; ماذا لو تشاءم الدعاة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا لو تشاءم الدعاة؟

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999

مشاهدات 107

نشر في العدد 1358

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 13-يوليو-1999

مرفوض أن يتشاءم عامة المسلمين وعوامهم، فكيف لو تشاءم الدعاة؟

فالتشاؤم مذموم في الإسلام، شرع الله الخالد، لأنه يأس مما عند الله ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الشورى:36) وذلك أن التشاؤم قرين الكفر، وخلود إلى الدنيا ونزول عند أمر الواقع واستسلام للباطل وجنده، وإليه الإشارة القرآنية ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (يوسف:87)

ولقد تبرأ رسول الله ﷺ من أهل التطير والتشاؤم حينما قال: «ليس منا من تطير ولا من تطير له، أو تكهن أو تكهن له أو تسحر أو تسحر له» (رواه الطبراني في الكبير)

هذا أمر التشاؤم والتطير في الإسلام، أما أمر التفاؤل فهو مطلوب ومحمود لأنه أثر من آثار الثقة بالله تعالى واستنهاض للنفس من الركون إلى الأرض والقعود عن وظيفة التغيير، وتعطيل لهذه السنة الإلهية، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ (الرعد:۱۱) وقوله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأنفال:53).

ولقد علمنا رسول الله ﷺ على مدى عمر النبوة أن نتفاعل، وأن نحسن الظن بالله امتثالًا لأمره تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله، لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلى ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول» (رواه مسلم).

ففي المرحلة المكية وإبان المحنة العاتية التي عصفت بالمؤمنين- أذى واضطهادًا وقتلًا- يطل التفاؤل النبوي مؤكدًا انتصار الحق من خلال قوله ﷺ: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون» (رواه أبو داود).

وفي غار ثور - على طريق الهجرة - وقد طوقه المشركون من كل جانب، يلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقة بالركن الركين والحبل المتين، وبمن أمره بين الكاف والنون، فيقول لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (رواه البخاري ومسلم).

وفي الطريق إلى المدينة المنورة، وقد لحق برسول اللهﷺ ورفيقه، سراقة بن مالك، أحد صناديد قريش، يريد أن يقتله لينال الجائزة فقال أبو بكر: يا رسول الله أدركنا الطلب! فقال ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (التوبة: ٤٠)، ودعا عليه رسول اللهﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها وثار من تحتها مثل الدخان.. فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك علي، فادع لي ولك عهد الله أن أرد عنك الطلب، فدعا له فخلص... فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله ﷺ: كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى؟ قال: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم. فعاد سراقة فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ها هنا، ولا يلقي أحدًا إلا رده.

يوم الأحزاب وقد أحاط أعداء الإسلام من المشركين واليهود بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (الأحزاب:10-11) جاءت الآية القرآنية تعرض الموقف الإيماني الصادق: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (الأحزاب:22) ثم نزل قوله تعالى ليصف حال أهل الإيمان في كل زمان فقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران:173).

ويوم أحد وعلى الرغم من الهزيمة التي نزلت بالمسلمين في بداية المعركة وفداحة الخسارة التي وقعت بهم، فقد أبى رسول الله ﷺ إلا أن تكون «أحد» محطة إيمانية ذاخرة بالدروس والعبر فقال: «أحد جبل يحبنا ونحبه» (رواه البخاري). 

ثم إن رسول الله ﷺ كان مبشرًا لا منفرًا، ومتفائلًا لا متشائمًا، ويدعو إلى ذلك ويؤكد عليه، ولكم تكررت النداءات النبوية القائلة: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (رواه البخاري).

 إنه لا سبيل لدخول التشاؤم إلى قلوب تعيش مع الله تستمد منه القوة وتستلهم النصر والثقة، يقول الله تعالي: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (التوبة:14).

إن عشرات الأحاديث النبوية التي تحمل معها وعود النصر وبشائر الغلبة والتمكين يجب أن تشكل المناخ الدائم للدعوة والدعاة.. من ذلك قولهﷺ: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما نوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها «أو قال من بين أقطارها» حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا، (رواه الترمذي) ويقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر» (مسند أحمد).

الرابط المختصر :