; ماذا وراء حرب اليَمَن؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا وراء حرب اليَمَن؟

الكاتب د. محمد علي حامد

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1979

مشاهدات 84

نشر في العدد 440

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 10-أبريل-1979

  • ما العوامل التي جعلت اليمن مهيأة لهجوم الرفاق الحمراء؟
  • أين مصلحة أميركا في اليمن؟

فاجأت الأحداث الدامية على الساحة اليمنية الأمة العربية، وأحدثت هزة عميقة وخاصة في البلاد المجاورة لليمنين.. وبدت الرايات الحمراء تخفق عالية على ذرى جبال اليمن الشماء التي صدت المعتدين في الماضي القريب والبعيد. وتحركت الدول العربية مجتمعة في إطار جامعتها العربية لتطوق الأحداث وتوقف امتداد زحف الأفعى الشيوعية التي بدأت تقترب من منابع النفط. وهرعت الولايات المتحدة لتُطمئن أصدقاءها، فأرسلت حاملة الطائرات الضخمة كونستلاشن إلى مياه بحر العرب الدافئة، وأقامت جسرًا جويًّا لإمداد اليمن الشمالي بالسلاح والعتاد. وفجأة انحسر طوفان الدم وأقلعت السماء عن أمطار الأرض بنيرانها من طائرات الميج الحديثة ٢١، وبلعت الأرض أشلاء الشهداء من سكان البيضاء وقعطبة وحريب ودمت، وتعانق قابيل وهابيل، وتشبث القاتل بأخيه المقتول. وابتدأت أنشودة ممجوجة تتحدث عن الوحدة بين شطري اليمن تسجل مرة أخرى أكاذيب الحكام على المحكومين، وإلا فكيف يتحد الذئب بالغنم؟! وكيف تلتقي الأفعى الأبرياء؟ ودماء الشهداء لم تجف بعد، ودموع الثكالى لم تكفكف عبراتها، وأنات الجرحى لا تزال توجع صدر الليل في دمت وحريب وقعطبة والبيضاء، ومياه الآبار التي سممها الرفاق الحمر لا تزال تجد لها ضحية من بين السكان السذج، فإن لم تجد أحدًا من البشر انسابت المياه لتسمم الأغنام والأبقار.. ولتصرع حتى الكلاب.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تحرك الرفاق الحمر في هذه الآونة بالذات؟ وكيف انصاعوا بسرعة مذهلة للمصالحة والوئام؟ وحتى متى يستمر هذا الهدوء المصطنع والمغطى بشعارات الأخوَّة والوحدة؟ ماذا يخطط الدهاة الذين صنعوا هذه الحرب؟

أسئلة عديدة تطرح نفسها، ولعلها تجد جوابًا أو جزءًا من جواب إذا تعمقنا في درس حقيقة الأوضاع الراهنة على الساحة اليمنية بشطريها الشمالي والجنوبي.

أولًا- الوضع الداخلي في اليمن الشمالي:

يعاني الوضع الداخلي اهتراء السلطة وجهاز الحكم، وتفكك الجيش والشعب بين ولاءات مختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ورغم هذا الاختلاف الشديد بين مختلف الفئات المتناحرة، فإن الولاء للدولة والسلطة يكاد يكون محصورًا في أعداد من المنتفعين. وحتى هؤلاء لديهم القدرة على تغيير الولاء عند أي بادرة في تغيير الوجوه، وبالفعل سقط بعضهم بسبب سوء تقديرهم للأحداث وتصورهم أن الدولة الحالية قد انهارت، فبادروا بتبديل ولاآتهم قبل الأوان.

وهناك رأي عام غير راض عن الدولة عمومًا بسبب تفشي المحسوبيات والفساد والرشوة والغلاء الفاحش؛ إذ تُعد صنعاء ثالث أغلى دولة من حيث المعيشة في العالم. كما أن هناك من يشير بإصبع الاتهام لسدة الحكم بأنها ضالعة في جريمة اغتيال الحمدي، الذي كان يتمتع بشعبية واسعة، والذي ازدادت شعبيته بعد وفاته في كلا اليمنين. واغتال الرفاق الحمر الرئيس الغشمي انتقامًا كما يزعمون لقتل الحمدي، ثم أقاموا المحاكمات الصورية لمحاكمة الرئيس الحالي علي عبد الله صالح باعتباره شريكًا في الولوغ في دمه. 

وحتى بعض شيوخ القبائل الذين يعتبرون في أقصى اليمين، وجدوا لهم مرتعًا خصيبًا مع الرفاق الحمر الذين أحسنوا استقبالهم وأمطروهم بالسلاح الروسي والمال الليبي المعمري. 

ولم يكتف الرفاق الحمر بذلك، بل أرسلوا المخربين والثوريين الذين يسممون الآبار التي يشرب منها القرويون السذج ومواشيهم، كما أنهم زرعوا الألغام على هيئة علب الحلوى والأقلام حتى تنفجر في صدور الأطفال الذين يقفون حجر عثرة في سبيل التقدم والتطور!

ومما يزيد الموقف تعقيدًا أن كثيًرا من الولاءات القبلية اتخذت موقف المعارض للدولة، أو على الأقل موقف المتفرج؛ ذلك لأن سدة الحكم قد وُضعت -كما يعتقدون- في شخص غير مناسب، وأنه قد فُرض عليهم بتأثير بعض الأصدقاء رغمًا عنهم! 

وأدى ذلك كله إلى تفكك الجبهة الشعبية في وجه المد الشيوعي القادم من عدن، كما أدى تعدد الولاءات في الجيش إلى انفصام وحدته عبر الولاءات المتعددة التي يقع كثير منها خارج نطاق اليمن بأسره.

كل هذه العوامل جعلت اليمن الشمالية مهيأة لهجوم كاسح من الرفاق الحمر، الذين ينتظرون هذه الفرصة لتسوية حساباتهم القديمة مع القوى الحاكمة في اليمن الشمالي.

ثانيًا- الوضع في اليمن الجنوبية:

تواجه اليمن الجنوبية ذاتها انقسامًا بين فصائل الرفاق منذ القيام بالعملية القذرة الجريئة التي تخلصوا بواسطتها من الرئيس الغشمي في اليمن الشمالية، والرئيس سالم ربيع علي في اليمن الجنوبية.

وقد كانت عملية الغشمي بواسطة حقيبة أُرسلت مع المبعوث الشخصي للرئيس سالم ربيع علي، عملًا إجراميًّا تم بإشراف المخابرات السوفيتية التي قدمت الحقيبة الملغومة هدية للرفاق، ثم دَكَّت بعد ذلك طائرات الميج والرفاق الكوبيون معقل الرئيس سالم ربيع علي عندما أثبت قدرة على القتال والصمود في وجه الرفيق عبد الفتاح إسماعيل.

ونتيجة لتغلغل نفوذ الرئيس السابق، فإن حكومة عدن الحمراء واجهت حربًا ضروسًا قبل أن تتمكن من السيطرة على الحكم، ثم واجهت بعد ذلك حرب عصابات في المحافظة الثالثة التي كانت مصدر قوة الرئيس السابق، كما أن قطاعات كاملة التجأت إلى اليمن الشمالية.

وبما أن وضع الشمال قد وصل إلى أسوأ نقطة، فإنه من المفيد جدًّا لعدن في هذه المرحلة أن تصفي خلافاتها الداخلية بالمبادرة بالهجوم على حكومة صنعاء؛ خصوصًا وأنه في جو الحرب والخطر الداهم تتوحد فصائل الرفاق على اختلافها لتواجه خطر الإمبريالية والرجعية إلى آخر المعزوفة الممجوجة. كما أن مثل هذا الهجوم يشد أزر الثوريين الشماليين على اختلاف تنظيماتهم ابتداءً بالناصريين والبعثيين ومرورًا بالشيوعيين والقوميين وانتهاءً بالقبائل المرتزقة والموتورة، التي تريد أن تصفي خلافاتها القبلية بأن تلقي بنفسها في مستنقع الخيانة والتحالف مع الرفاق الحمر الذين سيقومون في المستقبل القريب بالتخلص منهم باعتبارهم ممثلين للرجعية والعشائرية والإقطاع.

ثالثًا- مصالح القوى الدولية:

وهي أهم العوامل -في نظري- في توقيت الحرب. فقد جاء في مقال طويل نشرته جريدة عكاظ بقلم رضا محمد لاري في ١٢- ٤- ١٣٩٩هـ خلاصته أن الحرب بين اليمنين وراءها اتفاق بين العملاقين، ومصلحة روسيا لا تحتاج إلى إيضاح، فإثارة القلاقل والفتن والثورات هي التي لا تحيد عنها روسيا منذ قيامها. والاقتراب من منابع النفط أملٌ يراود السوفيت منذ أمد بعيد، خاصة بعد أن وطِئت أقدامهم أرض اليمن الجنوبية وتوطدت قواعدهم في إثيوبيا وأنجولا، ووصلت بوارجهم إلى شواطئ بحر العرب الدافئة في عدن والملأ وسقطرة.

ولكن الذي يحتاج إلى إيضاح هو مصلحة أمريكا، ذلك العملاق الضخم الذي يتخبط في سياسته من بعد هزيمته في فيتنام وإيران.

وأول مصلحة لأمريكا هي بيع السلاح المخزون الذي رفضته إيران الخميني بأغلى الأسعار، وبشرط أن يستخدم فورًا في معركة يخسر فيها الغالب والمغلوب، وألا توجه منه طلقة واحدة إلى العدو الحقيقي وهو إسرائيل، وأن يدفع الثمن نقدًا ليسدد عجز ميزان المدفوعات الأمريكي الذي يتفاقم يومًا بعد يوم.

والمصلحة الثانية والأهم: هي التمهيد لعملية السلام المنفرد بين مصر وإسرائيل وبشروط إسرائيل كاملة. وحتى لا تضطر الدول الغنية بالبترول إلى قطع معوناتها عن مصر حسب مقررات مؤتمر بغداد، فإن على أمريكا أن توجد معادلة جديدة تضطر بموجبها الدول البترولية أن تراجع حساباتها قبل أن تقطع عن مصر معوناتها الاقتصادية الهامة التي تبلغ بليوني دولار كل عام، والتي بدونها تعلن مصر إفلاسها وخاصة بعد ازدیاد دیون مصر إلى الحد الذي جعل تسديد أرباح الديون فقط يستقطب ميزانية مصر بأكملها.

والتلويح بالخطر الشيوعي واقترابه من منابع البترول، ثم دفع الرفاق الحمر في عدن إلى معركة غير متكافئة مع جيرانهم يؤدي إلى قلق بالغ لدى الدول المتاخمة. وخاصة أن قوت عدن لا تقاتل وحدها، وإنما يقاتل معها الرفاق الروس والكوبيون. كما أن المال الليبي مستعد دائمًا لدفع ثمن السلاح الروسي المتقدم الذي تملكه اليمن الجنوبية الآن، وخاصة أنه لن يوجه في أي يوم من الأيام إلى صدر أي جندي إسرائيلي.

والمصلحة الثالثة بالنسبة لأمريكا هي تدعيم نفوذها لدى دول البترول وظهورها بمظهر من يحمي أصدقاءه فيرسل الأسلحة الحديثة والمتطورة إليهم. كما أنها تستعرض القوة في مياه بحر العرب الدافئة، حيث تبحر حاملة الطائرات كونستلاشن من بحر الصين متجهة صوب بحر العرب. 

وفي مقابل هذه الأعمال الدفاعية عن الأصدقاء، فإن الأمريكان لا يطلبون إلا اليسير من أصدقائهم، وعلى الأصدقاء أن يدركوا أن ثمن البترول ينبغي أن يبقى متدنيًا حتى لا يسبب أزمة في الاقتصاد العالمي، كما أن على الأصدقاء أن يدركوا أن الشقيقة مصر تعاني وحدها الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تطحن الشعب المصري طحنًا، والتي لن تفي اتفاقية السلام مع إسرائيل بدء غائلتها، بل على العكس ستزداد الأزمة تفاقمًا إذا قطعت الدول الشقيقة الثرية معوناتها الاقتصادية عن مصر.

والمصلحة الرابعة: هي تدعيم النفوذ الأمريكي في اليمن الشمالي ووجود ثلاثمائة خبير في الجيش اليمني، وإيجاد جيش يمني حديث يستوعب السلاح الهائل الذي سترسله أمريكا وستدفع ثمنه المملكة العربية السعودية والبالغ قدره أربعمائة مليون ريال فقط!!

وهذا كله يضمن ألا يظهر في اليمن خميني آخر يثير القلاقل باسم الدين، وخاصة أن رجال القبائل قد أثبتوا أنهم الوحيدون القادرون على صد العدوان الشيوعي، كما أن قابليتهم للإسلام والتمسك به لا تزال قوية رغم الجهالات القبلية. 

وحتى لا تضطر الدول الصديقة لليمن الشمالية مع رجال القبائل الأشداء الذين يمكن أن يصبحوا قوة حقيقية للإسلام، فإنه من الأفضل إيجاد جيش حديث يكون أغلب الضباط فيه علمانيين، ولا يهم بعد ذلك أن يكونوا بعثيين أو ناصريين أو حتى قوميين. 

وخلاصة القول: إن حرب اليمن الخاطئة قد حققت هذه المصالح مجتمعة لأمريكا وروسيا وللرفاق الحمر في عدن، حتى إسرائيل استفادت فائدة ملموسة في تمرير صلحها مع مصر دون أن يواجه معارضة فعالة، وهي المعارضة التي كان قادرًا أن يفرضها المال العربي. 

ولا بد من جولة أو جولات أخرى إذا بدا أن الجيران الأثرياء لم يستوعبوا درس اليمن على حقيقته ضمن قواعد لعبة الأمم.

والخاسر الوحيد في ذلك كله هو الشعب اليمني نفسه، وربما نجح المخطط الرهيب في تطويق المد الإسلامي قبل أن يستشرى، ولكن ذلك مرهون بالغيب. وربما أتت الأحداث بعكس ما قصد له صانعوها. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة الأنفال: 30).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

238

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!