; ماذا يجري في إرتريا؟.. خفايا الانقسام داخل قوات التحرير الشعبية | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يجري في إرتريا؟.. خفايا الانقسام داخل قوات التحرير الشعبية

الكاتب إدريس محمد نور

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1976

مشاهدات 70

نشر في العدد 301

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 25-مايو-1976

البحر الأحمر هو الموضع الملتهب الآن في جسم المنطقة كلها.. والساحة الإرتيرية هي محل الاهتمام الحالي.. فقد انخرقت خيمة التعتيم الإعلامي التي حجبت الثورة المستعرة خمسة عشر عامًا.. لتحتل تطوراتها مكان الصدارة في الإعلام والمحافل الدولية. 

ماذا يجري الآن داخل جبهة التحرير الإرترية؟ 

كان ذلك السؤال هو مادة الصحافة مؤخرًا. وحتى نضع الحقائق بوثائقها أمام القارئ، علينا أن نجيب أولًا على: ماذا يجري داخل الساحة الإرترية؟ 

نشرت «المجتمع» قبل أسابيع وثيقة إثيوبية خطيرة فضحت نوايا المخطط الإثيوبي على الجبهة الإرترية وجبهة جيبوتي عسكريًا ودبلوماسيًا. ثم جاءت الأيام لتثبت صحة الوثيقة السرية. فها هي المسيرة الإثيوبية تتحرك صوب المنطقتين الغربية والساحلية في إرتريا لاستيطانها وإجلاء المواطنين الإرتريين عنها- وتفيد آخر الأخبار أن هجوم الجيش الإثيوبي لتحرير الطرقات خارج العاصمة أسمرة قد مني بالفشل الذريع ولم يتمكن من فتح الطريق أمام مسيرة الإثيوبيين المستوطنين.

لكن الهجوم الأخطر أثرًا ليس هو الهجوم العسكري- فالثورة الإرترية طالما تمنت المواجهة مع الجيش الإثيوبي خارج قلاعه في المدن- وهي دائمًا على استعداد لخوض المعارك معه.. وتلك هي مهمتها.

وإنما الهجوم الخطير فعلًا هو المناورة الدبلوماسية الماكرة التي يلعبها الآن عسكر أديس أبابا «الدرق» يشق الصف الإرتري بالحديث عن التعاون المطلوب مع «العناصر التقدمية» داخل الشعب الإرتري. فمنهي هذه العناصر التقدمية؟؟ 

إن الرئيس تفرى بنتي لا يلقى القول جزافًا فهو قد حصر سلفًا قطاعًا معينًا داخل الثورة الإرترية وجس نبضه واطمأن إلى جانبه قبل أن يطلق دعوته الماكرة- وأصبح من الضروري كشف هذه الفئة «التقدمية» وتعريتها. 

تتحدث الأخبار عن انقسام وقع داخل صفوف قوات التحرير الشعبية- أحد جناحي جبهة تحرير إرتريا والذي تشكل بالتقريب في عام ٧١ من ثلاث فئات منشقة على «القيادة العامة» وقتها هي: شعبية رقم «1»، وقوات عوبل، ومجموعة أسياس أفورقي. ولما حاصرت قوات المجلس الثوري قوات عوبل وتمت تصفيتها إبان الحرب الأهلية عام ۷۲ أصبحت قوات التحرير الشعبية تستند على نفوذ عثمان صالح سبى من الخارج «كان ولا يزال يرأس البعثة الخارجية» وعلى قيادة «أسياس» في الداخل الذي تولى قيادة الميدان «الهيئة الإدارية» وظل «أسياس» وهو مسيحي ماركسي الميول يعمل على توسيع قاعدة قوات التحرير الشعبية بأعداد من أبناء عقيدته فحشد فيها قطاعات كبيرة من المسيحيين. كما استمال بعض الماركسيين واندفع عثمان سُبي في تنافسه مع قيادة الجناح الآخر من الجبهة «المجلس الثوري» يغرق الساحة بالسلاح والعتاد لصالح مجموعة «أسياس» حتى أصبحت قوة يحسب لها حساب. 

بعد الهجوم المظفر الذي قادته الثورة على العاصمة «أسمرة» في العام الماضي برزت بعض المعطيات الإيجابية التي أفرزتها وحدة الصف خلال القتال.. كان أعظمها الشعور الوطني بضرورة الوحدة وجمع الشمل ونبذ الشقاق العقيم بين جناحي الثورة والذي لم يعد له مبرر على الإطلاق. وجرت محاولات منذ العام الماضي وتمت لقاءات في دمشق وبغداد وكانت جميعها موفقة وواعدة.. ثم توجت بلقاء الخرطوم حيث تم الاتفاق على الوحدة الكاملة وصدرت مقررات بذلك كلف الوفد الموحد واللجان المشتركة بمتابعة تنفيذها.

على أنه قد لاحظ المراقبون أن قيادة الميدان أو الهيئة الإدارية لقوات التحرير الشعبية «مجموعة أسياس» والتي ظلت راضية عن تطورات الوحدة إلى ما قبل مؤتمر الخرطوم. قد تخلفت عن اجتماعات الخرطوم.. كما فوجئ المراقبون ببيان صدر بعد ذلك بفترة قريبة يتحدث عن اجتماع عقد في «شمال بحري» بإرتریا لكوادر مسيحية في غالبيتها يتهجم على البعثة الخارجية لقوات التحرير الشعبية «بقيادة عثمان سبى» ويرفض الاعتراف بقرارات مؤتمر الخرطوم الوحدوية كما يعلن انتهاء العلاقة نهائيًا مع البعثة الخارجية لقوات التحرير الشعبية. كما لوحظ أن البيان لا يتحدث باسم «الهيئة الإدارية» لقوات التحرير الشعبية إنما اتخذت لها اسمًا جديدًا هو «قيادة قوات التحرير الشعبية». 

لقد تمت اجتماعات بين الهيئتين: «البعثة الخارجية» و «الهيئة الإدارية» في محاولة للتفاهم ورأب الصدع ولكن هذه الاجتماعات انتهت إلى الفشل بل إلى القطيعة التامة.

هنا انفجر الموقف وانفرط العقد داخل تنظيم قوات التحرير الشعبية- التنظيم الذي كونه عثمان صالح سُبي مسؤول العلاقات الخارجية الأول وأحد المؤسسين لجبهة تحرير إرتريا وثورتها المسلحة وأبرز قادتها بعد أن اختلف مع القيادة العامة عام ٦٧- ٦٨- ٦٩- ٧٠ حول التنظيم العسكري والإداري الجديد للجبهة وحول المؤتمر الأول. ثم قام بتشكيل قوات التحرير بالتعاون مع «أسياس» ووضع تحت تصرفه جميع إمكانيات الثورة الإرترية وعلاقاتها في الخارج ما عدا «مكتبي بغداد ودمشق» حتى نمت وأصبحت جناحًا ينافس التنظيم الأم لجبهة تحرير إرتريا والذي عرف فيما بعد «بالمجلس الثوري» القيادة الجديدة التي انبثقت بعد المؤتمر الأول وخلفت «القيادة العامة». وكان يرأسه زعيم الجبهة السابق إدریس محمد آدم رئيس البرلمان الإرتري ويرأسه حاليًا أحمد ناصر.

بعد أن انفجر الموقف داخل قوات التحرير الشعبية قالت «الهيئة الإدارية» إنها فصلت عثمان صالح سبى من منصبه كمسؤول البعثة الخارجية وبعض مسؤولي المكاتب الخارجية. وردت البعثة الخارجية ببيان آخر نفت فيه أن يكون عثمان قد أقيل من منصبه كما هاجم البيان الموقف الغامض والانقسامي للهيئة الإدارية من مسألة الوحدة. وأعقب ذلك بيان صادر عن بعض كوادر الميدان «وردت أسماؤها في بيان شمال بحري لكوادر الشعبية» وهم محمد عمر عبد الله- أبو طيارة وصالح محمد إدريس- أبو عجاج يدينون فيه مجموعة أسياس ويعلنون عن تضامنهم مع الوحدة.

أما في الخارج فقد تمكن عثمان صالح سُبي من السيطرة على معظم ممتلكات التنظيم- حيث انشق عليه من أعضاء البعثة الخارجية ثلاثة مسؤولي مكاتب فقط: مسؤول بيروت وقد تمت السيطرة على المكتب وغادر المسؤول إلى الكويت. مسؤول عدن وهذا واقع تحت سيطرة النظام الشيوعي في عدن الذي بدأ يتعاطف مع إثيوبيا «الماركسية» ويبتعد عن الثورة الإرترية. «وقد أغلق المكتب نهائيًا الآن» مسؤول الكويت وقد كسب عثمان تأیید القاعدة الإرترية الموجودة في الكويت- العمال، مع- الطلبة- لحد كبير نظرًا لتعاطفهما مع الوحدة الوطنية. كما قام سكرتير المكتب بالاستيلاء على ممتلكات البعثة الخارجية في المكتب وسلمها لقيادة البعثة- وقامت البعثة الخارجية بفصل جميع هؤلاء المنشقين وتم استبدالهمبمسؤولين آخرين. 

ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الانقسام.. وما هي آثاره؟؟

ذكرنا في مقدمة المقال أن المجلس العسكري الحاكم في إثيوبيا قد أعلن عن عزمه على الاتفاق مع العناصر التقدمية في صفوف الإرتريين- وقد ثبت لنا «بالوثائق» أن مسؤول- الهيئة الإدارية- لقوات التحرير الشعبية أي قائد الميدان وهو «أسیاس أفورقي» أبرز الوجوه المسيحية في الساحة الإرترية اليوم- قد اجتمع مع وفد إثيوبي يمثل حزب الشعب الثوري الإثيوبي وهو حزب شيوعي غير عسكري تم استيعابه أخيرًا في النظام الحاكم مع غيره من التنظيمات الشيوعية. بعد القرارات التي أذاعها المجلس العسكري الحاكم «الدرق» وأتاح فيها الفرصة للأحزاب لتعمل ضمن جبهة ثورية موحدة لحماية النظام. وقد أسفر هذا الاجتماع عن بیان صدر في نهاية المحادثات يعلن عن اتفاق کامل حول الآتي:

  1. المسألة الإرترية ليست مسألة قومية.
  2. حزب الشعب الثوري الإرتري يؤيد نضال قوات التحرير الشعبية لأنها «ستحقق الثورة الديمقراطية الجديدة التي تترجم آمال وطموحات العمال والفلاحينوالجماهير المعدمة».

بالمقابل «فإن قوات التحرير الشعبية تؤيد نضالات حزب الشعب الثوري الهادفة إلى تحقيق الثورة الديمقراطية الجديدة في إثيوبيا.

       3-تدين الحركات القومية الرجعية «أي ثورات المسلمين مثل العفر والقاللا والصوماليين «أوقادين» المحرر» أو غيرها من الحركات التي ترمي إلى تمزيق وحدة الجماهير الإثيوبية وتعهد التنظيمات بتقديم المساعدات العسكرية والمادية بعضهما البعض وتبادل الآراء والخبرات.

كان ذلك في 3/ 3/ 1976.. في الساحة الإرترية.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أن تفكير «أسياس أفورقی».. لا تحكمه المبادئ القومية إنما يحكمه شیئان: 

  1. طبقية الصراع- فالمسألة الإرترية ليست مسألة قومية ولكنها ثورة العمال والفلاحين الهادفة لتحقيق الثوة الديمقراطية الجديدة «التي يمكن أن تتوحد مستقبلُا مع صيغتها الإثيوبية»- ثم إن ديباجة البيان تلغي أي وجود لكيان إرتري تاريخي، وتعزى الكيان الإرتري الغزو الإيطالي الذي اكتفى في بعض مراحله باحتلال هذا الإقليم ثم لعبة الفيدرالية التي صنعها الاستعمار البريطاني والأمم المتحدة. 

إذن فمفهوم الثورة لدى «أسياس» هو مفهوم ماركسي طبقي وليس هناك أي اعتبار للشعب الإرتري وقوميته ووطنه.

       4- التعاطف الطائفي والسياسي مع الأحباش 

فهو ينشق عن الوحدة الإرترية مع رفاقه المسلمين الإرتريين ويتعاطف مع عشيرته المسيحية في إثيوبيا تحت ستار جدید هو الماركسية.. تمامًا كما يتطلع نصارى الكتائب في لبنان إلى الغرب ويحاربون إخوانهم في الوطنية والقومية من المسلمين ومثلما يتستر اليساريون اللبنانيون في مظلة الإسلام لتتشابك خطوطهم شيوعيون وبعثيون وقوميون.. إلخ

القضية هي هي.. فكما كان الإمبراطور النصراني هيلاسلاسي يستميل نصارى إرتريا مستغلًا اللعبة الطائفية. فإن المجلس العسكري الحاكم- الشيوعي- يستغل الطائفية بصيغة ديماجوجية جديدة هي- التقدمية- لماذا رفض «أسياس» الوحدة الوطنية مع المجلس الثوري وفضل شق قوات التحرير الشعبية شقًا طائفيًاعلى الوحدة؟

وكيف ومن أين له أن يضمن استمرار الدعم المادي بالسلاح والغذاء والعتاد بعد أن خسر البعثة الخارجية.. وهو يعلم أيضًا جميع الدعم يأتي للثورة من الدول العربية وأنها جميعًا مع الوحدة الإرترية؟!

الإجابة على هذين السؤالين تكشف الأسرار الخطيرة لاتجاهات الانقسام ومستقبله.. «فأسياس» قد رتب مسبقًا مستقبل جماعته وضمن الدعم من الجهات التي عمل الانقسام لمصلحتها: وهي 

  1. إثيوبيا
  2. المعسكر الشيوعي

ولعل إعلان الرئيس الإثيوبي عن نية الاتفاق مع التقدميين الإرتريين. ثم موقف عدن الجديد من الثورة الإرترية والاتفاق الذي أبرمه أسياس مع حزب الشعب الثوري الإثيوبي وما يمكن أن يكون قد وصل إليه من اتفاقات مماثلة مع المعسكرالشيوعي الدولي- لعل ذلك كله هو الذي أغرى «أسياس» وجماعته الطائفية الانعزالية...! بالتمرد على الوحدة الإرترية والاستغناء عن البعثة الخارجية وتفادي الاتفاق مع المسلمين الإرتريين وتعميق الجرح الطائفي.

بقي أن نشير إلى موقف بعض المسلمين القلة الذين وقفوا مع انحرافه الطائفي-وأبرزهم الممثل السابق لقوات التحرير الشعبية في مكتب الكويت فهؤلاء تحكمهم اعتبارات المصلحة الشخصية وحدها.. لأنهم في السابق كانوا ينعمون بصلاحيات إقطاعية في إدارة مكاتبهم وقد خشوا أن تعصف الوحدة الجديدة بمصالحهم والصلاحيات الفوضوية التي كانوا يسيرون بها الأمور حسب مصالحهم الخاصة- لأن الوحدة ستقضي تنظيمًا جديدًا ومراجعة الحسابات والأوضاع- من هنا فقد أصابهم الذعر وأثروا هدم المعبد عليهم وعلى الجميع- إلا أن مصير هؤلاء محتوم لأنهم اختاروا الوقوف ضد إرادة الجماهير الإرترية الطامحة إلى الوحدة والتي ترفض الهوس الطائفي.. واختاروا إحراج الدول العربية التي يهمها أن ترى الشعب الإرتري موحدًا وثورته منطلقة من مصالحها الذاتية لا من الضغوط الخارجية والولاء للنفوذ الأجنبي والمفاهيم السياسية المستوردة.

يستجيرون بالدين!

بعد أن ذبلت شعارات الثورة الاشتراكية وصداقة السوفيات والتقدمية و.. و.. إلخ لجأ الحكام العرب إلى التضليل باسم الدين.. فقد أصبح الدين بعد الخراب أذى ألحقوه بروح الأمة وضميرها ومعنوياتها هو السلعة الرائجة والبارق السحري الذي تهفو له الجماهير في هذا الواقع المؤلم.. أصبح الذين نصبوا أنفسهم قضاة ذات يوم ليحاكوا الدعوة الإسلامية وينفذوا الحكم الجائر بأيديهم الملطخة هم الحاكمون بأمر الله.

مهما تكن وإياكم فنحن فالتشريعات الدينية الجديدة مقبولة.. لأنها مشاعر الأمة فرضت إرادتكم عليكم وانتصر الدين رغم أنوفكم وأصبحتم محكومين وأنتم تجلسون على الكراسي وتتشبثون بها بأید مرتعشة وقوى خائرة.

وأصبح الدين هو الترس الوحيد الذي يجدي.. فإذا بكم تحملونه عله ينجيكم منغضب جماهيركم المتمردة والتي سئمتالإفك والألاعيب والتضليل.. فإذا بكم الواحد بعد الآخر ترفعون المصاحف على أسنة الرماح.. ولكن الناس وعت هذه اللعبة.

ولأول مرة في التاريخ يقف أحدهم ليعترف ضمنًا بأن بطانته ما هي إلا مجموعة من السكارى والمساطيل والمخدرين.. وينذرهم على مسمع من العالم أجمع بأن يبطلوا السكر أو يستقيلوا... ونحن نعرفهم بالواحد فهم مدمنون وليت بعض الناس يتذكر قول الشاعر: 

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها                 فإذا انتهت عنها فأنت حكيم

وإذا كانت هذه المشكلة.. «مشكلة الحاشية السكرانة» هي أصل البلاء وعائق الأداء وأساس فشل التنمية فلماذا الصاحين الذين حرموا الخمر على أنفسهم تضيق بهم غياهب السجون والسكارى في مراكز المسؤولية والحكم والأجهزة الحساسة؟؟ وأي صدفة منحوسة ذلك التي أحدثت هذه المفارقة المحزنة؟؟ 

ابدأ بنفسك وانهها فإذا انتهت فعند ذلك أنت حكيم!.

الرابط المختصر :