الثلاثاء 15-يوليو-1986
منذ عادت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأردن بعد خروجها من لبنان عام 1982 كنا نتوقع انطلاقًا من التحليل الشامل لأوضاع الفلسطينيين وقضيتهم أن وجود هذه المنظمة في الأردن سيكون مؤقتًا وإن لم يكن مؤقتًا فسيكون شكليًا.
وكان البعض بعد عودة المنظمة إلى الأردن إثر الضربات العنيفة التي وجهت لها من جهات مختلفة يتوقع أن تدفع بشؤونها إلى غيرها ليتصرف بها كوكيل كامل عن الفلسطينيين، لكن ذلك لم يحصل.
فالمنظمة رأت في الأردن مستراحًا ومستقرًا، ومكانًا لالتقاط الأنفاس وفرصة لعودة الاحتكاك المباشر بالأهل في الضفة الغربية وفي الضفة الشرقية، وبالتالي تكون أكثر تأثيرًا على مجريات الأحداث المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومستقبلها.
وعلى الرغم من أن المنظمة قدمت كثيرًا من التنازلات واقتربت كثيرًا من خط الأنظمة من حيث الموافقة على الاشتراك فيما يسمى بالمساعي السلمية التي تعني ضمنا الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين، إلا أن هناك شعرة ظلت تتمسك بها منظمة التحرير وهي استقلال القرار الفلسطيني وحق تقرير المصير وهو ما لا يقبله الكيان اليهودي وبالتالي الولايات المتحدة، ومن ثم الأنظمة المحتكة مباشرة بالقضية الفلسطينية والتي تريد أن تمسك بكل أوراقها في يدها لأمر في نفس ابن يعقوب!
والصراع لامتلاك زمام القضية الفلسطينية من قبل الأنظمة ليس جديدًا فقد برز واضحًا منذ ثورة فلسطين الكبرى عام 1936 والرفض الفلسطيني لما يسمونه بالوصاية والاحتواء ليس نابعًا من إقليمية فلسطينية، بل من تجربة فلسطينية مريرة مع الآخرين الذين فرضوا الوصاية على القضية، ثم نادت باعتبار منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ثم قتلت منظمة التحرير أو تكاد تمهيدًا لقتل القضية نفسها.
ولو أن المنظمة وغيرها معها نظروا إلى القضية نظرة إسلامية باعتبار القضية الفلسطينية قضية إسلامية وبالتالي فإن تحرير فلسطين من اليهود فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لو أن الجميع انطلقوا من هذا المنطلق لما وصلت القضية وأهلها –أعني المسلمين جميعًا وليس الفلسطينيين فقط- إلى ما وصلت إليه.
وحين نتحدث عن هؤلاء وأولئك، لا نعفي أنفسنا كشعوب إسلامية من المسؤولية التي هي مشتركة بيننا وإلا فما جدوى القول بأننا مسلمون.
نعود إلى قصة منظمة التحرير: نقول إننا توقعنا خروج المنظمة من الأردن إذا لم تقبل بشروط الأردن.
ويبقى بعد ذلك أن كل طرف يرى أو يعلن أن موقفه ينطلق من الحرص على القضية والأهل المعذبين في الأرض المحتلة، واليهود، ومن ورائهم الأمريكان لا يقدمون شيئًا إلا المزيد من الضغط على الأهل في الأرض المحتلة وعلى الأنظمة المعنية وعلى المنظمة.
فاليهود لم يتزحزحوا قيد أنملة عما سمي بالجانب الفلسطيني من اتفاقيات كامب ديفيد وهو اعتبار الضفة والقطاع أرضًا يهودية وأن العرب المقيمين فيها يمكن أن يمارسوا الحكم الإداري الذاتي بانتخاب رؤساء للبلديات بدل الحكام العسكريين اليهود وأن يكون ارتباط رؤساء هذه البلديات بالأردن أو ربما بمصر سيان شريطة أن تكون الأرض لليهود وشؤون الأمن لليهود وأمور أخرى يمكن التباحث حولها مع الأردن ومع فلسطينيين من الداخل لا علاقة لهم بمنظمة التحرير.
فماذا أمام اليهود من مغريات تستوجب طرد منظمة التحرير من الأردن غير الترحيب اليهودي الماكر حيث امتدح شمعون بيريز الإجراء الأردني ووصفه بأنه لتشجيع خلق قيادة فلسطينية بديلة، نشرت تصريحات بيريز صحيفة «يديعوت أحرونوت» وأكدها مكتب بيريز.
أما إسحق رابين وزير الدفاع فقال لإذاعة العدو معلقًا على هذه الإجراءات إنها جاءت في الاتجاه الصحيح. ونقلت إذاعة العدو عن مسؤولين يهود قولهم: إن تواجد فدائيي «فتح» في الأردن المحاذي للضفة الغربية شكل تهديدًا للدولة اليهودية. وقال موشى ليفي رئيس أركان جيش العدو: إن إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن سيجعل من الصعب تنفيذ أنشطة وعمليات فدائية غير مباشرة، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يتلقون توجيهات ومساعدات وتعليمات من المنظمة. وأشار إلى أن الإجراءات الأردنية تشير إلى يأس الأردن من إمكانية التعاون مع منظمة التحرير باتجاه إجراء محادثات مع اليهود.
ونقلت «الأسوشيتدبرس» عن مسؤول إسرائيلي قوله إن إغلاق المكاتب سيؤدي إلى زيادة التعاون بين الكيان اليهودي والأردن حول الضفة الغربية وقطاع غزة. وذكرت صحيفة «هاآرتس» أن اليهود وعدوا الأردن بدعم نفوذه في الضفة والقطاع على حساب منظمة التحرير.
وبالرغم من رصد الأردن لمائة وخمسين مليون دولار لتحسين أوضاع الفلسطينيين في الضفة الغربية إلا أن الغالبية العظمى من الصحف الفلسطينية الصادرة في الأرض المحتلة، لم ترتح للإجراء الأردني. وقد لوحظ أن الصحف السورية تجاهلت الإجراء الأردني على حين رفعت سوريا القائم بأعمالها في عمان مجيد أبو صالح إلى درجة سفير.
هذا وقد توجه رشاد الشوا رئيس بلدية غزة السابق إلى الأردن ومن المعروف أن الشوا توجه إلى مصر في الشهر الماضي وعرض على الرئيس المصري حكمًا إداريًا ذاتيًا في قطاع غزة مرتبطًا بمصر وأخبره أن اليهود لا يمانعون في ذلك.
وعاد السناتور الأمريكي «غاري هارت» إلى الأردن من فلسطين المحتلة بصورة مفاجئة –كما قيل- واجتمع فور عودته مع الملك حسين. وكان هارت قد اجتمع في فلسطين المحتلة مع رئيس وزراء العدو شمعون بيريز وكبار المسؤولين في حكومته بعد محادثات مماثلة كان قد أجراها في عمان مع الملك حسين. وكان هارت قد أعرب عن ارتياحه الشديد مما شاهده لدى اليهود من استراتيجية عسكرية ما دام قد دعا إليها في الولايات المتحدة وأشاد بالمبادئ المشتركة والمصلحة المتبادلة بين الولايات المتحدة والكيان اليهودي منذ 29 عامًا وحتى الآن.
فماذا بعد؟
اجتمعت اللجنة التنفيذية للمنظمة في تونس لبحث الأمر وتوجه هاني الحسن إلى القاهرة لعرض الكونفدرالية مع مصر كما قيل، وأعلن في مؤتمر عمالي فلسطيني بالقاهرة «إن القوى المتآمرة على منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني يسعى لتصفية القضية الفلسطينية في إطار نهج مخطط يستهدف تمزيق الكيان الفلسطيني من داخله والحيلولة دون توحيد العمل الفلسطيني».
وتقول المصادر: إن هناك تيارًا داخل القيادة الفلسطينية يدعو إلى إلغاء اتفاق عمان والتوجه إلى موسكو للضغط على سوريا للمصالحة معها ومع الفصائل الفلسطينية الموجودة تحت سيطرتها، ولكن التيار الآخر يرى التروي ويعتقد أن سوريا لها دور في الإجراء الأردني.
ولم يبق أمام منظمة التحرير الآن إلا مصر التي التزمت الصمت واكتفى أحد المسؤولين المصريين بالقول: «إنها مسألة حساسة للغاية» تعليقًا على الإجراء الأردني. وأما العراق فإن الأردن يبذل كل ما في وسعه لمصالحتها مع سوريا وهي في شغل شاغل في حربها مع إيران. ومن تونس من غير الممكن القيام بنشاط عسكري مباشر ضد الكيان اليهودي خاصة بعد الغارة اليهودية عليها.
ولقد كان عرفات في تحركه الأخير في أفريقيا يحس بقرب اتخاذ الإجراء الأردني. تقول صحيفة الشرق: إن التدبير الأردني يعيد العلاقات الفلسطينية الأردنية إلى المرحلة الممتدة بين أحداث سبتمبر «أيلول» 1970 والاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف عام 1982، وإن السيد عرفات يبدو بعيدًا عن الشرق والغرب، فلا هو نجح في الوصول إلى موسكو ولا أقام جسرًا مع واشنطن.
ونحن نقول: كان الله في عون أهل فلسطين وأبنائها جميعًا، وهدى الله قيادة الفلسطينيين إلى مراجعة شاملة لكل مسيرة الثورة الفلسطينية منذ عام 1965 وحتى الآن، وسوف يجدون أن هناك طريقين في انتظارهم: العودة إلى الله، والعودة إلى السرية في العمل من أجل تحرير الوطن المحتل.