضد البوشناق كشعب- أن تصاعد أوارها بعد وفاة الرئيس اليوغسلافي السابق جوزيف بروز تيتو، وكانت أولى خطوات التصعيد تشكيل ما عرف بهيئة الدفاع عن كرامة الفنانين والكتّاب التي وصفت البوسنة والهرسك بأنها بيئة «محافظة» يضطهد فيها أهل الفن والفكر، وحذرت مما اعتبرته «عودة الظلامية العثمانية» إليها، وقد تبيّن بعد ذلك أن الحملة جاءت ثمرة لخطة مُحكمة هدفها إثبات أن أكبر خطر يهدد وجود الصرب هو «العالم الظلامي»، ويقصد به هنا المسلمون.

في البداية، أخذت بعض أهم المطبوعات الأسبوعية الصربية «مثل «نين»، «دوغا»، «أنترفيو»» على عاتقها مهمة إثبات أن وجود الصرب في البوسنة والهرسك بات مهددًا، ثم ما لبثت الصحيفة اليومية «بوليتيكا إكسبريس» أن انضمت إلى الحملة المناهضة للبوشناق مع محاولة الإبقاء على قدر من الموضوعية، وبعد انعقاد الجلسة الثامنة للجنة المركزية لرابطة الشيوعيين الصرب في ۱۹۸۷م، استلمت «بوليتيكا» راية الهجوم على البوشناق بشكل رسمي وسافِر، وتوالت المقالات والتحليلات بمناسبة وبغير مناسبة لترسخ فكرة أن الصرب في البوسنة والهرسك، وفي كرواتيا مهددون بالإبادة.

وفي معرض استقصائه لتطور الحملة، أورد البروفيسور نوحيتش قائمة طويلة من نماذج العناوين والمقالات التي كانت تنشرها الصحف والدوريات الصربية منذ ۱۹۸۷م، إلى أن بدأت حرب الإبادة في ۱۹۹۲م، وكلها تحرض على إزالة مصدر الخطر قبل أن يحيق الهلاك بالصرب، ويذكر نوحيتش أن هذه المطبوعات، التي كانت تصدر بشكل رئيسي في بلجراد، كانت تبيع كميات هائلة من نسخها في البوسنة والهرسك بشكل خاص، فنجحت في النفاذ إلى عقول وضمائر المواطنين الصرب، وفي تأهيلهم لريادة الدور المشبوه.

دور الإذاعة والتليفزيون:

في سنوات ما قبل الحرب، كان تليفزيون وإذاعة صربيا يرفعان راية مناهضة البوشناق عبر البرامج الوثائقية والتعليمية والإخبارية، ومن المثير للانتباه حسبما وَرَد في ورقة البروفيسور نوحيتش أن تليفزيون بلجراد كان في تلك الفترة ينتج سلسلة من البرامج الوثائقية والتعليمية والفنية التي كان يتوقع أن ترقى إلى مستوى حضاري يترفع عن تقديس الأساطير القومية، ويتحرر من سلطان الكنيسة الأرثوذوكسية، إلا أن العكس تمامًا هو الذي حصل، إذ تحولت سلسلة البرامج إلى مشاهدة مبتذلة لصراع الأمة الصربية مع العدو التركي الذي كان ولا يزال مهددًا لوجودها.

وتنطبق المواصفات نفسها على فيلم أعده التليفزيون على عجل وعرضه لخدمة الحملة السياسية والدعائية، وكان حول معركة كوسوفو، وخلاصة الرسالة التي قدمها الفيلم للمشاهدين حتمية إحياء إمبراطورية «دوسان» من جديد، أما البرامج التعليمية فكانت تركز في مجملها على التراث العربي والكنائس الأرثوذوكسية بما فيها من آثار ولوحات فنية تعود إلى العصور الوسطى، منبهة الصرب بأن الإسلام والمسلمين خطر عليهم وعلى مقدساتهم، ولا خيار لهم سوى إبادتهم، ولم يفت هذه البرامج تذكير المشاهدين كيف تسبب الأتراك في إتلاف وتدمير هذه المعالم المقدسة، وهنا تبرز صورة البوسنوي المسلم خليفة المسلم التركي في كونه عدوًا ظلاميًا.

ويذكر البروفيسور نوحيتش بأن البث الإذاعي والتليفزيوني لصربيا والجبل الأسود يصل لأجزاء كبيرة من مناطق البوسنة والهرسك، مما يُمَكّن الصرب من إيصال رسالتهم إلى أبناء ملّتهم، فالإذاعة مسموعة في كل البوسنة والهرسك، والتلفاز يغطي المناطق الشرقية والشمالية الشرقية، وزادت رقعة ما يغطيه البث التليفزيوني بعد أن ربط الصرب كل محطات تقوية البث التليفزيوني الموجودة في مناطق بوسنوية دخلوها عنوة وسيطروا عليها بمحطات بلجراد بشكل مباشر، وبذلك تمكنوا ليس فقط من توسيع دائرة البث الصربي، وإنما من تعطيل البث الصادر من سراييفو.

لقد أسهمت وسائل الإعلام والدعاية والترويج بكافة أشكالها في توليد الأحقاد وإقامة سدود منيعة بين شعوب البلقان، ولا يتصور عاقل إمكانية التوصل إلى حل نهائي وجذري للمشكلة دون أن تسكت الأبواق المغرضة وتتوقف عن بث السموم، وتحريف الحقائق، وتشويه الواقع، ولا يتوقع أن يحل السلام ويتحقق الوئام طالما ظلت الكنيسة الأرثوذوكسية ممعنة في خطتها لتجنيد كافة الصرب في حرب ضد المسلمين مهما كلف ذلك.

الرابط المختصر :