; ماذا تفعل الاستخبارات الأمريكية في المنطقة؟! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا تفعل الاستخبارات الأمريكية في المنطقة؟!

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2001

مشاهدات 50

نشر في العدد 1456

نشر في الصفحة 26

السبت 23-يونيو-2001

متابعة دقيقة للإسلام السياسي ورصد لمحاور الإصلاح الاقتصادي خاصة في الدول المهتمة بتحسين وضعها المعيشي

طرحت جولة مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية «سي أي إيه»، جورج تينيت في كل من مصر والأردن، والتقائه بالجانبين الفلسطيني والصهيوني، طرحت تساؤلًا أمنيًّا قديمًا يتجدد باستمرار هو ما الذي تفعله الاستخبارات الغربية- الأمريكية تحديدًا- في المنطقة، وبعيدًا عن نظرية المؤامرة الشائعة فإن هذا السؤال يظل مثار تكهنات كثيرة، بسبب ما يكتنفه من سرية وغموض، وبرغم ندرة الأدبيات الغربية التي تتناول هذا الموضوع بانفتاح واستفاضة فقد انعقدت سنة ١٩٩٥ بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ندوة خاصة، نشرت مؤخرًا بعنوان «الاستخبارات في الشرق الأوسط.. ما الذي نحتاج لمعرفته» شارك فيها مسؤولون من الاستخبارات الأمريكية لتسليط الضوء على طبيعة عملهم في المنطقة، وعلى القضايا التي تهمهم وبالرغم من أن الندوة انعقدت قبل سنوات ونشرت مقتطفات منها ضمن بحث «خاص» حصلت المجتمع، على نسخة منه، إلا أن ما أثير فيه عما اسموه بتتبع حركات «الاسلام السياسي» و«عملية التسوية»، يظل حاضرًا حتى الآن على ضوء أبعاد زيارة تينيت للمنطقة.

بداية، يؤكد إلن لابسون من مجلس الأمن القومي أن وظيفة الاستخبارات تحديدًا هي تزويد صانعي القرار في الإدارة الأمريكية بما يجري بمنطقة ما- وأهم مرتكزات الاهتمام الأمريكي في الشرق الأوسط ما يسميه مواجهة التطرف والإرهاب، وتعويق محاولات بناء أسلحة الدمار الشامل، ويقول: إن أجندة عمل الاستخبارات في المنطقة ظلت ثابتة لم تتغير مقارنة بخمس أو عشر سنوات مضت، وهي إمكانية التنبؤ باندلاع أزمة أو مأساة تفضي لحالة من اللااستقرار بالقرب من مواقع تحوي مصالح أمريكية مهمة ويضيف أن عمل الاستخبارات في ترصد ومتابعة أي تطورات بشأن حالات الإرهاب لا تنحصر في جمع معلومات متاحة للجميع كتلك الموجودة لدى مراكز التفكير، ومؤسسات البحث الأكاديمية والإعلام وأجهزة داخل البيروقراطية الحكومية وإنما على مصادر أخرى تعتمد على التقنية والسرية، كي تحتفظ الاستخبارات بتميزها في فحوى المعلومة عن بقية مصادر الجمع والبحث، وهو يرى أن ما لدى الاستخبارات حول الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل لا تضاهيه معلومات أجهزة أخرى.

الإسلام السياسي، أهم قضية

وأفصح لابسون عن أن المناطق التي يتم التركيز عليها ظلت كما هي لم يطرأ عليها تغيير، وهي الدول التي تضم مصالح أمريكية أو التي تشكل خطورة على هذه المصالح وأشار إلى أنه قبل الحرب الباردة كان هناك تجاهل لأهمية الدول الصغرى، لكن بعد الحرب الباردة، واندلاع أزمات في البوسنة والصومال تبين ما يمكن أن تلعبه الدول ذات الكيانات المحدودة التي لا تضم مصالح أمريكية مباشرة من دور في أمن المنطقة لأسباب إقليمية أو أيديولوجية ومن هذه الدول اليمن والجزائر فالجزائر وإن كانت دولة كبيرة إلا أنها لا تحوي مصالح أمريكية مهمة وتصنف على أنها دولة ذات مستوى ثان من الأولوية، إلا أن أهميتها ازدادت في المرحلة الأخيرة بسبب اندلاع حالات العنف وتأثير ذلك على بقية دول المنطقة. وبخصوص اليمن فتكتسب أهميتها كونها مجاورة للخليج وبالتالي فإن أي أزمة تندلع في اليمن، ولو على مستوى محلي تحظى باهتمام الاستخبارات الأمريكية.

وبصورة عامة، فإن اهتمام الاستخبارات التقليدي يشمل: التركيز على ما يجري داخل دول معينة، بما في ذلك سياستها المحلية، مع التركيز على القيادات وآلية اتخاذ القرار لديها، ومصادر قوتها، ومستوى نفوذها في التأثير على مجريات الأحداث في دول أخرى معينة، والتركيز على نمط التغيير في دولة ما دون الانشغال برصد ومتابعة تفاصيل الأزمات المحلية ويطلق على هذا الصنف من الاهتمام تعبير السياسة العليا أي سياسة اتخاذ القرارات على مستوى النخب السياسية في السلطة من الأخذ في الاعتبار وجود قوى وعوامل جديدة قد تطرأ على معادلات التغيير. ومن هذه العوامل التي أثبتت حضورها خصوصًا بعد انتهاء الحرب الباردة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي اتضح أنها صارت تلعب دورًا متزايدًا في التأثير على مجريات القضايا السياسية والأمنية.

وينضوي تحت هذا الإطار الاهتمام بـــ «الإسلام السياسي»، الذي يعتبره لابسون أحد أهم قضايا الشرق الأوسط، بالإضافة لمحاور الإصلاح الاقتصادي خصوصًا بين الدول المهتمة بتحسين وضعها المعيشي وتأثير ذلك على نمط الهجرة من الريف للمدينة، وتداعيات ذلك على صراع الثقافات والعادات بين الريف والحضر واستقرار الدولة, ويقول لابسون: هذا لا يعني أن صناع القرار ينتظرون من الاستخبارات أن تخبرهم عن مسيرة الإصلاح الاقتصادي في تونس مثلًا، وإنما يتوقعون أن يكون بإمكان الاستخبارات أن تعطيهم إطارًا تحليليًّا عامًّا يضمن عملية اتخاذ موقف أو قرار سياسي بعد الاطلاع قدر الاستطاعة على الأوضاع الاقتصادية والسياسية.

الاستخبارات والإعلام

هذه المحاور لها علاقة وطيدة بأداء وكفاءة عمل الاستخبارات الأمريكية ومدى حسن توظيفها للميزانية المحددة لعملها مقارنة بباقي المؤسسات البحثية والأكاديمية ومراكز التفكير المعلنة ومع ذلك يبقى التعاون والتنسيق المباشر وغير المباشر بين المعلن والسري قائمًا فعلى ضوء ثورة المعلومات ووجود الانترنت لم يعد الحصول على المعلومة أمرًا صعبًا، بالعكس فحسب لابسون، قد تفوق المعلومات والتحليلات التي تصدر عن مؤسسة بحثية أو مركز تفكير المعلومات والتحليلات التي تتحصل عليها سفارة أمريكية في دولة عربية، لكن يظل عمل الاستخبارات قائمًا من حيث إعادة إنتاج المعلومة والتحليل- بصورة أكثر عملية- لاستخدام صانع القرار السياسي.

ومن ضمن المؤسسات التي تؤثر على صانع القرارات الأمريكي بقصد أو بدون قصد الإعلام، فغالبًا، على حد زعم لابسون، ما يلوح صانع القرار بمقالة من صحيفة مستفهمًا: ما رأيك في هذا؟ وطبعًا يتوجب على الاستخبارات حينئذ أن يكون لديها تقييم حاسم عن فحوى المقالة، وغالبًا ما يكون هناك اختلاف بين الاستخبارات والإعلام، في المعلومة نفسها، فضلًا عن تقييمها، فمثلًا، وهذا المثل يضربه لابسون أيضًا من خبر نشرته نيويورك تايمز تزعم فيه أن العراق يتمكن من تهريب ۲۰۰ ألف برميل من النفط يوميًّا عبر إيران فيما معلومات الاستخبارات تشي بأن أقصى كمية مهربة لا تتجاوز 100 ألف برميل وأن معظمها يهرب من خلال تركيا والأردن، فيما كميات بسيطة جدًّا تهرب عبر إيران.

ما الذي تريده الاستخبارات من عملية التسوية؟

ويقرر نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الاستخبارات دانيال كورتزر أن عمل الاستخبارات إزاء الصراع العربي- الصهيوني يتمركز حول ستة محاور هي:

أولًا: فهم ميكانيكية السياسة المحلية والإقليمية للصراع، بمعنى ما الذي يحدث اليوم، وما علاقته بما حدث بالأمس؟..

ثانيًّا: فهم السياق والبيئة الاجتماعية والسياسية التي يحدث داخلها الصراع أو محادثات التسوية، أو أي ظاهرة لها علاقة بالمنطقة.

وثالثًا: فهم المعتقدات الدينية والسياسية التي تصوغ تصرفات كلا الطرفين وتؤثر عليها، مثل دور الإسلام في عملية الصراع أو عمليات التسوية والصهيونية التاريخية والصهيونية المعاصرة.

رابعًا: فهم وتحليل سلوكيات القادة المعنيين بالصراع والتسوية فحسب تعبير كورتزر يهمنا أن نعرف فيم يفكر الرئيس مبارك أو الرئيس الأسد أو رئيس الوزراء الإسرائيلي وما نواياه وما العوامل التي تجعله يفكر أو يتصرف باتجاه معين، وكيف يمكن أن يتصرف تحت ظروف أخرى معينة؟، مؤكدًا أن دراسة سلوك القيادة وفهم القادة واستيعاب البيئة التي يعيشون داخلها ميدان غاية في الأهمية بالنسبة لنا.

خامسًا: فهم مخاوف وطموحات واهتمامات شعوب المنطقة المعنية بالصراع أو التسوية؛ ما الذي يعتقدونه؟ ما الذي يريدونه تحديدًا؟، وما يجعل معرفة هذه الأمور صعبًا هو غياب آليات للكشف عن التوجهات الشعبية من خلال إحصائيات الرأي العام الشائعة في المجتمع الغربي.

سادسًا: معرفة أنماط التفاوض الدبلوماسي مع العادات والتقاليد، حيث يكشف كورتزر أن اختلاف متابعة ورصد ومراقبة طرق ووسائل التفاوض بين الأطراف المختلفة توضح للاستخبارات احتمالات حصول التفاعل من عدمه بين الأطراف نفسها مستقبلًا.

وإذا كانت هذه هي المحاور العامة لما تهتم به الاستخبارات الأمريكية بشأن عملية الصراع العربي الصهيوني فلا شك أن حركتي حماس والجهاد دخلتا مؤخرًا وبقوة داخل دائرة اهتمام «سي أي إيه» وزيارة رئيس المخابرات جورج تينيت لكل من مصر والأردن، إلى جانب الأراضي المحتلة، دليل على أن هذه الدائرة اتسعت بصورة ملحوظة مع اتساع دائرة الانتفاضة لتشمل محاولات القضاء على شبكات هاتين الحركتين خارج حدود عملهما، وهو ما دل عليه قانون الإرهاب الذي صدر مؤخرًا في بريطانيا مثلًا الذي يجرم كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وأي مؤسسة تدعم أنشطتها ماليًّا وإعلاميًّا.

تزايد أهمية الخليج بعد هزيمة ٦٧

ويلفت النظر لأهمية منطقة الخليج المتزايدة جون مور مسؤول وكالة الاستخبارات الدفاعية للشرق الأوسط في أمريكا منذ ١٩٦٨، فيوضح أنه منذ حرب ١٩٦٧ حصل تحول في تركيز الولايات المتحدة على أولوياتها الدفاعية من قضية الصراع إلى الأخطار التي تشكل خطرًا على المصالح أو القوات الأمريكية في المنطقة وبسقوط شاه إيران واندلاع الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩ والغزو الروسي لأفغانستان واندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ۱۹۸۰م والغزو العراقي للكويت في ۱۹۹۰، بدا لصناع القرار الأمريكى أن هذه المنطقة الواسعة هي منطقة الخليج. 

ولا يخفي مور مخاوفه من أن أهم محاور الاهتمام الأمريكي بالمنطقة هي أسلحة الدمار الشامل لدى دول كالعراق وإيران، وسورية وتأثير ذلك على أمن إسرائيل، مضيفًا أن دراسة توازن القوي بين تل أبيب والدول العربية احتل اهتمامًا كبيرًا لدى الاستخبارات الدفاعية لخمسة عقود ماضية، وكانت جهود الاستخبارات تنصب على محاولة جمع المعلومات الحساسة التي تمكنها من الإجابة على تساؤلات مثل: متى تعتبر خطرًا ما تهديدًا لإسرائيل؟ وهل ينحصر هذا الخطر مثلًا في جيران «إسرائيل» أم يشمل الدائرة الأوسع للعالم العربي والإسلامي التي ترفض الكيان الصهيوني؟ وما الدول البعيدة التي يمكن في حالة نشوب حرب أن تدخل طرفًا في التحالف ضده؟ وأخيرًا ما السيناريوهات المطروحة فيما لو اندلعت حرب فعلية بين إسرائيل، وبقية الدول العربية في المنطقة؟ وكم ستطول الحرب وكيف سيكون عمقها وأثرها على مصالح أمريكا؟

وعلى الرغم من أن اهتمام الاستخبارات الدفاعية انصب بعد انتهاء الحرب الباردة على الخليج بسبب مشكلة العراق والأكراد وأسلحة الدمار الشامل، وتفجير بعض المواقع الأمريكية، مما استدعى تحويرات في السياسة الأمريكية في المنطقة، إلا أن اندلاع الانتفاضة واستمرارها لأشهر سيعيد حتمًا للصراع مع الكيان الصهيونى أهميته لدى الاستخبارات الأمريكية وهو الذي تدل عليه بوضوح جولة تينيت ولن يكون هذا التركيز على حساب منطقة الخليج التي ما زالت ذات أهمية أمنية بوجود القوات الأمريكية ومصالحها، وباستمرار مشكلة العراق بدون حل نهائي وحاسم..

الرابط المختصر :