العنوان ماذا بعد إيقاف التنسيق الأردني الفلسطيني
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1986
مشاهدات 77
نشر في العدد 756
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-فبراير-1986
- تجربة الشعب الفلسطيني مع الأمم المتحدة ومع الدول الكبرى لا تبشر بالخير، بل إنها تجربة مريرة.
- المراحل القادمة ستكون أكثر مشقة وأكثر عناء مادام هذا الشعب يتمسك بحقه في تقرير المصير.
- هل يمكن لمغتصبي الديار أن يرحلوا عن الديار لمجرد أن صاحب الدار طالبهم بذلك؟
- الشرعية في مفهوم اليهود تعني الاعتراف لهم بحق الوجود على أرض فلسطين.
لم يكن خطاب الملك حسين ملك الأردن مساء الأربعاء الماضي 19/٢/١٩٨٦ عبر التلفزيون الأردني، والذي استغرق حوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة، والذي قرأه الملك حسين عبر ۱۲۰ صفحة فولسكاب، والذي أعلن فيه إيقاف التنسيق السياسي مع منظمة التحرير بعد تجربتين طويلتين من محاولات العمل المشترك حتى تكون للكلمة معناها «التزامًا ومصداقية وثباتًا» كما يقول، لم يكن هذا الخطاب إلا اختتامًا لمرحلة من مراحل العمل السياسي الفلسطيني شاقة ومضنية بعد عمليات الذبح المتعاقبة لهذا الشعب بقصد تصفيته جسديًا، وتركيعه سياسيًا، و تبديد كيانه وقضيته إلى الأبد.
ولا شك أن المراحل القادمة ستكون أكثر مشقة وأكثر عناء، مادام هذا الشعب يتمسك بحقه في تقرير المصير، وهو أضعف الإيمان بعد أن فرضوا عليه التخلي عن مبدأ تحرير كامل التراب الفلسطيني، في هذه المرحلة من التاريخ على الأقل.
ولقد تعودنا في مجلة المجتمع أن نقف مع منظمة التحرير الفلسطينية حين تكثر السكاكين لذبحها، إدراكًا منا لخطورة المؤامرة متشعبة الأطراف، التي تحيق بالشعب الفلسطيني من خلال التآمر على المنظمة التي شقت طريقها- وسط رمال متحركة مغروزة بالألغام- بحثًا عن موطىء قدم ثابت لها على أرض فلسطين، كحل مرحلي كما يقول قادتها.
ولكن كلما لاح لنا في الأفق ما يشير إلى أن المنظمة استطاعت أن تقف على قدميها ولو مؤقتًا، وأنها أصبحت في موقف قوة نسبي، ألقينا الأضواء الكاشفة بوضوح وصراحة على الثغرات الواضحة في مسيرتها، والأخطار المحتملة التي تنتظر هذه المسيرة على القضية الفلسطينية برمتها، ليس فقط باعتبارها قضية تحرر وطني، ولكن باعتبارها قضية عربية ذات امتداد إسلامي لا فكاك عنه.
وهكذا قلنا لقادة المنظمة- ولقادة «فتح » تحديدًا- سواء باللقاء المباشر، أو عبر صفحات هذه المجلة: إن ما يسمى بمسيرة السلام لا بد أن يمر عبر أنظمة عربية خبرها الشعب الفلسطيني- بل والشعب العربي جيدًا- منذ ثورة عز الدين القسام عام ١٩٣٣ وحتى يومنا هذا، موقف ثابت لا يتغير خذلان لشعب فلسطين وقضيته، ومسايرة لأعدائه مسايرة وصلت حد التواطؤ في كثير من الأحيان، والشواهد على ذلكتنبو عن الحصر.
وقلنا لهم أيضًا: إن مسيرة ما يسمى بالسلام لا بد أن تمر عبر أروقة الأمم المتحدة والدول الكبرى، وتجربة الشعب الفلسطيني مع الأمم المتحدة ومع الدول الكبرى لا تبشر بالخير، بل إنها تجربة مريرة، ولا تقل مرارة عن تجربة الشعب الفلسطيني مع الأنظمة العربية المحيطة به.
وقلنا لهم أخيرًا: إن مسيرة ما يسمى بالسلام- في حالة نجاحها المزعوم- لا بد أن تلتقي مع غاصبي الديار قادة بني صهيون، وماذا يمكن أن يطلب المجني عليه من الجاني؟ وهل يمكن لمغتصبي الديار أن يرحلوا عن الديار لمجرد أن صاحب الدار طالبهم بذلك؟
وقالوا: دعونا نناور، وفرقوا بين الحل السياسي والعمل السياسي، وأعلنوا تمسكهم بالعمل العسكري باعتباره وسيلة وليس غاية، وحين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، ظلوا على سطحها، ويتقون ضربة هذا بالالتجاء إلى ذاك، ويتقون ضربة ذاك بالالتجاء إلى هذا، وهم بين هذا وذاك يبحثون عن موطىء قدم معترف به، ثم توجهوا إلى الأهل في فلسطين المحتلة يبحثون عن سند شرعي ومعترف به.
ومن الأمور التي لا يختلف عليها اثنان أن الشرعية في مفهوم اليهود تعني الاعتراف لهم بحق الوجود على أرض فلسطين، بل بحقهم في أرض فلسطين، وما على أنصار منظمة التحرير الرازحين تحت الاحتلال إلا أن يسلموا بذلك قبل أن يعترف بحقهم في العمل السياسي.
ولعل الأمر في ظل الأنظمة المحيطة بفلسطين، لا يختلف اختلافًا جوهريًا عما هو داخل الأرض المحتلة مهما كانت اللافتات والمبررات.
وإذا كنا نعترف بقدرة قادة المنظمة على المناورة والخروج من المارق؛ فإننا نظن أن هؤلاء القادة قد وضعوا في اعتبارهم هذا الموقف الأردني، وأنهم سيلجؤون إلى القاهرة التي مهدوا للوصول إليها طويلًا. ولعل القاهرة- التي هي في حاجة أيضًا إلى منظمة التحرير- أعجز من أن تقدم لهم شيئًا من خلال نظام يعترف «بإسرائيل»، ومكبل باتفاقيات كامب ديفيد التي تنص على منح الفلسطينيين في الضفة والقطاع حكمًا إداريًا ذاتيًا لا علاقة له بالأرض التي هي «أرض إسرائيل»، وبذلك ينطبق على المنظمة المثل القائل «كالمستجير من الرمضاء بالنار».
وإذا كانت المنظمة قد رفضت الاعتراف بقرار الأمم المتحدة ٢٤٢ مجردًا ومعزولًا عن سواه من القرارات الأخرى الصادرة عن الأمم المتحدة، وأصرت على حق تقرير المصير ولو ضمن اتحاد كونفدرالي مفروض مسبقًا مع الأردن، إذا كانت المنظمة قد رفضت الاعتراف بهذا القرار فخالفت بذلك الرغبة الأمريكية والإلحاح الأردني، فذلك لأنها تعلم أن موافقتها على هذا القرار تعني الموافقة على شطبها من الخارطة السياسية وبالتالي انتحارها.
ولا قيمة بعد ذلك لتلميحات أمريكية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أو بأن القضية الفلسطينية تتجاوز نطاق هذا القرار، أو بأن الأردن ومصر يمكن أن يتباحثا مع «إسرائيل» لاسترجاع الأرض، وأن المنظمة يمكنها أن تطالب بالحقوق الفلسطينية بعد ذلك.
يقول الملك حسين في خطابه الآنف الذكر: «إنه من منطلق الإدراك لأهداف إسرائیل التوسعية فقد أعطينا الأولوية لاستعادة الأرض المحتلة، وحاولنا مع الشقيقة مصر إقناع المنظمة بالفصل بين هدف استعادة الأرض المحتلة، وهدف استعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بحيث تعمل الدول- التي احتلت أراضيها بالقوة، وصدر قرار مجلس الأمن بشأنها- على استعادة هذه الأرض، في حين تعمل المنظمة من أجل استرداد الحقوق الوطنية المشروعة، غير أن المنظمة رفضت ذلك من منطلق الشك والارتياب».
ونحن نقول: إن الأردن ومصر وسوريا وافقت على القرار ٢٤٢ الذي ينص على انسحاب «إسرائیل» من أراض احتلتها عام ١٩٦٧، كما ينص على حق «إسرائيل» في الوجود، وفي حدود آمنة ومعترف بها، فلماذا لم تنسحب «إسرائيل» من هذه الأراضي التي احتلتها من كل من مصر والأردن وسوريا؟ وإذا كان الجواب: إننا لم نتفاوض معهم على ذلك، نقول: إن مصر قد تفاوضت واتفقت واعترفت بهم، ومع ذلك فما زال قطاع غزه وطابا محتلين، وهذا هو التفسير اليهودي لانسحاب «إسرائيل من أراض احتلتها»، كما يقول النص الإنجليزي لقرار ٢٤٢، وليس من الأراضي التي احتلتها كما يقول النص الفرنسي والعربي.
ثم.. إذا كان في قدرة مصر والأردن وسوريا استعادة ما احتلته «إسرائيل» من «أراضيها» عام ١٩٦٧ سلميًا،ومن غير حرب، فما الذي يمنعها من ذلك؟ ومن ذا الذي يعترض على ذلك؟ إن القضية ليست قضية انسحاب كما حدث بعد العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، بل إن القضية هي كمية هذاالانسحاب ونوعيته وثمنه.. وحتى الانسحاب الذي حدث عام ١٩٥٧ بعد أربعة أشهر من الاحتلال كان له ثمن هو فتح قناة السويس سرًا أمام الملاحة الإسرائيلية، وتعهد عبد الناصر بلجم أي عمل فدائي ضد «إسرائيل»، نقول هذا للحقيقة والتاريخ، فماذا سيكون ثمن الانسحاب الإسرائيلي اليوم إن وافقت «إسرائيل» على هذا الانسحاب بالمفاوضات؟ هل هو ما تسمونه «بالسلام الشامل والعادل».
وبعد مصر ستحاول المنظمة الاقتراب من الاتحاد السوفييتي الذي يحاول منذ مدة الاقتراب منها، ومد الجسور معها، والعمل على وحدة فصائلها، والاتحاد السوفييتي الذي اطمأن على استقرار قدمه في عدن لا يزال غير مطمئن على استقرار قدمه في سوريا، ولعل من يملك الورقة الفلسطينية يستطيع أن يربح الكثير، من هذا المنطلق يتقدم الاتحاد السوفييتي، ولكن ماذا يمكن أن يقدم الاتحاد السوفييتي للقضية الفلسطينية سلميًا ومن خلال مؤتمر دولي إذا تعارضت مصالحه مع مصالح الولايات المتحدة، وإذا أصرت واشنطن على أن «يعقد المؤتمر على أساس قراري مجلس الأمن ٢٤٢ ، ٣٣٨، وإذا تمسك الجانب الأمريكي بضرورة قبول منظمة التحرير لهذين القرارين» كما يقول الملك حسين في خطابه؟!
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هو موقف الاتحاد السوفييتي المقبل؟ هل سيضغط على الولايات المتحدة في اتجاه الإقرار بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أم سيضغط على المنظمة في اتجاه القبول بالقرارين المذكورين؟
إن موقف المنظمة الآن- وبعد مسيرة طويلة وشاقة مع مشاريع التسوية- أكثر حرجًا وصعوبة من موقفها يوم كان شعارها «هويتي بندقيتي».
والآن جاء دور السؤال: إلى أين يتجه الأردن بعد أن أوقف تنسيقه السياسي مع منظمة التحرير بسبب عدم التزام ومصداقية وثبات قيادة المنظمة كما يقول؟ إن إيقاف التنسيق مع قيادة المنظمة لا يعني إلغاء اتفاق عمان كما يفهمه الأردن، وقيادة منظمة التحرير لا تزال- حتى كتابة هذه السطور- تعلن عن تمسكها باتفاقها مع الأردن، ولكن العبارة التي ختم بها الملك حسين خطابه الطويل لها دلالتها.. يقول الملك حسين في ختام خطابه: «يحال الأمر من جديد إلى منابر الحوار الفلسطينية في الأرض المحتلة، وفي ديار الاغتراب، ومنابر الحوار العربية»، ومعنى ذلك أنه يعرض الأمر على الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وخارجها، كما يعرضه على الدول العربية، ولذلك يجري التنافس بين قيادة المنظمة والقيادة الأردنية على كسب هذه الأطراف، ولعل الأيام القادمة تكشف مدى تأييد الأهل في الأرض المحتلة وفي ديار الغربة للموقف الأردني أو لموقف المنظمة، وذلك من خلال الاتحادات الطلابية، والنقابات المهنية، والفعاليات الوطنية، ورؤساء البلديات، أما الحكومات العربية فهي في شغل شاغل بالحرب العراقية الإيرانية، وبالخلافات المستحكمة بين بعض أطرافها.
وليس لنا وسط هذه الأزمة متشعبة الأطراف إلا أن نقول: هداكم الله جميعًا إلى طريق الحق والصواب، طريق التكافل والتضامن والمحبة والقوة والهداية والجهاد، طريق الإسلام لطرد الغزاة المحتلين من كل فلسطين، أو فانتظروا الطوفان.