; ماذا فعلت ثورة الحجارة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا فعلت ثورة الحجارة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1988

مشاهدات 63

نشر في العدد 859

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 22-مارس-1988

على الجميع أن يلتقوا على أرض سواء بينهم: فلسطين

يسألونك عن الانتفاضة في فلسطين، من خطط لها؟ من مولها؟ من أخرج شبابها وفتياتها، شيبها وأطفالها إلى الشوارع يقذفون العار في وجوه المحتلين البرابرة؟ ولماذا الآن؟ أسئلة كثيرة تتردد صباح مساء في وسائل الإعلام المختلفة كلها تريد أن تعرف من يقف وراء هذه الانتفاضة. قالوا: منظمة التحرير، وقالوا غير ذلك، فقد كان واضحًا أن جميع الأطراف حاولت في البداية أن تمسك ببعض الخيوط تستدل منها على الطريق. وقالوا: بل الجبهة الشعبية وأبطال اليسار وبعض الأنظمة من خلفهم، وسرعان ما تراجع أصحاب هذا الظن السيئ عن ظنهم، فالعقول التي لا تتفتق إلا كيف تقصف المخيمات وتحاصرها وتذبح الفلسطينيين بوسائل مختلفة ومبتكرة لا تجيد في أي وقت من الأوقات مهمة الدفاع عنهم. وقالوا: بل هي العناصر الإسلامية المجاهدة في الداخل «مجموعة الجهاد» التي يرأسها عبد العزيز عودة في غزة والتي اعتقلت إسرائيل مؤخرًا الكثير من عناصرها و«سرايا الجهاد» المنظمة الناشئة الفتية الصاعدة التي قامت حتى الآن بأكبر وأخطر العمليات من وجهة نظر العدو والمحللين العسكريين. وقالوا: إن الانتفاضة كانت الرد المناسب على تجاهل المؤتمر العربي الأخير للقضية الفلسطينية، بل والرغبة في تجاوزها، فقد كانت الحوارات بين بعض الرؤساء تدور حول وجود فلسطين أصلًا أم أنها مجرد جزء من سوريا الجنوبية. قيلت آراء كثيرة، ونحن نرى أن الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والمناطق المحتلة من فلسطين منذ عام 1948 كانت انتفاضة تلقائية ذاتية قام بها الشعب كله بكل فئاته، وليس السؤال الطبيعي في تقديرنا لماذا يثور هذا الشعب، بل السؤال الحقيقي لماذا تأخرت ثورته؟

1.     إن شعب فلسطين ومنذ دخل الجنرال اللنبي القدس وظن مغفلو العرب أنه يمثل القوات الحليفة لإنشاء دولة العرب الكبرى وإعلانه من الساحة العامة أمام جماهير القدس أنه اليوم فقط انتهت الحروب الصليبية يومها انسحب المحتفلون من مهرجان اللنبي وعادوا يعدون أنفسهم لمعركة طويلة فالحياة لا تحتضن ولا تكرم المغفلين.

o      استغفلتنا بريطانيا يوم زعمت لنا أنها صديقة العرب وإنها بصدد إقامة ملك عريض لشريفهم.

o      واستغفلنا الغرب كله يوم خدرنا باسم الأحلام وهو يتآمر علينا في مؤامرة سايكس-بيكو التي نعيش أقزامًا في ظلها حتى اليوم.

o      واستغفلنا عندما وقع له بعض قادتنا أن وعد بلفور لا يمنع تعايش الشعبين العربي المسلم واليهودي في ثغور فلسطين.

2.     وقامت الثورات الشعبية في فلسطين في أعوام 1919 و1920 و1921 وهكذا مرورًا بثورة القسام 1935 وثورة الحسيني 1936 حتى عام 1948 عندما كان يتبادل الفلسطيني وزوجته الخندق الواحد يدافعون عن وجودهم وحاضرهم ومستقبلهم حتى جاءت زعامات الجامعة العربية التي أنشأها إيدن ليقنع هؤلاء بتسليم أسلحتهم للجيوش العربية والجلوس مرتاحين في بيوتهم فتكفيهم الجيوش العربية السبعة شر اليهود ومن يقف وراء اليهود. وصدقت الشعوب الحكام مرة أخرى فتمكنت «إسرائيل» من المنطقة وأصبحت في ظل هذه الحكومات دولة عظمى تطالب بامتيازات أية دولة كبرى في العالم. أمريكا اليوم عندما تتعامل مع «إسرائيل»، لا تتعامل معها فقط من منطلق تأثير اللوبي اليهودي في بلادها، ولا من منطلق أنها راعية الصليبية التاريخية وما تحمله من أحقاد ضدنا فقط، بل ومن منطلق احترام الأمريكي للقوة الإسرائيلية. وينيير غر وزير الدفاع الأمريكي السابق يقول لبعض الحكام العرب: ولماذا ترفضون «إسرائيل» في المنطقة وهي دولة عظمى، وهي الوحيدة التي بإمكانها حمايتكم من الشيوعية؟ أن صاروخ أريحا يستطيع ضرب قواعد في الاتحاد السوفياتي نفسه من أرض «إسرائيل». حديث الإعجاب بالقوة والذكاء.

3.     وانتظر الفلسطيني حكام العرب ليحرروا له البلاد فالسوق قائم والمزاد منصوب وكل انقلاب عسكري على رأس بلاغاته الأولى تحرير فلسطين حتى جاء جيل من الحكام أفرزتهم الانقلابات ما عادت تفرق صواريخهم أو راجماتهم بين العدو والصديق، بين مستوطنات العدو ومخيمات اللاجئين، حتى أن أحدهم وهو السادات تجرأ وذهب بنفسه ليكسر على حد زعمه الحاجز النفسي بيننا وبين أبناء العم اليهود.

4.     وهكذا عاش الفلسطيني جيلًا بعد جيل من قهر إلى قهر، من قهر الحكام العرب الذين باعوه في سوق النخاسة إلى قهر «إسرائيل» اليهودية التي ينص تلمودها أن الله لم يخلق البشر إلا ليكونوا حميرًا يركبهم بنو «إسرائيل».

o      صادروا أرضهم وأقاموا عليها المستعمرات وإذا قارنت مثلًا بين مخيم جباليا الذي هو كومة من القاذورات تعيش فيها مجموعة من الناس وبين مستعمراتهم التي أقاموها على أرضنا وبنوا عليها أرقى المنشآت والمرافق لهالك الأمر ولاستغربت كيف طال الصبر بهؤلاء وأجلوا ثورتهم حتى هذه الأيام.

o      تقوم «إسرائيل» باحتجاز الأفراد في مناطق معينة في القرى أو الأحياء لمدد تتراوح بين 3 أو 6 شهور بدون إبداء الأسباب، وخلال هذه المدة تحدد حركة الفرد داخل مدينته، أو قريته أو مخيمه رهينة لدى الاحتلال.

o      تقوم «إسرائيل» بهدم المنازل أو إغلاقها عندما تشك في أن أحد أفراد الأسرة له علاقة ما بالمقاومة يتم ذلك بقرار إداري وبدون محاكمة وقد يكون بعد قتل العنصر من قبل قواتهم، والعقاب الجماعي ممنوع في الدنيا كلها مسموح به في دولة التلمود.

o      هناك أكثر من 150 ألف عامل من الأراضي المحتلة يعملون في مصانع «إسرائيل» يعانون التمييز، ويحسون بالقهر ولا يستطيعون المطالبة بشيء من الحقوق ولا يستطيعون التوقف عن العمل فالأفواه الجائعة في البيوت تنتظر.

o      الطلبة في الجامعات يعيشون أجواء الإرهاب، ففي الطريق الرئيسي المؤدي لجامعة بيرزيت أقيمت 36 نقطة تفتيش، المطبوعات تحت المراقبة، الحركات والسكنات كذلك، والطلبة باستمرار في مواضع الشبهة وأصابع الاتهام موجهة إليهم.

o      أما الصحافة فبيد الحاكم العسكري، يغلقها أو يسمح لها بالصدور بدون إبداء الأسباب. المقالات تخضع لنفس الشروط، تحذف كلها أو بعضها ولا يحق لأحد أن يسأل عن السبب.

o      ومثل ذلك يقال عن الأنشطة الإسلامية والاجتماعية والسياسية فلا جزاء لها إلا الإرهاب والسجن والتعذيب وتهديم المنازل والإبعاد عن البلاد. أفبعد ذلك نقول لماذا يثور هذا الشعب؟ مع أن السؤال الحقيقي هو لماذا تأخرت ثورته حتى اليوم؟

5.     إن شعبنا شعب أصيل، مجاهد لا يخشى لقاء الأعداء ويحب الشهادة في سبيل الله، ولكن حكامه استطاعوا خلال 40 سنة هي سني احتلال فلسطين أن يدجنوه ويقزموه ويهزموه. علموه كيف يكون ذليلًا، فتحوا له السجون والمعتقلات لينزعوا منه كل ذرة كبرياء أو استعلاء تجعله يفكر بحرية وبكرامة الإنسان والأوطان. أقنعوه بطريقة غسيل المخ أو بالسحق أن الطريقة المثلى لحل قضايا المنطقة هي الاستسلام أو حسب منطق السادات كسر الحاجز النفسي بيننا وبين أبناء العم اليهود. بعد احتلال عام 1967 الذي مضى عليه 20 سنة أو يزيد، نشأ في الأرض المحتلة جيل جديد بمواصفات جديدة، لم يتعرض لما تعرض له آباؤه من إذلال وسحق، عاشوا مع اليهود المحتلين وهم يرون خستهم ودناءتهم وجبنهم وحرصهم على الحياة، فسقطت هيبة «إسرائيل» وجيش «إسرائيل» في نفوسهم فاستهانوا بها وبجيشها وتجرأوا على جنودها فراحوا يقذفونهم بالحجارة غير عابئين بهم ولا بما يحملونه من سلاح. هؤلاء الشباب هم أنفسهم الذين يقودون اليوم انتفاضة الشعب الفلسطيني الذاتية التلقائية التي أذهلت العالم، وأذهلت العالم العربي، وأذهلت منظمة التحرير، وأذهلت إسرائيل بعد وقبل كل شيء.

1.     فعلى الصعيد العالمي ساعدت التحليلات السياسية والتقارير الصحفية للمراسلين الأجانب في نقل صورة مغايرة تمامًا للصورة التي طبعتها إسرائيل عبر سنين طويلة في ذهنية الإنسان الغربي على أنها واحة الديمقراطية وأنها تريد السلام في وسط أقوام متطرفين، ومما زاد من غضب الإسرائيليين الانتقادات العنيفة التي تعرضوا لها من جانب وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية، ديفيد ميللر، خلال زيارته لمخيمات الفلسطينيين في الضفة الغربية، والانتقادات المماثلة التي وجهها مساعد السكرتير العام للأمم المتحدة ماراك غولدينغ للحكومة الإسرائيلية بسبب إجراءاتها اللاإنسانية في الأراضي المحتلة وفي المخيمات الفلسطينية. وكذلك موقف الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي في تأييدها لقرار المجلس الخاص بإحداث الضفة والقطاع، إضافة إلى مواقف دول العالم المنددة بالإجراءات الإسرائيلية ضد المتظاهرين وبالطريقة القمعية التي عالجت بها الانتفاضة.

2.     أما على الصعيد العربي فقد كانت المفاجأة كبيرة له بحيث عقدت لسانه وباستثناء بعض الدول التي أسهمت مساهمات جزئية، فقد التزمت معظم الدول الأخرى الصمت وكأن الأمر لا يعنيها ولقد علقت هيئات الضفة الغربية. وبعض الشخصيات الفلسطينية على ذلك فاستغربت كيف تتحرك بعض فصائل اليهود ضد حكومتهم بينما لا يجري شيء من ذلك في الدول العربية. وعندما نقول دولًا عربية فهذا كلام مجمل لا يعني شيئًا محددًا في أكثر الأحيان. فالأنظمة العربية متفاوتة النظرة تجاه القضية الفلسطينية بعضها تصب نظراتها في خانة المصالح الفلسطينية وأكثرها خارجها أو ضدها. وهي جميعًا تريد أن تخرج من ساحة الصراع هذه ولتحل هذه القضية وفقًا لأي مشروع كان «مشروع ألون أو بريجينيف أو فاس أو ريغان أو الحكم الذاتي أو البديل الأردني» كلها مشاريع استسلامية تصفي القضية وتريح الأنظمة العربية.

3.     كما أذهلت المفاجأة منظمة التحرير والمنظمات الفلسطينية قاطبة. ولكنها مع ذلك بدأت تفتش عن خيوطها وتتلمس الطريق إليها وتصعد من حملاتها الإعلامية وتكرس المساعدات المادية للوقوف إلى جانبها في محاولة منها لاحتوائها أو على الأقل لمسايرتها والسير معها بدون إبراز التناقضات في هذه المرحلة من الطريق.

ولعل الظلم والتجاهل الذي تعرضت له منظمة التحرير وما زالت تتعرض له، هو العامل المساعد أن تلتقي هذه التيارات جميعًا على الأقل في مثل هذه المراحل أما في المرحلة القادمة فلا بد من التوصل إلى قناعات أوضح لدى كل العاملين للقضية الفلسطينية أنه بغير الإسلامية منهاجًا وأسلوبًا لا يوجد حل لهذه القضية. ولهذا فعلى الجميع: المنظمة والفصائل المتفلسفة، والإسلاميون، أن يلتقوا كلهم على أرض سواء، توحد بينهم فلسطين، منطلقين من الانتفاضة مقتدين برجالها الصامدين الصامتين.

4.     أما «إسرائيل» فأكثر من ذهلت. فإسرائيل في الأساس مجتمع متطرف مشبع بالحقد والكراهية ضد الدنيا كلها والعرب والفلسطينيين بخاصة. ولقد أُجري في الآونة الأخيرة معهد غالوب لحساب مجلة نيوزويك الأمريكية استفتاء في إسرائيل فأظهر أن 46% من شبابهم يرون إجراءات القمع البالغة القسوة مناسبة جدًا بينما ذكر 40% أنها إجراءات لينة وأيد 81% ترحيل قادة المتظاهرين من ديارهم إلى الخارج.

هذه الآراء التلمودية التي كشف عنها هذا الاستفتاء في هذا الوقت بالذات تدل على نفسية هذا الشعب المشبعة بالحقد والعنصرية والاستعلاء. هذا هو الشعب، أما القادة فهم رؤوس الإرهاب فالنواب في البرلمان يقولون إن الإجراءات ضد الفلسطينيين رخوة جدًا وطالبوا بمزيد من قرارات الطرد ومزيد من الحزم وأعلنوا أن الدواء الوحيد هو في الإعلان عن ضم الضفة الغربية وغزة رسميًا.

أما عبد الوهاب الدراوشة النائب العربي عن حزب العمل في إسرائيل فيرى أن حزب العمل لم يعد أكثر من ليكود رقم 2، والحقيقة أن رابين تجاوز مناحيم بيغن في إجراءاته وهو غير عابئ بقرارات مجلس الأمن ولا بالمعارضة وعندما اتهمه خصومه بأنه يسجن الأولاد أورد لهم حالة فتاة فلسطينية عمرها 12 سنة ألقت في غزة قنبلة حارقة على دورية إسرائيلية.

وخطورة الأمر بالنسبة «لإسرائيل» يعني أنها تقف في موقف الدفاع أمام الفلسطينيين ولأول مرة منذ 40 سنة.

إن الأرض المحتلة التي لم تكن إسرائيل في عجلة من أمرها لتقرر ما تفعله بشأنها وربما كانت ترغب في تركها لعامل الزمن يعالج أمر ضمها بسياسة الأمر الواقع. هذه القضية صارت عاجلة لا بد من حسمها وتحمل نتائج ذلك بطريقة أو بأخرى.

للمرة الأولى يتحرك الفلسطينيون حركة رجل واحد ابتداء من قطاع غزة المحتل إلى المخيمات الـ 28 إلى الضفة الغربية إلى مناطق الـ 48 مما أربك جميع حسابات إسرائيل وادعاءاتها السابقة.

وقد صعد الإسرائيليون تكتيكاتهم الخاصة بفرض حظر التجول بشدة في جميع المناطق المحتلة.

وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن جنودهم يدخلون المخيمات ويعتدون بالضرب على السكان ويجمعون الشباب ويتركونهم بالعراء، وفتحوا مزيدًا من المعتقلات بعد أن امتلأت معتقلاتهم القديمة.

هذه هي الانتفاضة... في فلسطين وهؤلاء الذين قاموا بها... من الفلسطينيين والحساب الحق والعدل فقط تحركوا... بعد أن يئسوا من الظلم والطغيان.

والآن... كيف نرشد الانتفاضة؟ بل وماذا نريد من هذه الانتفاضة؟

لا نريد من الانتفاضة أن تتحول إلى جدل بارد فارغ من تحرك ومن المستفيد... بل أن ننطلق ابتداءً منها والأمم في التاريخ تؤرخ بالأحداث الهامة... فعلى جميع أبناء هذه الأمة المعطاء أن يتكاتفوا ويتعاهدوا في سبيل الله ومن أجل فلسطين.

ونريد من الانتفاضة أن تبرز وجه القضية الإسلامية.. وجه التحرير.. وأن تختفي إلى الأبد كل الوجوه الصفراء والزرقاء اللئيمة والحاقدة الموتورة والمتآمرة المستسلمة والتي في طريقها للاستسلام.

ونريد من الانتفاضة أن تحرك الشباب المسلم بالذات فهو المعني قبل غيره بأن يستجيب لنداء ربه فينفر خفافًا أو ثقالًا ولا يمر وقت طويل قبل أن نرى سرايا الجهاد المظفرة ضاربة القوم على كل أرض فلسطين ثغر الإسلام.

هذا هو الميدان... فأين جند الإسلام؟ أم تظنون أن الساعة لم تحن بعد؟

 

الرابط المختصر :