العنوان ماذا وراء محاولة شق الأحزاب اليمنية؟
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 47
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
أعلن في اليمن -خلال الأسبوعين الماضيين- عن انضمام مجاميع من أعضاء الأحزاب اليمنية إلى حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، فيما بدا أنه تصعيد جديد في الخلافات بين الأحزاب اليمنية مع اقتراب موعد الانتخابات وجدير بالذكر أن الحياة السياسية في اليمن بعد الوحدة في الفترة الانتقالية ۹۰- ۱۹۹۳م قد اتسمت بظاهرة تفريخ الأحزاب الصغيرة أو شق الأحزاب القائمة، وهو ما كان تعبيرًا عن الصراع بين الحزبين الكبيرين آنذاك: المؤتمر والاشتراكي، حيث حرص كل طرف منهما على تقوية نفوذه بتكوين جبهة سياسية، تضم أحزابًا موالية ونقابات تابعة تدعم خطابه الإعلامي والسياسي.
وقد ساعد على انتهاج ذلك الأسلوب، حالة القلق السياسي والارتباك الاجتماعي الذي ساد اليمن في تلك الفترة في أعقاب توحد شطري اليمن في نظام جديد أتسم بتعدد الإرادة السياسية وانقسام الجيش بين الحزبين، فبرزت دولة مشوهة التكوين عاجزة عن حسم كثير من القضايا الهامة، فأنعكس ذلك على هيبة النظام وعجز أجهزته عن ضبط الأوضاع السياسية والاقتصادية والزمنية.
في تلك الأوضاع، كانت عملية تفريخ الأحزاب أو شقها هي إحدى صور الصراع بين قطبي السلطة، لكن هزيمة الحزب الاشتراكي في الحرب وفقدانه لنفوذه في أجهزة الدولة أدى إلى تضاؤل أهمية هذه الصورة من صور الصراع السياسي. وإن كانت المعارضة لنظام صنعاء ظلت تتهمه بأنه مسؤول عن الانشقاقات التي ظهرت في أعقاب الحرب في حزب البعث العراقي الذي أنشق إلى جناحين، وفي ظهور تيارات تزعم وراثتها للحزب الاشتراكي إلى جوار الجناح الرئيسي القائم الآن بزعامة علي صالح عباد. وعلى الرغم من صحة هذا الاتهام نسبيًا، إلا أن الوضع لم يكن بالخطورة التي كانت عليها الحالة قبل الحرب باستثناء ما حدث للبعثيين الذين شهدوا أعنف انقسام منذ انشقاقهم في نهاية الستينيات.
بعبع الانتخابات
ومنذ أن بدأت العملية الانتخابية في يوليو الماضي شهد المجتمع السياسي في اليمن مرحلة من الانتعاش المتوتر الذي أفرزه الخطر الذي شعرت به الأحزاب السياسية من الهيمنة التي مارسها حزب المؤتمر أثناء المرحلة الأولى للانتخابات والخاصة بتسجيل أسماء الناخبين الجدد ومنح البطاقات الانتخابية للقدامى الذين شاركوا في انتخابات ۱۹۹۳م.
وقد عكست مجريات الأمور في المرحلة الأولى للأحزاب السياسية حقيقة الهدف الذي يسعى إليه حزب المؤتمر وهو الهيمنة المطلقة على مجلس النواب والحصول على ثلثي مقاعد المجلس الضمان السيطرة الكاملة- ودون أي معارضة جادة- على السلطة في البلد، حتى في حالة تشكيل حكومة موسعة، لكنها سوف تكون بشروط المؤتمر الحاسمة.
ومن نافلة القول التذكير بأن انضمام التجمع اليمني للإصلاح إلى المعارضة الرافضة للخروقات الانتخابية قد أفرز وضعًا جيدًا له من القوة الشعبية والسياسية ما يهدد تفرد حزب المؤتمر بتيسير الأمور، وكاد الوضع الجديد- لولا حرص الإسلاميين- يتحول إلى عملية استقطاب بين جناحين متواجهين، مما يدخل الوضع السياسي في مواجهة جديدة تزيد من مستوى التوتر الموجود بالفعل.
وفي هذه الأجواء تتابعت الأنباء الرسمية من لانضمام مجاميع كبيرة من أعضاء أحزاب المعارضة -وخاصة الاشتراكي- إلى عضوية المؤتمر الشعبي العام في عدد من مناطق اليمن، ووصل الأمر إلى ذروته بالإعلان عن انضمام مجاميع من الإصلاح نفسه إلى حزب المؤتمر وفي السياق نفسه ذكرت صحيفة ناصرية معارضة أن مجاميع من أعضاء المؤتمر الشعبي أعلنت انشقاقها من الحزب احتجاجًا على أوضاع خاطئة وممارسات غير سليمة.
وبالطبع، فإن أقرب التفسيرات للقبول هي أن حزب المؤتمر الشعبي يسعى من خلال تبني الانشقاقات إلى ممارسة نوع من التهديد السياسي للأحزاب التي تتهمه بمسؤوليته عن أحداث التزوير التي شهدتها المرحلة الأولى للانتخابات.
وبالطبع فإن الخطاب الإعلامي للمؤتمر يقدم ما يحدث باعتباره اقتناع جماعي بالخط السياسي المعتدل الذي يمثله في اليمن، فيما تصفه الأحزاب المستهدفة بأنه عودة إلى عهد الحزب الواحد والهيمنة الشمولية التي تهدف إلى إلغاء الآخر والالتفاف على التعددية السياسية وتهميش الأحزاب المعارضة باستخدام إمكانيات وسياسة الترغيب والترهيب لتحقيق ذلك.
ومع أن أحزاب المعارضة قد حصلت على اعتراف قانوني يضعف أي محاولة لسحب شرعيتها منها، إلا أن الهدف الحقيقي للعبة كلها يرتبط بالحسابات الانتخابية التي هزت اليمن مبكرًا أكثر مما يرتبط في نزع شرعية الأحزاب المعترف بها قانونيًا.
وفي حالة ما حدث في نهاية أكتوبر الماضي من الإعلان عن انضمام هيئات الحزب الاشتراكي كاملة إلى المؤتمر، فالحادث نفسه لم يكن ليحمل قيمة حقيقية، لكن تسليط التلفاز اليمني الرسمي- والصحافة الرسمية- الأضواء على ما حدث و إبرازه كخبر رئيسي قد أستثار سخط الآخرين لاستخدام وسائل الإعلام الرسمية لتحقيق أهداف حزبية بصورة فجة، فيما يفترض الحياد الكامل بين جميع الأحزاب بالإضافة إلى ذلك، فقد حدث إعلان الانضمام في لاحتفال حكومي كان مخصصًا لافتتاح مشاريع خدمية بحضور رئيس الوزراء ومحافظ صنعاء، لكن أنصار المؤتمر حولوا الاحتفال إلى مناسبة حزبية، وبالطبع فإن الحادث لم يكن عفويًا ولا سيما إذاعته في التلفاز وإبرازه في الصحافة، فلا شك أن العملية قد تم الإعداد لها على مستوى كبير في الدولة وأنها كانت ردة فعل غير محسوبة تمامًا.
ويبدو أن استنكارات قوية قد وصلت إلى مستويات قيادية عليا في صنعاء، فقد امتنع الإعلام الرسمي عن إذاعة أي شيء عن الاحتفال إليه وأكتفى المؤتمرون بنشر الخبر في صحيفتهم الحزبية بصورة أقل إبرازًا من حادثة الاشتراكي.
وفي كل الأحوال، فإن اكتساب الأحزاب الوضعية قانونية يقلل من خطورة التآمر عليها، لكن العملية كلها تؤكد الاتهامات التي ترددها المعارضة والإصلاح بأن اليمن مهدد بعهد جديد من الهيمنة الحزبية التي تفرض سيطرتها على كل شيء في البلد ابتداءً من السيطرة على مجلس النواب القادم إلى شق الأحزاب القائمة وتحجيمها لكيلا تشكل معارضة جادة في المستقبل.