العنوان ماذا لو اندلعت حرب نووية فجأة؟!
الكاتب أشرف سلامة
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990
مشاهدات 65
نشر في العدد 949
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-يناير-1990
ماذا لو اندلعت حرب نووية فجأة؟ سؤال
مزعج حقًا، لذلك نتحاشى مجرد طرحه ونسرع بتناسيه وكأنه لا يعنينا، مع أن هذه الحرب
لو اندلعت فلن ينجو من أخطارها أحد فوق كوكبنا. لكن هل يمكن أن يفعلها الإنسان؟ لا
يمكن الإجابة إلا بأن الاحتمال قائم ولو كان ضعيفًا بعد انتهاء الحرب الباردة بين
الروس والأمريكان وبعد انفراج الأجواء بين الشرق والغرب.. الاحتمال قائم مادامت
الترسانات من الأسلحة النووية في ازدياد وتوسع وتحسن من حيث القوة التدميرية ودقة
إصابة الهدف بالرغم من كل ما يقال عن اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية
والاحتمال قائم ما دام للأجهزة الإلكترونية والكمبيوترات دور هام في اتخاذ قرار
سريع بالحرب وقد أثبتت التجربة أكثر من مرة أن مجرد خلل بسيط في هذه الأجهزة قد
ينجم عنه إنذار بهجوم «وهمي» واستنفار قد يؤدي إلى الكارثة.. والاحتمال قائم ما
دام في الإنسان شر قد يتغلب على الخير وما دام قرار إطلاق صاروخ نووي أو أكثر
محكوم بمزاج جنرال معرض لأي قصور إنساني في قاعدة عسكرية أو غواصة نووية هنا أو
هناك.
حرب ساعات معدودة
الحرب النووية في حال نشوبها ستختلف
اختلافًا جذريًا عن كل الحروب التي عرفتها البشرية منذ فجر تاريخها.. لأنها ستكون
سريعة وخاطفة ومدمرة بشكل مرعب ولن تدوم سوى ساعات محدودة.
وما يقرب إلى أذهاننا مقدار الدمار
النووي الذي أحدثته قنبلة هيروشيما النووية، فقد تجاوز عدد ضحايا اللحظة الأولى
لهذه القنبلة ٨٥ ألف نسمة ووصل عدد الجرحى من أثرها ١٧٥ ألف شخص مات معظمهم فيما
بعد وما علينا الآن أن نقارن القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما النووية والتي تبلغ
٢٠ كيلو طنًا بالقوة التدميرية لصاروخ إم إكس الحامل لعشرة رؤوس نووية قوتها ۷۰۰۰ كيلو طن «مع
العلم أن هذا الصاروخ يبلغ مداه ۸۰۰۰ كيلو متر» لندرك حجم الكارثة لإطلاق صاروخ واحد
من هذه الصواريخ العابرة للقارات فكيف لنا أن نتصور ما يحدثه انفجار رؤوس نووية
لعدد كبير من هذه الصواريخ وإذا عرفنا أن مخازن الأسلحة النووية في العالم تحتوي
على أكثر من ١٥٠٠ رأس نووي وإن هذا العدد في ازدياد مستمر وأن ٢٦٠٠ مليار دولار
ينفقها العالم سنويًا على التسلح وإن الإنتاج اليومي من القنابل الذرية يتجاوز خمس
قنابل في مختلف أنحاء العالم فإنه ليس من الغريب أن نسمع علماء معروفين بدقتهم في
التعبير وعدم إلقاء الكلام جزافًا يتحدثون عن احتمال كبير لفناء البشرية كلها من
جراء مواجهة نووية وبالتالي لن يكون هناك منتصر ومهزوم في هذه المواجهة بل حتى
الذين ليس لهم ناقة أو جمل فيها سيطالهم شرها ودمارها.
ويقول هؤلاء العلماء إن كل الدلائل
المستقرأة من التفجيرات النووية تشير إلى أن أي حرب نووية لن تبقي أي أثر للحياة
البشرية والحيوانية والنباتية على سطح الكرة الأرضية.
- دقائق الفناء الأولى:
تنافس القوى العظمي على تطوير
الصواريخ العابرة للقارات والطائرات العملاقة والسريعة يدلل على أن اللحظات الأولى
لأي مواجهة نووية هي لحظات مصيرية بالنسبة إليها ولكن كيف يمكن الحديث على مصير
هذه القوى ومصير البشرية قاطبة على كف عفريت؟ لا شك أن الدول الكبرى ستكون في
مقدمة الضحايا لأي حرب نووية لأنها ستتلقى الضربات الأولى ولكن من لم يمت خارج هذه
الدول من أثر الضربة الأولى سيقضي نحبه جراء الإصابة بأمراض خبيثة متأتية من
الانفجارات النووية وبسبب القضاء على الحياة النباتية والحيوانية.. يقول مسؤولون
في الأمم المتحدة: «إن أي حرب نووية شاملة سوف تقضي في لحظات على مئات الملايين من
الناس والحيوانات ويذهب بعض الخبراء إلى القول بأن ملياري نسمة ستقضي عليهم
الضربات النووية الأولى» و يقول خبراء استراتيجيون أن صاروخًا واحدًا من طراز إم
إكس ذي العشرة رؤوس نووية كاف للقضاء الشامل على مدينة تضم عشرين مليون نسمة كما
يقولون إن قنبلة نووية بقوة ميغا طن إذا ألقيت فوق باريس فإن وهجها وضوءها يبدوان
بشكل واضح في مدينة مرسيليا الواقعة على البحر الأبيض المتوسط وأن درجة الحرارة في
مركز انفجار هذه القنبلة يصل إلى عشرة ملايين درجة وعندئذ يتحول كل شيء إلى بخار
في دائرة شعاعها خمسة كيلو مترات ويسبب هذا الانفجار تلوثًا قاتلًا إذ تحمل الرياح
القوية كميات كبيرة من الملوثات التي تظل تتساقط على مدى أيام وعلى بعد مئات
الكيلو مترات لتصيب الإنسان والحيوان والنبات بأمراض قاتلة.
- الشتاء النووي:
في ديسمبر عام ۱۹٨٣ أعلن أول
تقرير عالمي رسمي عن نظرية الشتاء النووي قدمه لفيف من العلماء الروس والأمريكان
بعد أبحاث دامت ثلاث سنوات وقد تعززت هذه النظرية اليوم بالعديد من الأبحاث
العلمية الأخرى مما جعلها في حكم المؤكدة وآخر ما حدد تعزيز هذه النظرية دراسة
للأمم المتحدة قام بها خبراء من دول العالم وحذرت من الآثار المناخية والفيزيائية
المحتملة لأي حرب نووية وهو ما اصطلح على تسميته بالشتاء النووي، ومن يقول شتاء
يقول نزول درجة الحرارة. فالعلماء والخبراء في شؤون الذرة يؤكدون أنه سيعقب أي حرب
نووية انخفاض في درجة الحرارة عند خط الاستواء إلى ما دون درجة التجمد وهذا يعني
أن الصقيع سيلف الأرض كلها وهكذا ينعدم أثر الحياة النباتية والحيوانية والبشرية
ويرافق الفترة الجليدية التي ستدوم- حسب افتراضاتهم حوالي سنة- نقص كبير في
الأمطار ونزول أمطار حمضية وزيادة الأشعة فوق البنفسجية وتآكل طبقة الأوزون مما
سيحدث خللًا كبيرًا في توازن البيئة والمناخ ولا يمكن أن تستمر الحياة الطبيعية
للإنسان و يفسر خبراء الذرة الشتاء النووي بأن الحرائق الكبرى الناتجة عن
الانفجارات النووية ستنبعث منها سحب ضخمة من الدخان الأسود تحتوي على جزئيات من
المواد المشعة السامة وإن هذه السحب الضخمة ستمتص الضوء وتحجب الشمس فتغرق الكرة
الأرضية في ظلام وبانقطاع ضوء الشمس عن الأرض تحدث تبدلات جيولوجية ومناخية ومهما
كانت أبحاث هؤلاء الخبراء والعلماء دقيقة فإنها لا تعبر عن حقيقة ما سيحدث نتيجة
أي حرب نووية لأن التصور والخيال يبقيان دون الواقع لا سيما إذا عرفنا أن تفجير
١٠٪ فقط من مخزون القنابل الذرية كاف لأحداث الشتاء النووي.
إن خطر الأسلحة النووية هو حقا
«لعنة» هذا العصر، وهو هاجس الجيل الحالي لأن الإنسان صار أسير ما صنع من أدوات
الدمار وأحاط نفسه بهواجس الرعب والدمار التي لا يمكن أن تفارقه ما دام يجلس على
مخزون ذري رهيب، إذا تحدثنا بإعجاب عن التقدم العلمي وعن الحضارة الإنسانية فلا
يجب أن ننسى الجانب القاتم من هذه الحضارة فموازاة الذكاء الإنساني والبراعة
الإنسانية والسمو الإنساني هناك الجنون الإنساني والحمق الإنساني. فكيف تقبل هذه
الإنسانية أن تستنزف الطاقات البشرية والموارد المادية على التسلح وتكديس وسائل
الدمار الشامل في حين يعاني مئات الملايين من البشر من الفاقة والعوز والمرض
والجهل؟
لقد قال أحد رواد الفضاء الذين كانوا
في مركبة «أبولو» أثناء رحلتهم التاريخية إلى القمر عام ١٩٦٩: «إن الكون على
اتساعه الرهيب لا يوجد فيه مكان صغير يمكن أن يلجأ إليه الإنسان ويعيش فيه سوى
كوكبنا الصغير ومن الجنون أننا نسعى لتدميره».
لابد أن يعي سكان العالم ولاسيما
سكان الدول النووية أنهم معنيون مباشرة بالحرب النووية لكن ما يؤسف له
حقًا وما يبعث على الخوف أن مليارات البشر لا يدركون خطورة ما يقوم به أباطرة
الصناعات العسكرية الذرية الذين يجنون الفوائد المادية بأنانية مفرطة وحمق في نفس
الوقت، إن الأسلحة الذرية الفتاكة هي اليوم أخطر وأبشع إفرازات الحضارة البشرية
العلمية والتكنولوجية ويخشى أن يكون في هذه الإفرازات نقض هذه الحضارة نفسها.
ولكن الأخطر من هذا كله استسلام
مليارات البشر وعدم تحريك ساكن لوقف هذا الجنون، وكأن هذه المليارات غير قادرة على
تغيير مجريات الأحداث أو التأثير فيها مع أنها ستكون وقود هذه الحرب في صورة
اندلاعها.
والسؤال الذي لا بد أن نطرحه هو: هل
يكفي أن نعلق الأمل على اتفاقات نزع السلاح بين العملاقين؟ طبعًا هذه الاتفاقات
تمثل نجاحًا نسبيًا على طريق السلام العالمي ولكن هاجس الحرب الذرية المفاجئ يظل
قائمًا مادام الوضع العالمي مهتزًا والأنانية مسيطرة والعدالة الاجتماعية لجميع
سكان الأرض مفقودة، والتعاون الدولي اسمًا بلا مسمى والعنصرية سائدة فكيف لنا أن
نطمئن وأمم العالم غارقة في هذه التناقضات؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل