العنوان مؤتمر مدريد للأمن والتعاون الأوروبي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983
مشاهدات 64
نشر في العدد 634
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-أغسطس-1983
• المعسكران الشرقي والغربي يقران قضية الأمن الأوربي ويتركان أمن البحر المتوسط دون بحث.
• العلاقات بين أمريكا وروسيا وثيقة في الخفاء منذ عام 1928.
أعلن أخيرًا بأن مؤتمر مدريد للأمن والتعاون في أوروبا قد وصل إلى باب مسدود، وإن المفاوضات تلاقي نوعًا من التعثر منذ استئناف الجولة الأخيرة.
إلا أن الغريب في الأمر هو أن أزمة مؤتمر مدريد الحالية ليست نتيجة لخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي كما كان متوقعًا، بل إنها نتيجة لخلاف بين المعسكرين الشرقي والغربي من جهة، ودولة صغيرة في جزيرة بالبحر الأبيض المتوسط وهي مالطا من جهة ثانية، أما سبب الخلاف بين أعضاء المؤتمر ومالطا فإنه يتمحور حول إصرار هذه الأخيرة على بحث موضوع الأمن في البحر الأبيض المتوسط، وهو ما تجاهله المؤتمر تجاهلًا صريحًا.
ولقد تكثفت الاتصالات في محاولة للضغط على هذا البلد الصغير لكي يسحب اعتراضه على نتائج مدريد، وفي هذا السياق تقدم المؤتمر يوم (28/7/1983)، رسميًا بطلب إلى مالطا يدعوها للموافقة على البيان الختامي، إلا أنه أعلن بعد ذلك بأن هذه الأخيرة أصرت على موقفها وقررت عزمها على إجراء مشاورات مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وفي يوم الأربعاء (3/8/1983) تناقلت وكالات الأنباء تأكيدًا جديدًا على استمرارية الخيار المالطي في رغبة الحكومة إلى توجيه الدعوة لانعقاد مؤتمر دولي لبحث مسألة الأمن في البحر الأبيض المتوسط.
لقد وصل مؤتمر مدريد عند هذا الحد وهو يحمل في طياته أكثر من مغزى ... وإننا بقراءة بسيطة نستنتج بوضوح أن المؤتمر قد أسفر عن نتيجتين أساسيتين: النتيجة الأولى هي تجاوز المعسكرين الشرقي والغربي وعلى رأسهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي لخلافاتهما السابقة وحرصهما على إقرار الأمن في أوروبا وتقوية التعاون في مختلف المجالات، أما النتيجة الثانية فهي رفض المعسكرين -رفضًا باتًا- بحث مسألة الأمن في البحر الأبيض المتوسط.
بالنسبة للنتيجة الأولى فهي تثير نوعًا من الدهشة وذلك من زاويتين: الزاوية الأولى واقعة التقارب بين المعسكرين بالرغم من البون الموجود بين العقيدتين الرأسمالية والشيوعية، فالاستغراب من هذه الزاوية ينطبق كثيرًا على أولئك الماركسيين الذين ظلوا يؤمنون ويروجون لاستحالة التعايش بين الشرق والغرب، على أساس أن المواجهة بين العقيدتين تعتبر حتمية تاريخية لا يمكن الهروب منها تماشيًا مع قول كارل ماركس: «سيظل كل إصلاح... وهمًا «طوباويًا» إلى أن تتقاتل الثورة البروليتارية والردة الإقطاعية بالسلاح في حرب عالمية».
إننا إذ نقف اليوم أمام تجاوز الخلافات العقائدية، وإقرار الأمن والتعاون الأوربي يمكن أن نلاحظ بالرجوع شيئًا ما إلى الوراء أن التقارب بين المعسكرين كان شيئًا متوقعًا بل وكان ساري المفعول قبل اليوم، فالعلاقات السوفيتية والأمريكية- الغربية كانت وثيقة وحسنة منذ 1928 أي قبل اعتراف واشنطن بالنظام البلشفي.
وقد مهد لينين نفسه لهذا حين قال «لست أرى سببًا يحول دون أن تقيم دولة اشتراكية كدولتنا علاقات تجارية لا محدودة مع البلاد الرأسمالية».
فالتقارب الذي شهده مؤتمر مدريد ليس سوى لبنة جديدة تضاف إلى اللبنات السابقة.
أما الزاوية الثانية التي تثير الاستغراب بخصوص تجاوز الخلافات وإقرار الأمن والتعاون الأوربي فهي تنبع من أهمية هذه الخلافات، فأهم المشاكل التي كانت مطروحة أمام المؤتمر والتي عرقلت أشغال الجولات الأولى ابتداء من سنة 1980: التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان، الأزمة في بولندا، مفهوم وتطبيق حقوق الإنسان كما نص عليها بيان هلسنكي.
فهذه المشاكل الثلاث لا زالت معلقة، بل إنها شهدت تصعيدًا كبيرًا... فبخصوص التدخل في أفغانستان فإن رأي المعسكر الغربي بالرغم من احتجاجه مخالف لجوهر القضية ولوجهة النظر الإسلامية، وهذا شيء طبيعي لأن المعارضة الغربية ليست معارضة لأحداث أفغانستان في حد ذاتها وإنما هي معارضة دافعها الخوف من تكرر هذا الأسلوب السوفيتي في مناطق أخرى وبخاصة مناطق النفوذ الغربي ... إن تتبع أحداث أفغانستان وبالضبط منذ وصول الطلائع الأولى للمدرعات الحمراء إلى كابول وانتشارها في باقي المناطق تثبت أن الوجود السوفيتي ما فتأ يتزايد باستمرار، وأن الحرب ضد المجاهدين المسلمين قد انتقلت من ثوبها التكتيكي إلى حرب استنزاف وإبادة شاملة للمدن والقرى والتجمعات السكنية.
أما المشكلة البولندية فلم يطرأ عليها تغيير، فقد خضعت بالقسر لتسوية الجنرالات والأحكام العرفية، ويبدو أن الغرب قد خفف من لهجته في هذه الجولة الأخيرة لاجتماع مدريد، بحيث بدأ يهضم قرار العسكر بإلغاء الحريات النقابية.
أما بخصوص حقوق الإنسان فإن النقاش الذي عرفه مؤتمر بلغراد سنة 1978 بين الوفد الأمريكي والوفد السوفيتي حول مفهوم وضمان هذه الحقوق لم يكن حافزًا في تحريك همم البلدين على احترام هذه المبادئ، ولهذا السبب مر مؤتمر مدريد مرور الكرام على هذه المسألة، فهذه المشاكل وغيرها لم يكن من شأنها أن تعكر صفو مؤتمر مدريد، بل لقد كان الاتفاق حول تجاوزها حافزًا لدى المؤتمرين لكي يتفاءلوا في نجاح المؤتمر ولهذا السبب صرح رئيس الحكومة الإسبانية «فيلبي كونساليس» بعد دعوته لاستئناف المؤتمر بأن الحظوظ التي أصبحت متاحة، تبشر بإنجاح لقاء مدريد.
إن اتفاق المعسكرين الشرقي والغربي على تجاوز الخلافات وإقرار الأمن والتعاون بين البلدان الاشتراكية والرأسمالية يعتبر حسنة في حد ذاته، لكن يجب ألا ننسى كذلك بأن مسألة الأمن ليست مشكلة أوربية وحسب، بل هي مشكلة عالمية، وأكثر من ذلك فإن البلدان خارج أوربا في إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية هي أكثر المناطق عرضة للأخطار، وهي المناطق التي تعرف حاليًا تغلغلًا أمريكيًا سوفيتيًا على نطاق واسع، وتعتبر حقلًا لاختبار أسلحة الدولتين، فلماذا إذًا لا تبحث مشكلة الأمن على المستوى الدولي؟ فالتقارب الشرقي والغربي يجب ألا يكون على حساب باقي بلدان العالم، ولهذا السبب كان وما يزال كثير من المراقبين يبدون قلقهم الشديد للتقارب الأمريكي السوفيتي على أساس أن هذا التقارب لا يخرج عن كونه تنسيقًا ثنائيًّا لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ.
إن النتيجة الثانية التي نستخلصها من مؤتمر مدريد تفرز فهمًا عميقًا لهذا السلوك ... فرفض مؤتمر مدريد للخيار المالطي والداعي إلى بحث مسألة الأمن في البحر الأبيض المتوسط ليس له إلا تفسير واحد وهو اتفاق القوى المستكبرة من المعسكرين على تنفيذ المخططات الإجرامية بهذا الحوض. والأمر هنا موجه مباشرة للدول العربية، لأن الدول غير العربية المحاذية للبحر المتوسط كلها أعضاء في مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي، وبالتالي فهي تتمتع بالضمانات الكافية، فرفض بحث مسألة الأمن في هذا الحوض من طرف المعسكرين تثبت بدون شك مظاهر الاحتيال الشرقي والغربي ضد العالم العربي.
فمن المشاكل التي كان بالإمكان طرحها في حالة بحث مسألة الأمن في البحر الأبيض المتوسط المشكلة الفلسطينية اللبنانية بعد الغزو الصهيوني، ومشكلة التواجد العسكري الكثيف للبحرية الأمريكية والسوفيتية في المياه والشواطئ المتوسطة، فمن الواضح أن بحث المشكلة الفلسطينية اللبنانية في إطار موسع يندرج حتمًا ضد المخطط الأمريكي الذي يعرض على تسوية المشكلة حسب طريقته الخاصة وبمشيئته المنفردة، فليس من المعقول أن يقبل البيت الأبيض مناقشة الأمر خارج إطار السفارات المتنقلة، وتحت إشراف الدبلوماسية الأمريكية البارعة في تبرير أعمال العدوان الإسرائيلي، ولكن لماذا يرفض الاتحاد السوفيتي هو كذلك بحث مسألة الأمن في الحوض، وهو الذي تتدعي البلدان العربية إخلاصه ومساندته؟
ففي الموقف السوفيتي من الخيار المالطي تعبير واضح عما يجري في الخفاء وتخفيه الصدور.
من جهة أخرى فإن رفض الخيار المالطي من طرف المؤتمر هو تزكية صريحة للتواجد العسكري الأمريكي والسوفيتي في البحر الأبيض المتوسط، والذي بات يهدد بلدان المنطقة وخصوصًا البلدان العربية، العارية من أية ضمانات، والغارقة في الخلافات المفتعلة.
فبعد الحرب العالمية الثانية بقليل تمركز الأسطول السادس فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، ويتكون هذا الأسطول حاليًا من حاملتين للطائرات رسميتين و5 غواصات و82 سفينة حربية رئيسة، إضافة إلى عشرات سفن الدعم والإسناد، أما البحرية السوفيتية فتحتفظ بـ50 سفينة و85 غواصات و87 مدمرة وطرادة، إضافة إلى القوات المتواجدة في البحر الأسود والتي هي على أهبة الاستعداد لدخول البحر الأبيض المتوسط في كل وقت يصدر لها الأمر بذلك، وقوات البلدين ليست ثابتة، بل إنها في زيادة مستمرة خصوصًا في وقت الضرورة، أما بالنسبة للقواعد البحرية فإن القوات السوفيتية تتبع خطة الإقامة الطويلة في عرض البحر لتغطية النقص الحاصل في القواعد الشاطئية، بينما تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بقواعد مهمة على ضفاف الجناح الجنوبي للناتو خصوصًا في تركيا التي تأمركت بأسلوب هجمة العسكر، وهكذا تنتشر القواعد في إسكندرون ويوموتاليك وكارغابورون وسودها وهيراكيلون وسيغونيلا ولامادالينا.
إن الوضع في البحر الأبيض المتوسط متأزم للغاية وهو ليس إلا نموذجًا لما يجري في مناطق أخرى من العالم، فرفض بحث مسألة الأمن في البحر الأبيض المتوسط هو رفض لبحث الأمن في بقية مناطق العالم باستثناء أوربا وشمال أمريكا.
والعرب باعتبارهم المسؤولين المباشرين المتحملين لنتائج مدريد بإمكانهم أن يأخذوا أكثر من عبرة، فالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي ومن ورائهما الأتباع في الأوربيتين، يعزفون نغمة واحدة ومتفقون على مخطط واحد، فهذا التنسيق هو كاف لكي تراجع الدول العربية حساباتها وتصلح أخطاءها في مواجهة المخططات الإجرامية للقوى المستكبرة في الشرق والغرب.
إلا أن هذا الموقف العربي لا يمكن تحقيقه في ظل الظروف الراهنة المتمثلة في رسوخ جذور التبعية والأنظمة السياسية المختلفة، فهذه الأنظمة المستوردة هي السبب في كل الأزمات، فالخروج من هذه الأنظمة والرجوع إلى الإسلام يعتبر حلًا وحيدًا لمواجهة مخططات الشرق والغرب، فإذا كانت القومية العربية قد عجزت حتى الآن عن توحيد بلدين عربيين، فإن الإسلام قادر على جمع شتات البلدان العربية الإسلامية مع اختلاف الألوان واللغات، بل وقادر على جمع شتات بلدان العالم المستضعفة وتخليصها من الحلف الجديد للمعسكرين الشرقي والغربي ومن أنظمة الاستعلاء والعدوان والعنصرية. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 11-12) صدق الله العظيم، والعاقبة للمتقين ولا عدون إلا على الظالمين.