; ماذا بعد نتائج الانتخابات الباكستانية؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد نتائج الانتخابات الباكستانية؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 78

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

* الأمية والجهل جعلت الشعب الباكستاني يتعاطف مع حزب الشعب.

صُدم كثير من الإسلاميين بالنتائج النهائية للانتخابات المركزية في الباكستان، والتي أعلنت نتائجها النهائية مساء السابع عشر من نوفمبر الجاري، ولم تكن أسباب الصدمة تعود إلى تفوق حزب الشعب الباكستاني ذي الميول العلمانية في هذه الانتخابات فحسب، ولكن الصدمة الأساسية تعود إلى الطريق الذي اختاره الشعب الباكستاني أن يسير فيه بأن يرضى بإن تحكمهُ امرأة بعد واحد وأربعين عامًا من نشأة الباكستان التي ما أنشئت في عام 1947 إلا لتكون دولة إسلامية خالصة، وحتى لا تتيهَ في دروب الأسى لنا هُنا وقفة لنتعرف فيها على الكيفية التي سارت بها الانتخابات وكيف كانت نتائجها؟ ولماذا كان لهذا التخاذل الذي مُني به الاتحاد الجمهوري الإسلامي أمام حزب الشعب؟

كيف سارت الانتخابات؟

كانت الدعاية الانتخابية على أشدها خلال الأيام التي سبقت الانتخابات وكان كثير من المراقبين يشيرون إلى تعادل الكفة بين التحالف الجمهوري الإسلامي الذي يضم 9 أحزاب، وبين حزب الشعب الذي تتزعمه بنازير بوتو، وقد كان كثير من هؤلاء المراقبين يتوقعون إقبالًا شديدًا من الشعب على الانتخابات التي حُرِم منها طيلة أحد عشر عامًا في فترة حكم الرئيس ضياء الحق، إلا أن الجميع فوجئ يوم الانتخابات «16 نوفمبر» بأن الإقبال كان ضعيفًا في كثير من المناطق حتى أن نسبة الناخبين النهائية تراوحت بين 40 إلى 50% على مستوى الباكستان، كما لوحظ أن كثيرًا من الناخبين قد دُفعوا دفعًا عن طريق الإغراءات المختلفة كي يذهبوا لمقار اللجان الانتخابية للإدلاء بأصواتهم، فقد كانت هناك سيارات أعدتها الأحزاب، كانت تقوم بنقل الناس من بيوتهم وحتى مقار اللجان الانتخابية ثم تعود بهم مرة أخرى، وقد تفوَّق الشعب في هذا الجانب خاصة في جلب النساء إلى مقار الانتخابات، وقد كان لهم دور بارز في التأثير على نتائج الانتخابات، وقد قمت بزيارة بعض اللجان الانتخابية على فترات مختلفة من يوم «16 نوفمبر» فكانت نسبة النساء متقدمة بصورة ملحوظة في الحضور عن الرجال وكنت معظم النساء يُصَوِّتْنَ لصالح حزب الشعب وقد اتضح تأثير هذا الجانب من خلال النتائج النهائية للانتخابات، ومع الإجراءات الأمنية المشددة التي شهدتها باكستان لم يكن هناك وجود لحوادث العنف، كما كان النظام والدقة يسيطران على معظم اللجان التي زرناها وكذلك على معظم اللجان في شتَّى أنحاء البلاد.

النتائج الانتخابية:

كان تفوق حزب الشعب واضحًا منذ بداية فرز الأصوات التي استمرت ما يقرب من 30 ساعة ورغم أن الجميع كان يتوقع ارتفاع نسبة حزب الشعب في السِّنْدِ إلا أن كثيرًا من المراقبين لم يتوقع الاكتساح الكامل لحزب الشعب فيها حتى إنه حصل على 31 مقعدًا من 46 وكانت النسبة الأخرى للمستقلين ولم يفز التحالف الجمهوري بأي مقعد في السِّنْدِ مما شكَّل ضربة قاصمة له، أما بالنسبة للبنجاب فقد كان أمل التحالف الجمهوري الإسلامي كله فيها حيث تبلغ مقاعد الجمعية الوطنية الخاصة بالبنجاب 115 مقعدًا، كما أن ثقل التحالف الإسلامي بها أقوى من كل المقاطعات إلا أن حزب الشعب قد تفوَّق أيضًا على التحالف الجمهوري وفاز بـ 52 مقعدًا مقابل 44 مقعدًا للتحالف الجمهور والباقي حاز عليه المستقلون وأحزاب أخرى.

وفي بلوشستان التي يبلغ نصيبها 11 مقعدًا في الجمعية الوطنية فاز التحالف الإسلامي بمقعدين وحزب الشعب بمقعد واحد والباقي فازت به الأحزاب المحلية والمستقلين وفي إقليم الحدود «بيشاور» فاز التحالف الجمهوري بـ 7 مقاعد مقابل 6 مقاعد لحزب الشعب وباقي المقاعد المخصصة لبيشاور 26 مقعدًا فازت بها أحزاب محلية أخرى بالإضافة إلى المستقلين، وبذلك تكون المحصلة النهائية هي فوز حزب الشعب بـ 92 مقعدًا مقابل 57 للتحالف الجمهوري، أما باقي الأحزاب فقد فازت ببعض المقاعد إلا أن معظمها أحزاب محلية أو صغيرة وكان منها حزب جمعية علماء الإسلام جناح فضل الرحمن 7 مقاعد وقد كان متحالفًا مع حزب الشعب لكنه انفصل قبل الانتخابات، حزب علماء الإسلام «درخستي» مقعد واحد، حزب عوامي ناشيونال بارتي «حزب شيوعي» 3 مقاعد، حزب باكستان عوامي اتحاد 3 مقاعد وهو حزب قومي للبلوش، الحزب القومي البلوشي مقعدين، الحزب الديمقراطي القومي مقعد واحد، الحزب القومي الوطني مقعد واحد، كما فاز المستقلون بـ 40 مقعدًا ليشكِّلوا بذلك قوة ثالثة في النتائج إلا أن هؤلاء المستقلين منهم 14 تابعون للمهاجرين في السِّنْدِ وقد دخلوا مستقلين ونجحوا في كل من حيدر أباد وكراتشي وهناك أيضًا 8 من المستقلين من القبائل الحدودية وهؤلاء ينضمون إلى الحكومة أيًّا كانت، وبالتالي فهُم سوف ينضمون إلى الحزب الذي سوف يشكِّل الحكومة والمعلوم أن حزب الشعب فاز بـ 92 مقعدًا من 207 مقعد، هم عدد مقاعد الجمعية الوطنية علاوة على 10 مقاعد لأحزاب الأقليات مقسمة على أربعة أحزاب 4 مقاعد للحزب المسيحي، و4 مقاعد لحزب المهاجرين ومقعدين لحزبين آخرين يعتقد أنهما للسيخ والقاديانيين، ويقال: إن معظم المستقلين يعتبرون مؤيدين للتحالف الجمهوري الإسلامي ومن خلال هذا نطرح التساؤل المرتقب من سيحكم باكستان بناء على هذه النتائج؟

من سيشكل الحكومة القادمة؟

سؤال ينتظر الإجابة رغم التفاوت الواضح في النتائج الانتخابية فرغم فوز حزب الشعب بـ 92 مقعدًا من أصل 207 مقعدٍ بحيث أصبح بينه وبين نسبة الخمسين في المائة 12 مقعدًا فقط مما يجعله يسعى للحصول على هذه المقاعد بأي ثمن إلا أنه لا زال هناك أمل عند البعض في أن ينضم كافة المستقلين أو معظمهم إلى التحالف الجمهوري الإسلامي علاوة على حزب علماء الإسلام جناح فضل الرحمن «7 مقاعد» وحزب درخستي «مقعد واحد» وحزب علماء الإسلام جناح نوراني «3 مقاعد» علاوة على أحد الأحزاب الصغيرة الأخرى التي حصلت على مقعدين وبذلك تكون الأغلبية «107» مقاعد للتحالف الجمهوري ورغم أن ذلك حلم صعب المنال إلا أن بعض المراقبين هناك لا يستبعدونه، أما البعض الآخر؛ فإنه يرى أن حزب بوتو أصبحت له الغلبة وأنه لن يصعب عليه بالملايين التي حصل عليها من بعض الدول أن يحصل على اثنى عشر مقعدًا بأي ثمن وبأي صورة حتَّى يتمكن من تشكيل الحكومة التي ستتولى السلطة خلال الأيام القادمة في باكستان ولا شك أن هذه الأيام ستشهد جهودًا مكثفة من حزب الشعب والتحالف الجمهوري ليبدؤوا مرحلة أخرى من الصراع فرصة حزب الشعب فيها أيسر- ولا شك- إلا أنها المرحلة التي ستحدد من سيحكم باكستان!

أبرز من لم يوفقوا في الانتخابات:

مع هذه النتيجة التي حملت بعض المفاجآت كانت هناك مفاجآت أخرى بالنسبة لبعض الشخصيات البارزة التي دخلت الانتخابات وكانت نتائجها مخيبة للآمال، وكان من أبرز هذه الشخصيات التي لم توفَّق في الانتخابات مصطفى جيتوي رئيس التحالف الجمهوري الإسلامي، والبروفيسور غفور أحمد سكرتير التحالف ونائب أمير الجماعة الإسلامية، وشاه أحمد نوراني رئيس جمعية علماء باكستان، والشيخ فضل الرحمن الذي فاز حزبه بـ 7 مقاعد، وبير بجارة وهو من الشخصيات البارزة في حزب الرابطة الإسلامية، ومحمد خان جونيجو رئيس وزراء الباكستان السابق.

هل يكون للانتخابات المحلية تأثير على هذه النتائج؟

الانتخابات المحلية والمقرر لها يوم 19/11/88 لن يكون لها أي تأثير على الانتخابات المركزية بالنسبة لتحديد الحزب الذي سوف يشكل الحكومة، ورغم أن البعض يتوقع ألا يتمكن حزب الشعب من الاكتساح إلا في السِّنْدِ إلا أن البعض الآخر يتوقع أن يكون نصيب حزب الشعب في معظم الولايات مثل نصيبه في الانتخابات المركزية ويكون ضعيفًا في إقليم الحدود وبلوشستان إلا أن بعض المصادر في التحالف الجمهوري الإسلامي أكدت على أن الانتخابات المحلية سوف تختلف نتائجها عن الانتخابات المركزية، ولن يكون لحزب الشعب أغلبية إلا في السِّنْدِ فقط على أي الأحوال فالانتخابات الباكستانية تحمل المفاجآت دائمًا وليس هناك إلا الترقُّب؟

الجماعة الإسلامية:

دخلت الجماعة الانتخابات مع التحالف الجمهوري الإسلامي وقد رشحت 28 من أفرادها فاز منهم 7 أفراد في البنجاب هم ميان محمد عثمان، ومحمد ظهير، وجاويد إقبال، وكمال الدين أنور، وعمر حياة، واثنان في إقليم الحدود هما فتح الله وفضل الرازق، لعل هذه النتيجة طرحت سؤالًا مُلِحًّا على الأذهان هو كيف حدث هذا الاكتساح والتفوُّق لحزب الشعب في الوقت الذي جاءت فيه نتيجة التحالف الجمهوري مخيِّبة لآمال البعض؟

أسباب تفوق حزب الشعب:

هناك عوامل كثيرة كان لها دور في التفوق البارز لحزب الشعب على التحالف الإسلامي وباقي الأحزاب، ونستطيع أن نجمل هذه العوامل في هذه النقاط:

أولًا: إن حزب الشعب قد دُعم على المستويين الداخلي والخارجي إعلاميًّا وماديًّا بصورة أعدته على اكتساب عاطفة الناس ومشاعرهم حتى يقال إنه قد حصل على دعم خارجي يزيد على عشرين ألف مليون روبية، وقد صرح بهذا بعض قادة التحالف الإسلامي أثناء الدعاية الانتخابية.

ثانيًا: لوحظ قبل الانتخابات بأيام قليلة بأن هناك بعض المرشحين قد تنازلوا لصالح حزب الشعب خاصة في مقاطعة السِّنْدِ التي كانت تفوق حزب الشعب فيها مطلقًا ويقال إن هؤلاء المرشحين قد حصلوا على مبالغ طائلة مقابل هذا التنازل، وقد صرح بهذا أحد القيادات البارزة في التحالف الجمهوري.

ثالثًا: التنظيم الدقيق الذي قام به حزب الشعب أثناء الانتخابات من سعي لإحضار الناخبين من البيوت إلى مقار اللجان الانتخابية بسيارات خاصة، والتركيز على عنصر النساء واستغلال عاطفة النساء في المساعدة على أن تكون الغلبة لحزب ترأسه امرأة، فقد كان لها دور بارز أيضًا في تفوُق حزب الشعب.

رابعًا: تفكك بعض الأحزاب الإسلامية وتنازعها وعدم انضمامها جميعًا تحت راية واحدة، فقد دخلت جمعية علماء الإسلام جناح فضل الرحمن منفصلة، وكذلك جناح درخستي، وكذلك أهل الحديث، وكذلك جماعة أحمد شاه نوراني، وهذا كان له أثر بارز في تفريق الأصوات وإتاحة الفرصة لحزب بوتوو كي يتقدم، فعلى سبيل المثال حصل «لياقت بلوش» وهو مرشح التحالف في لاهور «جماعة إسلامية» على 50 ألف صوت وفاز عليه حزب الشعب بفارق 1400 صوت فقط في الوقت الذي حصل فيه مرشح جمعية علماء الإسلام «فضل الرحمن» على 3000 صوت وفي مدينة سيالكوت إحدى مدن البنجاب حصل مرشح التحالف نظير أحمد «جماعة إسلامية» على 25 ألف صوت ونجح عليه منافسه من حزب الشعب بـ 140 صوت فقط في الوقت الذي حصل فيه مرشح جمعية علماء باكستان على عدة آلاف من الأصوات، فلو كان هناك تنسيق لضمت معظم هذه الأصوات إلى مرشح واحد، وبذلك ترتفع كفة الإسلاميين إلا أن تصرفات بعض الأحزاب الإسلامية الصغيرة كان لها دور أيضًا في ارتفاع نسبة حزب بوتو في الانتخابات، ولعل هذا السبب الرابع كان هو السبب الرئيسي وراء تقدُّم حزب الشعب وتأخُّر التحالف الجمهوري.

خامسًا: الأميَّة السياسية والجهل والفقر الذي يعيش فيه معظم الشعب الباكستاني وهذه الأميَّة جعلته يتعاطف مع حزب الشعب الذي وقف ضده من قبل، وخرجت الناس في مظاهرات كبيرة لتطالب بتنحية بوتو في عام 1977 نفس هذا الشعب خرج بعد ذلك يؤيد حزب بوتو بعدما استطاع قادة الحزب أن يكسبوا عاطفة هذا الشعب إلى جوار حزب بوتو مرة أخرى.

سادسًا: غياب الحركة الإسلامية في الباكستان عن الشارع الباكستاني وعدم وجودها بين طبقات الشعب المختلفة بالصورة المطلوبة ففي الوقت التي تحركت فيه الجماعات الإسلامية بين طبقات الشعب قُبيل الانتخابات بشهور أو أسابيع كان حزب الشعب يتحرك بمبادئه بين طبقات الشعب منذ سنوات عديدة مما مكن له أن يتواجد بين الطبقات المختلفة ليكسب دعمها بعد ذلك في الانتخابات.

وبعد:

فلعل هذه الأسباب وغيرها كانت وراء ارتفاع أسهم حزب الشعب وانخفاض أسهم التحالف الإسلامي الجمهوري إلا أن نتائج الانتخابات قد أظهرت مَن الذين يريدهم الشعب الباكستاني حكامًا له... وأن أمة قد خالفت أمر نبيها وسنن الفطرة وعبر التاريخ لن تستحق بعد ذلك أن تكون جديرة حتى بالرثاء!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

130

الثلاثاء 09-يونيو-1970

يوميات المجتمع - العدد 13

نشر في العدد 342

533

الثلاثاء 22-مارس-1977

ماذا في الباكستان؟

نشر في العدد 343

97

الثلاثاء 29-مارس-1977

ما قل ودل يكتبها صادق (343)