; المجتمع التربوي (1699) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1699)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 29-أبريل-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1699

نشر في الصفحة 52

السبت 29-أبريل-2006

ماذا أعددنا «ليوم الوعيد»؟

د.حسن هويدي 

  • أين المفر من قبضة علام الغيوب.. عند الوقوف بين يديه والسؤال عما قدمنا وكسبنا واكتسبنا؟

  • الدواء بين أيدينا قبل الموت.. بالاستقامة على أمر الله.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك٢:١) خلق الله الموت والحياة، وكتب الموت على الإنسان وعلى كل حي، وأعد النشأة الآخرة بعد الموت لتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، والذي يمعن النظر في هذا المصير المحتوم لا بد أن يسأل نفسه: ماذا أعد ليوم الحساب وخصوصًا حينما يرى غلبة الهوى والغفلة على الناس، والانسياق وراء المغريات والشهوات المحرمات والتي بلغت في عصرنا قمة الفتنة والضلال فلا يسلم منها إلا من عصم الله.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر:١٨) ومما ورد في كتاب الله عن ذلك اليوم الذي يبعث الله فيه العباد آيات كريمة تذكر وتعظ كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن هذه الآيات:

يوم الرجوع إلى الله

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة :٢٨١)، فهل تذكرنا الرجعة إلى الله، والوقوف بين يديه، وهول ذلك الموقف، والسؤال عما قدمنا وما كسبنا ومـا اكتسبنا، وهو الذي لا تخفى عليه خافية يعلم السر وأخفى؟ فإن لم نعترف بذنوبنا نطقت الجوارح والجلود كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت:٢١)، وقال عز من قائل: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يس:٦٥).

 فأين المفر من قبضة علام الغيوب؟! والدواء اليوم بين أيدينا قبل دنو الأجل بالاستقامة على أمر الله والابتعاد عن معصيته، وتجديد التوبة حينًا بعد حين.

يوم الوجوه وجوه... ووجوه!

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ (عبس:٤١).

فهل أعددنا العدة لمصير وجوهنا من أي الفريقين نكون؟ وهل سنحشر ضاحكين مستبشرين أم عابسين يائسين؟ وهل الضاحكون المستبشرون بلغوا ذلك بالإعراض عن الطاعات وإتيان المنكرات وإنكار يوم الحساب، أم بالإيمان وعمل الصالحات والمسارعة إلى الخيرات؟ فانتبه يا أخي المسلم لمصيرك هذا واعمل عمل الحريص على الفوز بذلك الوجه الضاحك المستبشر، والنجاة من الشقاء بوجه عليه غبرة ترهقه قترة، عياذًا بالله من سوء المصير.

يوم الأزفة

﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر:١٨).

هل تفكرت أخي المسلم في يوم الآزفة وهو يوم قريب: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (المعارج٧:٦)، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (الملك:٢٧)، وهو يوم العرض على الله حيث يبلغ الخوف والهلع لدى الخلائق أن تكون القلوب لدى الحناجر، وإنك لا تجد وصفًا لتلك الحالة الرهيبة الموجعة أبلغ من هذا الوصف وماذا تقول حين يضاف إليها الانقطاع من الحميم والشفيع؟ وتتذكر حينئذ بهذه الإضافة وهذا الانقطاع من الحميم والشفيع، وتتذكر حينئذ بهذه الإضافة وهذا الانقطاع قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (البقرة:١٦٦).

نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياك على فعل الصالحات وترك المنكرات ويجعلنا وإياك مع الذين قال فيهم ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (النمل:٨٩).

يوم مثقال الذرة

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة٨:٧). 

أرأيت يا أخي أن مثقال الذرة من العمل لن يهمل وسيثبت في صحيفتك يوم القيامة! ورد في الحديث الشريف أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يأكل مع رسول الله صلى الله عليه سلم، فتليت هاتان الآيتان، فبكى أبوبكر وأمسك عن الطعام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: يوم الحساب حيث يحصى مثقال الذرة، أو كمال قال. وذلك يذكرنا بثقل الأمانة التي حملناها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:٧٢).

اللهم أمنا يوم الفزع الأكبر يا أرحم الراحمين، وأعنا على حمل الأمانة يا ذا الفضل العظيم.

يوم الأصفاد

﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (إبراهيم:٤٩).

وهذا مشهد آخر من مشاهد يوم الحساب فيه الأصفاد، وفيه سرابيل القطران وفيه غشيان الوجوه بالنار!

 أعاذنا الله من سوء العذاب، وهل تجد - أخي المسلم - من وصف تقشعر له لأبدان وتتحير فيه الألباب كهذا الوصف! إنه ليبكي منه القلب قبل أن تبكي منه لعين، ويذكرنا بموعظته عليه الصلاة والسلام، حيث يقول «إذا قرأتم القرآن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا...».

يوم الوعيد

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق٢٢:٢٠).

هذا باختصار يوم الوعيد الذي أردنا أن نذكر به أنفسنا جميعًا في هذا المقال، حيث ترى النفس سائقها وشهيدها، سائقاً يسوقها للسؤال، وشهيدًا يشهد عليها، كما أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:١٨).

وكما نبهنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «وهل يكب الناس على وجوههم في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم؟» هذا عدا الذنوب الأخرى بأنواعها وأوزارها، وتذكرنا الآية الكريمة أيضًا بخطر الغفلة التي تعمي البصائر وتصم الآذان، يقول الله تعالى: 

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:١٧٩).

 أعاذنا الله جميعًا من الغفلة وعواقبها وهدانا إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وجعلنا من الناجين يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وآخر، دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

الابتلاء.. إنذار وتذكير

محمد يوسف الجاهوش

لقد سبق القضاء في الكتاب الأول: أن ما قدر كائن لا محالة، فما وعد به المؤمن من البلاء فإنه لاقيه ولا شيء يستجلب لطف الله ورعايته لأهل البلاء مثل الصبر والرضا.

والبلاء أنواع: أفدحه وأشده ضررًا: ما يثلم الدين، أو يضعف اليقين، وما يزال المؤمن في بحبوحة ما سلم له دينه، وحفظت عليه عقيدته.

وقد يجد الإنسان عن كل فائت عوضاً، ومن كل ذاهب بدلًا، إلا الدين، فإنه لا يجبر المصيبة به جابر مهما عظم.

وكل كسر فإن الله يجبره *** وما لكسر قناة الدين جبران

وحسب الراضي بالتفريط في دينه، أنه قد قطع حباله مع الله تعالى، وأغلق دون نفسه أبواب الرحمة، وخلف أسباب النجاة وراءه ظهريًا. 

لطف الله بعباده

البلاء تطهير من الذنوب، وتمحيص لمعادن الرجال، وزيادة في درجات أهل الصبر والرضا، ومن هنا كان أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

ومن رحمة الله تعالى: أن اللطف يرافق البلاء، فيعين على حمله ويخفف من وقعه.

وما تفكر عبد فيما أصابه إلا أدرك أن اللطف محيط به لا يفارقه أبدًا، وأن ما حل به هين أمام ما دفع عنه، وما أخذ منه قليل مع ما ترك له:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم:٣٤).

الابتلاء إنذار وتذكير

فالمؤمن العاقل على يقين أن ألطاف الله محيطة به، ونعمه متوالية عليه، وأن ما أصابه فمن كسبه، وما يعفو الله عنه أكثر ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:٣٠)، لذلك فهو دائم الحمد لله، يشكر في السراء، ويصبر في الضراء. 

وكلا حاليه إلى خير «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا، وإن أصاب ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».

وأرباب اليقين يعدون النوازل بابًا من أبواب الرحمة، حيث إنها تنبه اللاهي، وتذكر الناسي، وتلهم الحمد والثناء على الله عز وجل، وكان أسلافنا يكررون الحمد عند النوازل، ويشكرون الله عز وجل أن رزقهم العظة والاعتبار مما ابتلاهم به، ولهم في ذلك مواقف مشهودة، وأحوال محمودة بل كانوا يعدون من لا ينزل به شيء من البلاء ممن نقص حظهم من محبة الله تعالى لهم، لأنه سبحانه يحب سماع ضراعة عبده ومناجاته.

ولعل ما أثر عن القاضي شريح - رحمه الله - أنموذج لأخلاقهم في استقبال أقدار خالقهم سبحانه وتعالى، 

يقول - رحمه الله - إني لأصاب المصيبة فأحمد الله تعالى عليها أربع مرات:

1- أحمده إذ لم يجعلها في ديني.

 ۲ - وأحمده إذ لطف بها، ولم ينزل ما هو أعظم منها.

3- وأحمده إذ رزقني الصبر عليها. 

4- وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجوه من الثواب.

فمن أُلهم هذه الصفات فهو في عافية، وإن نزل به أعظم البلاء؛ لأن منزلة الحمد فوق الرضا، وأعلى من الشكر.. فالحامدون مع السابقين المقربين الذين ذهبوا بالأجر كله وفازوا بالدرجات العلى في جنات النعيم: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس:١٠). 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل