العنوان ماذا عن قبرص؟ ذلك الثغر الإسلامي العريق
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 775
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 15-يوليو-1986
- قبرص التركية ستبقى ثغرًا من ثغور المسلمين إلى الأبد.
- دعوة حكومات العالم الإسلامي للاعتراف بقبرص التركية تنطلق من مفهوم الأمة الواحدة...
عاش الجزء اليوناني من جزيرة قبرص في الأسبوعين الماضيين حالة من التوتر السياسي- والهياج الديماغوجي الذي ظهر واضحًا خلال المظاهرات التي قام بها القبارصة اليونانيون، احتجاجًا على الزيارة التي قام بها رئيس وزراء تركيا باسم جمهورية قبرص التركية... وكان هياج المتظاهرين يدفعهم نحو ترديد هتافات عدائية حاقدة، ومحاولة اختراق الحواجز التي أقامتها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عند الخطوط الفاصلة بين القسمين اليوناني والتركي.
ولم يقتصر هذا التوتر وذاك الهياج على القبارصة اليونانيين فقط، بل شاركتهم في تلك الحكومة اليونانية التي وصفت زيارة أوزال بأنها استفزازية وطالبت دول السوق الأوروبية بإدانة تركيا التي تعرض سلام المنطقة وأمنها للخطر «على حد قول وزير خارجية اليونان». ويعود سبب الهياج اليوناني إلى تولد إحساس قوي لدى اليونانيين بأن انفصال القسم التركي بات أمرًا منتهيًا، أو بالأحرى إحساسهم بأن عهد الهيمنة اليونانية على كامل الجزيرة القبرصية قد ولى وإلى الأبد.
جمهورية قبرص التركية... إلى الأبد
وقد دعم هذا الإحساس لدى اليونانيين ذلك التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء التركي أوزال والذي قال فيه: «لقد أقمتم دولتكم وكتبتم دستوركم وانتخبتم برلمانكم، ويبقى علينا أن نفعل شيئًا واحدًا وهو أن تعلن أن قبرص التركية دولة يجب أن تحظى باحترام العالم... وسوف نقدم لهذه الدولة كل أشكال الدعم حتى تستمر إلى الأبد...» وبالإضافة إلى هذا التصريح الذي كان يتفق مع مشاعر القبارصة الأتراك فإن زيارة أوزال استهدفت بحث الإجراءات الكفيلة بتحسين الوضع الاقتصادي للدولة الجديدة، والذي ما زال يعيش على دعم الوطن الأم... فقد تناولت محادثات أوزال مع مسؤولي قبرص التركية الإجراءات الفنية والإدارية التي من شأنها أن تسهم في زيادة وتحسين الإنتاج الزراعي وإقامة بعض المنشآت الحيوية التي تسهم في تحسين النظام الاقتصادي... وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن زيارة أوزال لقبرص التركية وما تضمنته من محادثات فنية واقتصادية... إضافة إلى التصريحات التي أطلقها أوزال خلال هذه الزيارة... ولدت لدى اليونانيين تلك الأحاسيس بضياع ثلث جزيرة قبرص وانتهاء الهيمنة اليونانية... إلى الأبد...
التسامح التركي والتعنت اليوناني:
إن الهاجس الوحيد الذي كان وما زالت تعيش عليه الطائفة اليونانية هو هاجس الهيمنة على الجزيرة بأكملها رغم أن الطائفة التركية تشكل ثلث القوة البشرية للجزيرة، وتعيش على ثلث مساحتها، وبينما كانت الطائفة التركية تدعو للعيش بسلام مع الطائفة اليونانية من خلال دولة قبرصية واحدة، كانت الطائفة اليونانية تدعو للسيطرة على كامل الجزيرة ومن ثم إلحاق الجزيرة باليونان... وكان هذا حلمهم التاريخي الذي يسعون إليه حتى من قبل استقلال الجزيرة عن بريطانيا عام ١٩٦٠... ورغم العوامل التاريخية والجغرافية و... التي تعطي الأتراك حقوقًا ثابتة في الجزيرة، إلا أنهم كانوا حريصين دائمًا على إبداء روح التسامح والعيش المشترك مع اليونانيين الذين كانوا من جانبهم يقابلون تلك الروح بمزيد من التعنت والإصرار على نشر الهيمنة اليونانية على کامل الجزيرة... ساعدهم على ذلك الاتجاه الصليبي للاستعمار البريطاني الذي تمكن من السيطرة على الجزيرة التي عاشت ٤٠٠ عام تحت حكم العثمانيين الذين كانوا يعتبرون الجزيرة القبرصية ثغرًا من ثغور العالم الإسلامي. والوضع الجغرافي للجزيرة يؤيد ما ذهب إليه الحكم العثماني فهي تبعد عن تركيا ٧٠ كم فقط وعن سوريا ١٠٠ كم وعن لبنان ۲۰۰ كم وعن فلسطين ٣٠٠ كم وعن مصر ٤٠٠ كم، بينما نجد أنها تبعد عن اليونان ۸۰۰ كم...
ومع أننا لا نريد الدخول في تاريخ الجزيرة السياسي والسكاني و... إلا أنه لا بد من القول: إن التسامح التركي كان أحد العوامل الأساسية في تغيير الخريطة السكانية للجزيرة، إضافة إلى التآمر الصليبي من خلال الوجود البريطاني فبينما كانت الطائفة التركية تمثل الأغلبية بنسبة ٣ إلى ١ أصبحت هذه النسبة ٣ إلى ١ لصالح الطائفة اليونانية نتيجة هجرة الآلاف من اليونايين إلى قبرص بمساعدة الإنجليز وحمايتهم... وقد قوبل تسامح الطائفة التركية ودعوتها للعيش المشترك بقيام الطائفة اليونانية بشن حملة إرهابية دموية كانت تستهدف نزع الوجود التركي من الجزيرة وإضفاء الطابع اليوناني عليها ومن ثم إعلان الوحدة بين قبرص واليونان... ولولا مسارعة القوات التركية لنجدة القبارصة الأتراك عام ١٩٧٤ لتمكنت الطائفة اليونانية من إبادة القبارصة الأتراك من خلال ما تتلقاه من دعم مادي ومعنوي من الكنيسة والحكومة اليونانية…
جمهورية للأبد... لماذا؟
نعم الجمهورية قبرص التركية وإلى الأبد... قلناها بالأمس ونقولها اليوم وغدًا وإلى الأبد... لا لأننا مع مبدأ الانفصال أو التقسيم، ولكن لأننا نقف مع الحق الذي يمثله القبارصة الأتراك وضد الباطل الذي يمثله القبارصة اليونانيون... فالطائفة التركية لم تدع يومًا للانفصال رغم المعاناة التي كانت تعيشها... ولم تطالب بإلحاق الجزيرة بتركيا رغم ما يوفر لها ذلك من أمن واستقرار وازدهار... ولم تطلب النجدة العسكرية إلا بعد أن استنفدت كل إمكانات التفاهم والحوار مع الطائفة اليونانية، وبات شبح الإبادة الجماعية يهدد وجودهم... ورغم مرور هذه السنوات على نزول القوات التركية أرض الجزيرة وتأمين الحماية للطائفة التركية... إلا أن الدعوة للحوار والتفاهم حول وضع قواعد للعيش المشترك لم تنقطع من جانب الطائفة التركية... فزعامة الطائفة التركية المتمثلة برئيس جمهوريتها رؤوف دنكتاش أعلنت مرارًا وتكرارًا عن استعدادها للدخول في مفاوضات مع الطائفة اليونانية للوصول إلى حل مشترك للازمة القبرصية يكون مقبولا لدى الطرفين... وكان تجاوب هذه الزعامة مع نداءات الأمم المتحدة إيجابيًا إلى الحد الذي أعلنت فيه قبول الوثيقة التي تقدم بها السكرتير العام للأمم المتحدة دي كويلار بشأن القضية القبرصية والتي نصت على قيام دولة قبرصية اتحادية ذات قطاعين مستقلين إداريًا مع هوية واحدة، ونشيد واحد، ومجلس نواب للقبارصة اليونانيين ٧٠ عضوًا بينما للأتراك ۳۰ عضوا، ورئيس الدولة قبرصي يوناني ونائبه قبرصي تركي... إلخ... نقول إنه رغم ذلك فإن إيجابية الطائفة التركية نحو وثيقة الأمم المتحدة قوبلت بالرفض من جانب اليونانيين... مما يؤكد على نظرتهم القومية وعلى اتجاهات الهيمنة التي تسيطر على وجدانهم وتفكيرهم... لهذا كان لا بد للطائفة التركية أن تتخذ من الإجراءات ما يضمن لها الحماية والأمن... فكان إعلان جمهوريتهم ومؤسساتهم... وكانت أيضا زيارة رئيس وزراء الوطن الأم عاملاً من عوامل ترسيخ الثقة في هذه الدولة الجديدة «القديمة» فقبرص كانت ثغرًا من ثغور المسلمين وستبقى كذلك للأبد... فهل يعي العالم الإسلامي هذه الحقيقة ويبادر إلى إعلان التأييد والمناصرة الجمهورية قبرص التركية؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل