العنوان مئذنة عثمانية في كنيسة أوكرانية
الكاتب سالم صالح القرمي
تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016
مشاهدات 66
نشر في العدد 2097
نشر في الصفحة 48
الجمعة 01-يوليو-2016
كانت مئذنة لمسجد السلطان الذي حوَّلوه لكنيسة.. وهي شاهد حي على الإبداع المعماري لدى المسلمين
دائرية الشكل مبنية من الحجارة يربطها ملاط وسبائك من الحديد والرصاص وفي داخلها سلّم حلزوني به 136 درجة
لا يقتصر تاريخ الوجود الإسلامي في الأراضي الأوكرانية على شرق البلاد وجنوبها، بل هناك دلائل كثيرة على وجود تجمعات للمسلمين في وسط وغرب البلاد.
وحديثنا سيكون عن إحدى أهم الحواضر الإسلامية العثمانية في الجنوب الغربي الأوكراني أواخر القرن السابع عشر الميلادي.
مدينة «كامينتس - بودلسكي» من أقدم المدن الأوكرانية - التي لا تزال موجودة حتى الآن - أول ذكر لها في التاريخ كان في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.
تقع مدينة «كامينتس - بودلسكي» في مقاطعة خملنيتسك، جنوب غربي أوكرانيا، تبعد 100 كم عن جنوب مركز المقاطعة، مدينة جميلة ساحرة تحيط بها الغابات، ويلفها نهر جميل يسمى «سموتريش»، عدد سكانها اليوم يناهز 100 ألف نسمة.
يذكر المؤرخون أن المدينة كانت إحدى محطات طريق الحرير الذي ربط أقصى آسيا بأوروبا.
في القرنين الثاني والثالث عشر الميلاديين تعرضت المدينة لعدة هجمات من المغول التتار القادمين من الشرق، والذين احتلوها عام 1240م، ودخلت المدينة في حكم الخان المغولي المسلم «بركة بن جوجي بن جنكيز خان» (حكم من عام 1257 - 1266م)، ولكن الأمير الليتواني «أولكيرد» (توفي عام 1377م) استرد المدينة من المغول عام 1362م.
خلال الحرب البولندية التركية (1672 - 1676م) دخل الجيش العثماني مدينة «كامينتس - بودلسكي» تحديداً في 27 أغسطس من عام 1672م في عهد السلطان محمد الرابع (حكم من عام 1642 - 1687م) بعد حصار للمدينة دام ثمانية أيام، وقد زارها السلطان محتفلاً بالنصر في 3 سبتمبر من نفس العام.
ودخل المدينة حوالي 150 ألف جندي تركي، وحسب الروايات الأوكرانية كان ضمن الجيش قوات من تتار القرم أيضاً.
وتخلّى الكومنولث البولندي الليتواني عن المدينة رسمياً بعد توقيع اتفاقية «بوتشاش» بتاريخ 18 أكتوبر عام 1672م مع الدولة العثمانية.
ازدهرت المدينة في العهد العثماني، وخضعت لعملية كبيرة من الإصلاح والإعمار، شملت قلعتها وشوارعها وبيوتها ومدارسها، وأصبحت مركز ولاية بوداليا العثمانية والتي شملت أجزاء من مقاطعات ما يسمى اليوم: فينيتسا، خملنيتسك، تيرنوبل، تشيرنفتسي، إيفان فرانكوفسك، زاكارباتيا، لفوف.
انسحب العثمانيون من مدينة «كامينتس - بودلسكي» في أكتوبر من عام 1699م بعد توقيع معاهدة «كارلوفيتس» في 26 يناير 1699م، والتي أنهت الحرب العثمانية النمساوية (1683 - 1698م)، وكان هذا في عهد السلطان مصطفى الثاني (1695 - 1703م).
وبذلك دخلت المدينة تحت حكم الكومنولث البولندي الليتواني بعد أن حكمها الأتراك 27 عاماً، وقد رجع مسلمو المدينة من الأتراك إلى تركيا.
ويذكر أن ولاية بوداليا التي تقع فيها «كامينتس - بودلسكي» هي أبعد نقطة وصل إليها العثمانيون في أوروبا من جهة الشمال.
ضُمّت المدينة إلى روسيا القيصرية عام 1793م.
العهد العثماني
تقع في وسط المدينة كاتدرائية القديسين «بطرس»، و«بولوس»، وهي تتبع الكنيسة الكاثوليكية الأوكرانية، ويشير بعض الباحثين إلى أن تاريخ بنائها يعود إلى ما بين 1502 - 1517م، ومنهم من يُرجع بنائها إلى عام 1375م.
في عام 1672م حوَّل الأتراك الكنيسة إلى مسجد - حسب الروايات الأوكرانية - وذكر بعض المؤرخين أن المسلمين سمّوه مسجد السلطان، وبنيت له مئذنة لاتزال قائمة إلى يومنا هذا، وذلك في الجهة الغربية من المبنى على يسار المدخل الرئيس، وبقي المبنى مسجداً إلى عام 1699م عندما غادر المسلمون المدينة.
وتذكر المصادر التاريخية أنه كان ملحقاً بالمسجد في مدينة «كامينتس - بودلسكي» مبنى آخر هو مدرسة بناها العثمانيون لتعليم الأطفال، وكانت إحدى ثلاث مدارس في المدينة.
وبجانب المسجد، كانت هناك أيضاً مقبرة إسلامية لدفن موتى المسلمين في المدينة.
وقد بنى الأتراك جسراً حجرياً يربط المدينة بقلعتها القديمة، مازال موجوداً حتى الآن، ويطلق عليه اليوم «الشارع التركي».
وتشير كتابات المؤرخين في ذلك العهد إلى أن المدينة كانت تُحرس بـ200 مدفع عثماني، وضعت على القلعة المطلة على المدينة، وبهذا كانت المدينة من أقوى الحصون العثمانية.
ورمّم العثمانيون قلعة المدينة الرئيسة - والتي لا تزال حتى الآن - وحوَّلوا بعض أبراجها من الشكل الخماسي إلى الدائري.
وما تزال آثار قلعة عثمانية أخرى موجودة إلى اليوم، وتسمى «القلعة التركية»، وتهدَّم جزء كبير منها، وبقيت واجهتها ذات الأبواب الحجرية الأربعة على شكل أقواس كبيرة.
المئذنة الحزينة
ويذكر عدة مؤرخين أوكران أن العثمانيين بنوا في المدينة وما حولها 9 مساجد.
ولا تزال حتى الآن مئذنة مسجد السلطان قائمة في مدينة «كامينتس - بودلسكي» في الواجهة الغربية من الكنيسة الحالية، وهي شاهد حي على الإبداع المعماري لدى المسلمين، ترتفع شامخة بين بيوت الحي القديم في المدينة، وتسمى الآن المنارة التركية، والشارع الذي تقع فيه الكنيسة يسمى «الشارع التتري».
المئذنة الأنيقة دائرية الشكل مبنية من الحجارة يربطها ملاط وسبائك من الحديد والرصاص، وفي داخلها سلّم حلزوني دائري فيه 136 درجة للصعود لأعلى المئذنة، وقد كان للمنارة باب من الجهة الشمالية على ارتفاع 1.7 متر من الأرض، والآن بابها من الجهة الشرقية يوصل لداخل الكنيسة.
وتوجد في جدران المئذنة عدة فتحات أو نوافذ صغيرة ضيقة لتمرير الضوء لداخل المنارة بقي منها 8 فتحات.
ارتفاع المئذنة من الأرض إلى الهلال 38 متراً، وبعد خروج العثمانيين من المدينة وعودة البولنديين وضع المطران «نيقولاس ديمبوفسكي» عام 1756م في أعلى المنارة تمثال السيدة العذراء، فزاد في ارتفاعها بمقدار 3.5 متر ليصبح طولها الإجمالي إلى أكثر من 40 متراً.
ارتفاع قاعدة المئذنة 4.5 متر، وقياسها 3.8 x 3.8 متر، وهي مبنية من الحجارة والتي يربطها سبائك من النحاس والفضة وذلك لتخفيف وزن المئذنة.
عام 1700م أزيلت الكثير من مظاهر العمارة الإسلامية في المسجد والمنارة، وقد خضعت المئذنة للترميم عدة مرات بين عامي 1737 - 1755م، ثم عام 1784م، ثم مرة أخرى بين عامي 1820 - 1823م، وفيها تم تغيير بابها الرئيس وطمس نقوش قاعدة المنارة، وتغيير سقفها. في عام 1781م نُصب فوق المنارة قوس النصر على شكل هلال، وعليه 12 نجمة ترتفع جميعاً على كرة ترمز للكرة الأرضية.
تضيف اليوم مئذنة مدينة «كامينتس - بودلسكي» ذات الطابع الإسلامي إلى عمارة الكنيسة طابعاً شرقياً جميلاً يمتزج مع نمط العمارة الغربي، وتظل شاهداً على تواجد المسلمين في هذه الأرض واهتمامهم بالعمارة والذوق الرفيع والجمال.>
المصدران
1- العمارات المقدسة في كامينيتس على البدول، أولجا بلامنيتسكا، عام 2005م.
2- الموقع الإلكتروني: القلاع والحصون في أوكرانيا، كاتدرائية القديسين بطرس وبولوس في كامينتس بودلسكي، باللغة الروسية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل