; المجتمع الثقافي (1355) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1355)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999

مشاهدات 59

نشر في العدد 1355

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 22-يونيو-1999

مؤسسوها يدعون إلى محاربة الالتزام ونبذ الثقافة العربية

حركة «تجمع شعر» الحداثية (1من 2)

  • الإنسان مخلوق معقد لا يمكن فهمه ولا توقع ما يؤول إليه تفكيره وسلوكه ومشاعره وتفاعله مع الطبيعة وظواهرها

  • المستشرف هو القارئ لمعطيات الماضي بهدف التحقق من حدوثها ونقدها بناء على معطيات الحاضر لأجل رسم صورة ذهنية للمستقبل

بقلم: ناصر يحيى

حركة «تجمع شعر» الحداثية، كانت موضوع دراسة للباحث اليمني محمد عبد الله المحجري، حصل بموجبها على درجة الماجستير، من جامعة العلوم والتكنولوجيا اليمنية بالاشتراك مع جامعة الجزيرة السودانية. 

وتعود أهمية «تجمع شعر» إلى كونها قد شكلت هزة للأدب العربي ومفاهيمه المعروفة.. وزاد من خطورتها البعد الشعوبي والسياسي الأفراد الحركة الذين أثاروا حولهم ضجيجًا إعلاميًا كبيرًا.. وتورطوا في مهاجمة الآخرين بلا هوادة، وسفهوا الواقع الأدبي، وتتصلوا من الماضي ودعوا إلى القطيعة معه. 

الدراسة تتضمن فصولًا عن نشأة «تجمع شعر» والظروف التي نشأت فيها.. بالإضافة إلى أدوار المؤسسين وخلفياتهم الفكرية والسياسية، كما تستعرض التطورات التي عاشتها الحركة خلال مرحلة نشاطها (٥٧ – ١٩٦٤م)، والتي انتهت بإعلان نهاية «تجمع شعر» وفشله في تحقيق أهدافه.. كما تفرد جزءًا خاصًا من أبرز أفكار الحركة في الأدب واللغة. 

ميلاد الحركة 

بعد الشاعر يوسف الخال (۱۹۱۷ – ۱۹۸۷م)، المؤسس الأول لحركة «تجمع شعر»، بعد عودته إلى لبنان من اغتراب طويل، حيث كان يعمل في منظمة الأمم المتحدة، وأعلن عام ١٩٥٧م عن إنشاء «تجمع شعر»، وأصدر مجلة «شعر» المعبرة عن الاتجاه الجديد، وتولى رئاسة تحريرها، ويبدو من خلال اسم المجلة أن «يوسف الخال» أراد أن يحاكي مجلة بالاسم نفسه لشاعر أمريكي يدعى «عزرًا باوند»، كان مؤيدًا لفاشية موسوليني، وشعره مليء بالإحالات والإشارات والتراكيب والأسماء المأخوذة من لغات مختلفة.. وهو ما ظهر بعد ذلك في إنتاج شعراء حركة «تجمع شعر». 

بدأ الخال نشاط حركته بإلقاء بيان شعري في الندوة اللبنانية، وعده «بيان الحداثة الأول»، هاجم فيه الوضعية الشعرية اللبنانية هجومًا عنيفًا وأثار البيان ردود فعل غاضبة ومناوئة. 

وبجانب يوسف الخال، كان هناك الشاعر علي أحمد سعيد إسير «أدونيس» الذي جاء هاربًا إلى بيروت عام ١٩٥٦م بعد نكبة الحزب السوري القومي، وإعدام زعيمه انطوان سعادة على خلفية اغتيال عدنان المالكي، وكان للقاء الخال مع أدونيس وإعجاب كل منهما بالآخر دور في تفاعل فكرة إنشاء «تجمع شعر»، وتولى أدونيس سكرتارية تحرير مجلة «شعر»، ثم انضم إليهما مجموعة من الشعراء، أبرزهم خليل حاوي، لكن أدونيس كان هو الأعمق تنظيرًا وكتابة للحركة. 

وسرعان ما توسعت أنشطة الحركة.. التي بدأت بملتقى أسبوعي عام –كل يوم خميس– في فندق بلازا، ثم في الجامعة الأمريكية ببيروت، قبل أن ينحصر اللقاء بأعضاء تجمع شعر، ومدعويهم في منزل يوسف الخال، كما أسست التجمع دارًا للنشر أصدرت عدة كتب ودواوين.. وشهدت الحركة مرحلة تفعيل بانضمام عدد من الشعراء والنقاد منهم: أنسي الحاج، أكثر الأعضاء تطرفًا في أتباع الحداثة، وخالدة سعيد التي تعد من المنظرين البارزين للتجمع، بالإضافة إلى جبرا إبراهيم جبرا، وشوقي أبي شقرا، وتوفيق صايغ ومحمد الماغوط، الذي ابتكر قصيدة النثر التي تبناها «تجمع شعر»، وعدها شكلًا وحيدًا للقصيدة الحديثة، واعتبرت التجديد الفني الوحيد لتجمع شعر.. وحاكاها كثيرون بعد ذلك. 

أهداف مشبوهة 

زعم مؤسسو حركة «تجمع شعر» أن أهدافهم فنية بحتة خالصة، وأن مجلتهم تهتم بالشعر والفن والإبداع والتجديد، وأنه ليس للمجلة من رسالة غير الفن.. وليس للفن من رسالة إلا ذاته. 

وحدد «تجمع شعر» أهدافه بالقضايا التالية:

 ۱– تأسيس مرحلة جديدة في الشعر العربي، وابتكار طرائق تعبير ومفاهيم لا هدف لها إلا الفن. 

2– إثراء التراث العربي بواسطة الترجمة وتقديم نماذج شعرية عالمية حديثة تغير من طريقة الشاعر العربي في الكتابة، وتوسع آفاق نظرته وتطوره! 

3– اعتبار أن مهمة العمل الفني –أو القصيدة- ليس تفسير وشرح العالم «الرؤية».. بل مهمته إعادة خلق العالم «الرؤيا». 

وفي سبيل تحقيق تلك الأهداف، عمد شعراء «تجمع شعر» إلى خلخلة المخزون الثقافي لدى القارئ العربي، وتغيير نوق الشاعر القائم على المعايير المعروفة.. ولذلك كانوا يحذون حذو النماذج الغربية للشعر للتبشير بأفكارهم والترويج لها. 

وخلال السنوات التي عاشتها حركة «تجمع شعر»، وجد المراقبون والمتابعون لها أن للتجمع مجموعة أخرى من الأهداف، اتضحت من خلال إنتاجهم النقدي التنظيري والفني، وهو الوضع الذي أثار عليهم موجات من العداء واللغط الفكري والسياسي، ووضعهم في دائرة مشبوهة مليئة بعلامات الاستفهام حول دوافع تأسيس «تجمع شعر» وخلفياته السياسية والفكرية. 

وقد لاحظ المراقبون أن «تجمع شعر» قد تبنى أهدافًا غير مباشرة هي الأشد خطورة والأكثر استفزازًا للآخرين.. تحت ستار التحرر من الآثار السياسية.. والتحرر من القيود الخفية التي تكبل انطلاق الشعر العربي وحريته في ارتياد آفاق الإبداع، ومن تلك الأهداف الخفية رصد المراقبون والمتابعون للحركة ما يلي:

 ۱– رفض الثقافة العربية السائدة.. وهو ما عبر عنه «أدونيس» في دراسة قدمها لمؤتمر الأدب العربي المعاصر المنعقد في (١٦ – ٢٢ أكتوبر ١٩٦١م) بروما.. حيث قال: «إن تحرر الشاعر العربي من قيم الثبات في الشعر واللغة يستلزم تحرره –أيضًا-   من هذه القيم في الثقافة العربية كلها...»، وفي مكان آخر يصف الثقافة العربية جوهرها: ثقافة دينية، وعالم مغلق، وفي السياق نفسه، يصف «أنسي الحاج» الثقافة العربية في مقدمة ديوانه «لن» بـ «هدم سد الألف عام» و «هذه القوافل التي تعيش لتتوارث الانحطاط» و«سلطان التراث الطويل» و«العالم الميت».

 ٢– محاربة الالتزام والواقعية: فالالتزام عند «يوسف الخال» مفهوم معتقدي يكبح الطبيعة الطليقة للشاعر فـ«مجرد أن يكون الشاعر صاحب رسالة ينفي عنه كونه شاعرًا، ووصف الالتزام بأن له تأثير مضر بالفن ومشوه لحقيقته».

٣– وفي مقابل ما سبق ذكره، لاحظ بعض الناقدين للحركة أن شعراءها يدعون -ضمنيًا– إلى ما كانوا يؤمنون به من أفكار منبثقة عن انتمائهم السياسي للحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي انتمى إليه أبرز رواد «تجمع شعر» مثل: «يوسف الخال» و«أدونيس» و«الماغوط» وآخرون من الذين التجؤوا إلى لبنان خوفًا من بطش السلطات السورية. 

٤- وكما كان رواد «تجمع شعر» ينتمون إلى أقلية سياسية، فقد كانوا –كذلك– ينتمون إلى أقليات دينية.. ويتهمهم الناقد «منير العكش» بالتأثر بالأفكار الإنجيلية النصرانية «وبأن أدباء هذه الحركة ونقادها يرسخون حركة التوصيل الإنجيلية على أربعة أشكال:

 أ– استعارة الألفاظ الإنجليزية.

 ب– استعارة أسلوب الترجمة الإنجيلية.

 ج– إفراغ اللغة العربية من مدلولاتها المعروفة وإعادة شحنها بمدلولات إنجيلية. 

د- اتهام كل من يخالف حركة «شعر» بالتقعر والحذلقة. 

والحقيقة أنه على الرغم أن حركة «تجمع شعر» قوبلت بعداء، إلا أنها أثرت في الواقع الأدبي بسبب جموده وفراغه فكانت أشبه بقنبلة صوتية لفتت انتباه الكثيرين بكلامها عن الواقع الآسن المريض وواقع الإنسان العربي المحطم.. وقد ساعدها على ذلك امتلاكها قدرة إعلامية «ندوة أسبوعية، دار نشر مجلة شعر، مجلة أدب». 

أما على المستوى الإبداعي فلم تقدم حركة تجمع شعر شيئًا ذا بال، باستثناء «قصيدة النثر» لمحمد الماغوط، وبرز إنتاجها في مجال النقد والتنظير، وأثرت في حركة الحداثة العربية، وأسست لنظرة ومفاهيم جديدة أصروا على تقديمها تجاوزًا مطلقًا لكل شيء سابق. 

في الحلقة القادمة نسلط الضوء على مؤسسي الحركة وأفكارهم.

 

منابر إعلامية إسلامية جديدة في أوروبا

باريس: د. محمد الغمقي

صدرت في فترة واحدة تقريبًا عناوين جديدة لمنابر إعلامية ذات توجه إسلامي. 

ففي فرنسا، صدرت مجلتان جديدتان: «المدينة» و«رؤى».

«المدينة»: تصدر عن شركة بالاسم نفسه أساسًا باللغة الفرنسية مع بعض المواضيع بالعربية والإنجليزية والإيطالية، يرأسها السيد حكيم الغيساسي، وكان ملف العدد حول المسجد في المدينة إلى جانب تحليل الانتخاب ممثلي المسلمين في بلجيكا واستطلاع عن طاجيكستان ومقالات في محور التبادل بين المسلمين وغيرهم منها مقال الدورة حول الإسلام والعلمانية الفرنسية. 

«رؤى»: وهي مجلة فكرية ثقافية تصدر كل شهرين عن مركز دراسات الثقافة العربية بباريس، يدير تحريرها.. محمد المستيري، متخصص في الأصول والفلسفة الإسلامية، وقد صدر منها عددان. 

وخارج فرنسا، صدرت «مراصد» في بريطانيا و«الأوروبية» في إيطاليا. 

«مراصد» تصدر في بريطانيا عن «مركز دراسات الإسلام والعالم»، وهي استمرار لتجربة «قراءات سياسية»، وهي مجلة أكاديمية فصلية باللغة العربية تختص بدراسات الإسلام والمنطقة العربية، ويدير تحريرها بشير موسى نافع، ومازن النجار، ولطفي بن رمضان، وجاء في التعريف بهذا المشروع، أن مراصد تلحظ المتغيرات الواسعة التي شهدتها جغرافية الإسلام في القرن العشرين، وترى بالتالي أن عالم الإسلام لا يقتصر على الوجود الجغرافي الإسلامي التاريخي في آسيا وإفريقيا، وأوروبا الشرقية، بل يتسع ليطول الوجود الإسلامي أينما كان في العالم. 

«الأوروبية» تصدر عن مكتب الإعلام التابع لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وهي مشروع مكمل للمنبر السابق للاتحاد «صوت أوروبا» ويرأس تحريرها د. على أبو شويمة، وجاء في كلمة تحرير العدد الجديد لمجلة «الأوروبية»: نريد صفحاتها جسرًا على طريق التواصل الحضاري، ورسم مستقبل من التعاون والود بين الغرب والشرق تكون الأقليات الإسلامية على الساحة الأوروبية إحدى دعاماته الأساسية. 

وتنم هذه الديناميكية الإعلامية الجديدة عن حركة وعي بأهمية دور الإعلام في التبشير برسالة الإسلام داخل المجتمع الغربي الأوروبي، حيث أصبح المسلمون جزءًا من مكونات المجتمع.

 

أحِبُّ الرَّسُولَ 

شعر: محمود خليل 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ 

 وأُشهِدُ ربيِّ على ما أقول

 أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ 

 

أحِبُّ النَّبيَّ الشُّجَاعَ الكَرِيم

 ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: ٤)

 وبالمؤمنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

وفي حبك الحق بابُ القبول

أحِبُّ الرَّسُولَ... أحِبُّ الرَّسُولَ

 

أحِبُّ الرَّسُولَ الذي جاءنا 

بأنوارهِ الخالداتِ السنا 

وشرعٌ يضمُ المنى والهنا 

ينيرُ القلوبَ ويهدي العقول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ

 

أحِبُّ النَّبيَّ أتى بالكتاب 

بأحكامهِ جاءَ فصلُ الخطاب 

وتشريعهُ النور في كل باب 

نزول وآياته لا تزول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ 

 

أحِبُّ الحبيبَ ضياء سرى 

إلى الكونِ منْ جوف أم القرى 

فأحيا به اللهُ موتَ الورىَ 

وسبح منه الحصىَ والطلُول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ

 

أحِبُّ النَّبيَّ بسيفِ الجهاد 

وبالمؤمنينَ الهداة الشداد 

يطيرونَ لله في كلِ واد 

بمتنِ الرياحِ.. وومض الخيول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ

 

أحِبُّ النَّبيَّ اليتيم العفيف 

بفضلِ الإلهِ الكريم اللطيف 

أعزَّ اليتامى بظلٍ وريف 

مدى الدهرِ يغمرهم لا يحول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ

 

أحِبُّ الرَّسُولَ وأصحابِهِ 

وأتباعه ثم أحبابه 

وبالله والحق أضحى يجول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ

 

أحِبُّ النَّبيَّ إذا الكون نام 

إذ الليلُ يغشاهُ ستر الظلام 

فيحييه نورُ الهدى والسلام 

بفيض.. يعم الذرا والسهول 

 

أحِبُّ الرَّسُولَ بإسرائه 

ومعراجه عند عليائه 

عدا قاب قوسين من ربه 

دنا فتدلى له بالوصول 

أحِبُّ الرَّسُولَ.. أحِبُّ الرَّسُولَ

 

مؤتمر الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة

القاهرة: المجتمع 

تقيم رابطة الجامعات الإسلامية بالاشتراك مع رابطة الأدب الإسلامي العالمية وجامعة الأزهر في الفترة من (٢٦ – ٢٨) يونيو ۱۹۹۹م «مؤتمر الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة»... يتناول التطور التاريخي لارتباط الأدب الإسلامي بالدعوة، وأساليب استغلال الدور الشديد الأهمية الذي تلعبه وسائل الإعلام الحديثة، بتقنياتها المتقدمة، وإمكاناتها الهائلة في خدمة الدعوة الإسلامية بشتى الوسائل الفنية من خلال فنون الأدب المختلفة، من شعر وقصة ومسرحية، وأدب للأطفال، لتقديم الدعوة من خلال فنون متطورة ذات فاعلية خاصة، كما ستتناول بحوث المؤتمر مدى الملاحة الشرعية لهذه الفنون والأساليب التعبيرية عبر وسائل الإعلام الحديثة لوضع الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة المعاصرة عبر هذه الصيغ الحديثة كالمسلسلات التلفازية والتمثيليات الإذاعية والأفلام السينمائية.

تهافت الاستشراف العلماني وفضائحه

الاستشراف هو قراءة لمستقبل البيئة التي تمثل الوسط الذي يعيش فيه الإنسان

بقلم: محمود الكسواني 

الاستشراف بمفهومه العام هو مشاهدة المستقبل بمنظار الماضي والحاضر، ويتعلق دائمًا بنوعين من المشاهدات، أحدهما مشاهدة المستقبل الإنساني الحضاري، والآخر مشاهدة المستقبل الطبيعي «البيوفيزيائي». 

والاستشراف بنوعية الحضاري والطبيعي، هو قراءة لمستقبل البيئة التي تمثل الوسط أو المجال المكاني الذي يعيش فيه الإنسان. 

ولإجراء تحقيق لما يجري حول هذا الموضوع، لا بُدَّ من تمهيد مبسط يلقي الضوء على مفهوم البيئة وأنواعها، ثم الانتقال بروية نحو الممارسات الاستشرافية وبخاصة العلمانية منها «اللادينية: وليس العلمية»، ثم نعرج إلى بعض المفاهيم الإسلامية التي قد تصلح أن تكون بديلًا للاستشراف.

الاستشراف بصفته تطلع بهدف مشاهدة ما سوف يكون، هو فعل عقلي لا مجال له سوى المحسوس، أو الواقع، ذلك أن العقل البشري عمله محدود ضمن المحسوس فقط، وهو هنا المخلوقات جميعها، أو ما تدل عليه تلك المخلوقات المحسوسة، كاستدلالنا من خلالها على وجود خالقها سبحانه. 

وعليه فإن الواقع هو بعينه البيئة وما تدل عليه، إذ إن علماء البيئة يعرفونها بأنها «...كل العناصر الطبيعية والحياتية التي توجد حول وعلى وداخل سطح الأرض...» «مفاهيم أساسية في العلوم والرياضيات د. عطية محمد عطية وآخرون، ص دار الفكر– الأردن ۱۹۹۱م». 

وبمفهوم القرآن الكريم يمكن تعريف البيئة بأنها: «الإنسان وما سخر له ليعيش في أمن وتوازن ورفاهية تعينه على تحقيق ذاته وأداء الشكر «العبودية» لخالقه: قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل: ١٢)، وتأمل كيف ورد ذكر العقل في نهاية الآية، وهذا دليل لا لبس فيه على أن البيئة «الواقع المحسوس» هي مجال العقل، والطريقة الوحيدة للاستدلال على الخالق سبحانه. 

ولمزيد من البيان فإن علماء البيئة يقسمونها إلى قسمين: «بشرية حضارية» و«طبيعية بيوفيزيائية». ويقصدون بالطبيعة كل ما يحيط الإنسان من ظواهر حية «بيولوجية» وغير حية «جيولوجية»، ولا دخل للإنسان في وجودها ووجود ظواهرها لأنها ليست أصلًا من صنع الإنسان، بل إن وجوده وحركته متوقفان على وجودها وحركتها المتوازنة التي إذا اختلت اختل تبعًا لها الإنسان وتهدد وجوده، وتتمثل تلك المعطيات البيئية في التضاريس والمناخ والنباتات الطبيعية والحيوانات والتربة وأجهزة الإنسان العضوية «التنفس الهضم، حركة الدم... إلخ». 

ويبدو لأوَّل وهلة أن تلك المعطيات منفصلة عن بعضها البعض إلا أنها كما يشير المتخصصون: «ليست كذلك قطعًا في واقعها الوظيفي، فهي حركة ذاتية دائبة من ناحية، وحركة توافقية مع بعضها البعض ضمن نظام معين من ناحية أخرى فيما يسمى بالنظام البيئي» «المصدر السابق. ص ۷». 

أما البيئة البشرية الحضارية، فهي الإنسان وإنجازاته التي أوجدها داخل بيئته الطبيعية، بحيث أصبحت هذه المعطيات البشرية والحضارية المتباينة، مجالًا لتقسيم البيئة البشرية إلى أنماط وأنواع مختلفة، ذلك أن الإنسان كظاهرة بشرية: «يتفاوت من بيئة إلى أخرى من حيث عدده وكثافته وسلالاته ودرجة تحضره وتفوقه العلمي «حجم إنجازاته» مما يؤدي إلى تباين البيئات البشرية»، (المصدر السابق نفسه ص٨). 

ولا يكتفي علماء البيئة وباحثوها بذلك، بل يقسمون البيئة البشرية الحضارية إلى قسمين: بيئة اجتماعية تتعلق بالأفراد والجماعات الإنسانية في تفاعلهم وعلاقاتهم الاجتماعية وأنماط تنظيماتهم، وبيئة ثقافية تتعلق بإنجازات الإنسان الذي استطاع بما يملك من قدرات هائلة أن يصنع لنفسه بيئة مغايرة للبيئة الطبيعية فأثار الأرض وعمرها بعد أن كانت لوحة طبيعية خالية من آثار البشرية وابتكاراتها الهائلة، وأستطاع أن يطوع الطبيعة لصالحه وصالح ذريته بما أوتي من قدرات وطاقات. «... وتشمل البيئة الثقافية جميع جوانب المعرفة والعقائد والفنون والقوانين والتنظيمات والأعراف والعادات المكتسبة وغيرها..» «حسن الفقي: الثقافة والتربية ص ٢ دار المعارف بمصر، القاهرة ۱۹۷۷م». 

وبناءً على ما تقدم، لا يعنينا بأي شكل من الأشكال «الاستشراف الطبيعي البيوفيزيائي» فيما نحن بصدده، ذلك أنه ينصب على مشاهدات فيزيائية محكومة بأنظمة ثابتة لا تتبدل: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠)، إذًا نادرًا ما يخطئ الباحثون فيها، وبخاصة إذا بنيت استنتاجاتهم الطبيعية على أساس علمي سليم خال من التحفظات، إنما يعنينا ذلك الاستشراف الإنساني الحضاري الذي يهدف إلى مشاهدة مستقبل البيئة البشرية بشقيها الاجتماعي والثقافي، وهي مشاهدات شهدت وما زالت تشهد فضائح هائلة ويتهافت المحللون والمستشرفون خلالها تهافتًا واضحًا ومتكررًا، فلماذا أخفق هؤلاء في توقعاتهم وقراءاتهم للمستقبل الحضاري؟ 

 

ظاهرة بشرية لا جهاز بيولوجي 

أصعب ما يواجهه الباحثون المعاصرون، وبخاصة اللادينيون منهم في دراساتهم الإنسانية والاجتماعية، انشغالهم المتواصل ومحاولاتهم المضنية في الإجابة عن السؤال الذي لا يمكن التهرب منه: ماذا يمكن أن يحدث؟ أو ماذا يتوقع أن يؤول الأمر إليه؟. وطفقوا يقيسون الإنسان الفاعل المختار بالمخلوقات الصماء التي لا تحكمها أفعال إرادية، ولم يدركوا أنهم يتعاملون مع مخلوق حي فاعل ومؤثر في الطبيعة التي قاسوه عليها فوقعوا في إرهاصات وتخبطات عديدة. 

الإنسان «الحي» باعتباره ظاهرة بشرية لا يمكن أن يطول حقيقته «عالمه النفسي» مشرط الجراح أو ميكروسكوب البيولوجي، لأنه مخلوق معقد لا يمكن فهمه، ولا يمكن توقع ما يؤول إليه تفكيره وسلوكه ومشاعره وتفاعله مع الطبيعة وظواهرها، «أنظر ما توصل إليه صاحب كتاب: الإنسان ذلك المجهول»، لأجل ذلك تبنى الفكر الموضوعي المعاصر في معظم أبحاثه نفي وجود ما يسمى علم النفس والاجتماع لأن ثوابت العلوم لا تفلح مع كائنات متقلبة: «بعد أن خدع دعاة العلمانية والمادية المسلمين.. بأن ما تقوله الفلسفات في مجال الأخلاق والاجتماع والنفس هو من العلم الذي يمثل الحقيقة أنهار ذلك كله بعد أن كشف العلماء المنصفون أن الفلسفة والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع ليست علومًا بالمعنى الحقيقي، قال سوليفان في كتابه –حدود العلم-: «إن علم النفس لا يمكن اعتباره علمًا حتى الآن، والمعارف الأخرى مثل علم الاجتماع والاقتصاد.. من النواحي التي لا تعتبر مرضية من وجهة النظر العلمي. «ذلك أن العلم أقوى ما يكون عليه عندما يتناول العالم المادي، أما مقولاته في الموضوعات الأخرى فتعتبر نسبيًا ضعيفة ومتلجلجة». 

فالعلوم الاجتماعية الحديثة معتمدة شطرًا من الحقيقة وهو المحسوس الكميِّ مفضية عن الشطر الآخر غير المحسوس» (الجندي. أنور. ص ۱۸۱ الفكر الغربي دراسة نقدية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –الكويت– ۱۹۸۷م). 

ومن الأدلة التي تساق عند الباحثين المنصفين لإثبات صحة ما تبنوه من آراء ذلك الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفييتي، وسقوط حكم الشاه في إيران، فمن كان يتوقع أن شعب إيران يمكن أن يتحول من حالة السكون إلى سيل جارف جذري التغيير! ويستدل بعضهم أيضًا بقيام كيان لليهود مشردي أوروبا، على أرض فلسطين، فقد كان الأمر غير متصور لأي أوروبي مسيحي بأن هؤلاء المشردين يمكن أن يكون لهم كيان يجمعهم وأي كيان لم يتصوره أي مستشرف سوى صاحب الفكرة هرتزل، وكان تصوره حلمًا حتى بالنسبة له، أما عصرنا القريب: ومن كان يتوقع زيارة السادات للقدس تحت ظلال دولة يهود؟ ومن كان يتوقع أن تضيء نجمة يهود في سماء بعض الدول العربية ثم يذهب اللاجئ الفلسطيني إلى مبنى السفارة العبرية طالبًا من عدوه الحصول على تأشيرة دخول إلى حقله وبيته ومسقط رأسه؟! بل من كان يتوقع أن تستقبل عصابات الأرجون والهاجاناه الفدائيين الفلسطينيين وتمنحهم حق التسلط المحدود على جزء من أرض الميعاد ومن كان يتوقع ما يحدث في الجزائر بلد المليون شهيد؟ ومن كان يتوقع أن يتحول طلاب العلم الشرعي الأفغان إلى جيش منظم؟ ومن كان يتوقع تفكك يوغسلافيا إلى دول متناحرة؟ 

فأي علم النفس والاجتماع يمكن الركون إلى نتائجه والاطمئنان إليها؟، وهل يمكن لأي دراسة إنسانية، مهما أنفق عليها من أموال وجهود وأوقات أن تتوقع ما سوف يحصل بعد عقد من الزمن ويقصد بالعقد أقل مدة زمنية يمكن أن يحدث في ربعها الأخير تحولات جذرية. 

«إن الإنسان هو العنصر الوحيد بين جميع الموجودات القادر على إحداث المفاجآت»، ولكن الأمر دائمًا ليس سهلًا كما يعتقد ذلك أن السلطة أي سلطة كانت التي صنعها الإنسان نفسه، تحاول باستمرار منع حدوث تلك المفاجآت، وهذا حال جميع السلطات بغض النظر عن انتماءاتها العرقية ومقدرتها على تلاشي حدوث شيء، ولكن الملاحظ أن السلطة في الدول المتقدمة دون غيرها باتت تدرك أنها قد لا تستطيع منع المفاجأة أن تحدث، فاختارت تكتيكًا معينًا يؤجل حدوثها، أو يعمل على إعاقتها، أو توجيه مسارها والحد من تأثيراتها بعكس السلطات القائمة في الدولة المتخلفة مدنيًا «صناعيًا واقتصاديًا»، فإنها مازالت تعاكس التيار وتغالط الحقيقة وتنتهج نهجًا عنيفًا بمطاردة نورها كمن يطعن خنجره في وجه الريح. 

أما قصة الاستشراف العلماني المعاصر، فهي مدعاة للسخرية بعد أن نكس عرافوها في كل ما توقعوه، ونتائج أبحاثهم تشهد أنهم تحولوا من مستشرفين يشار إليهم بالبنان، وإلى توقعاتهم بالاحترام، أصبحوا أمام المفاجآت الإنسانية، عرضة للسخرية مع أن أسماءهم تلمع كالنجوم في سماء الإعلام المعاصر. 

إن المدرسة العقلية المنصفة التي تعتبر الإنسان إنسانًا لا مجرد جهاز عضوي، فخ الباحثين اللادينيين. 

الحدث بين المؤرخ والمستشرف 

يحاول المؤرخ دائمًا نقل الحدث الممكن أن يكون قد وقع والتعليق عليه بهدف إثبات إمكان حدوثه أو العكس، فالمؤرخ يعرض الحدث في تسلسل زمني وترابط منطقي لا يخلو من الانحياز بهدف فهم ما حدث في الماضي لإدراك أو تبرير ما يحدث في الحاضر، ولا يعنيه المستقبل بأي شكل من الأشكال، لا توقعًا ولا تخطيطًا. 

أما المستشرف فهو باختصار ناقد للماضي والحاضر وتهدف دراسته لهما إلى رسم صورة للمستقبل، كما توحي له قراءته للماضي والحاضر، وعليه يجب أن يكون حياديًا لأقصى الحدود حتى ينقل صورة موضوعية لما يمكن أن يحدث، ففي حين قد نرى تزييفًا واضحًا عند المؤرخ تعليه عليه آراؤه الخاصة وأهواؤه وتعصبه لفئة ضد فئة أخرى، نجد المستشرف حياديًا وموضوعيًا لأقصى الدرجات، فلا تتحكم فيه سوى معلوماته التاريخية التي درسها ونقدها وانطلق من خلالها لقراءة المستقبل، لهذا قيل كل مستشرف مؤرخ وليس كل مؤرخ مستشرف. 

وبناء عليه، يمكن تعريف المستشرف بأنه القارئ لمعطيات الماضي بهدف التحقق من حدوثها «الممكن الواقعي» ونقدها بناء على معطيات الحاضر وما تراكم فيه من معارف ومعلومات لأجل رسم صورة ذهنية «الممكن التصوري» للمستقبل ومحاولة إحداث تغيير يمنع حدوث أمر ما لا ترغب به الجماعة أو السلطة التي ينتمي إليها، وكان الجماعة التي ينتمي إليها ذلك المستشرف أو السلطة التي يخضع لها، انتدبته من أجل قراءة المستقبل حتى تتلافى حدوث الكارثة التي توقعها ذلك المستشرف فلا بُدَّ أن يكون حياديًا وموضوعيًا، وإلا كان مخادعًا لجماعته وخائنًا لسلطته فيرسم لها صورة مزيفة ويلقي ببرامجها الوقائية إلى التهلكة. 

فالمستشرف الاجتماعي الحضاري في عصرنا الحالي يقوم بدور «عراف الملك أو منجم المملكة» في العصور الغابرة، حين كان الملوك آنذاك ينفقون على العرافين الذهب ونوادر الجواهر من أجل قراءة الطالع، ثم يقوم الملك وبطانته بإجراء الاحتياطات اللازمة لمنع حدوث الكارثة التي توقعها المنجم. 

والفرق بين عراف القرن الحادي والعشرين وعراف العصور الغابرة، هو العلم والمعرفة التي نالها الجيل المعاصر من المستشرفين، بينما اقتصر عرافو القرون الغابرة على علم النجوم والكواكب وخدعة استراق السمع.. 

يتبع في العدد القادم.

الرابط المختصر :