; ماذا يجري في ليبيا؟ هل يوقف «العقيد» «قطار الموت»؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يجري في ليبيا؟ هل يوقف «العقيد» «قطار الموت»؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983

مشاهدات 67

نشر في العدد 610

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 01-مارس-1983

- الحشود الليبية، وطائرات الأواكس، والإنذار المصري، هل هي حقائق أم تمثيليات؟

 أعلن الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي مؤخرًا أنه لا بد من إيقاف «قطار الموت» الإسرائيلي، وفي الوقت الذي كان فيه قطار الموت الإسرائيلي يزحف على لبنان، ويقتل المسلمين من الفلسطينيين واللبنانيين دون سواهم- كان العقيد معمر القذافي يطلب من الذين يتعرضون للموت أن «ينتحروا»، وعندما عاتبه ياسر عرفات على هذه «النصيحة»، وقال له: «لو أنك نفذت ما اتفقنا عليه» من تزويدنا بالغطاء الجوي، وإمدادنا بالمدفعية بعيدة المدى والصواريخ المتطورة؛ لكان أفضل من هذه النصيحة «المرفوضة» جملة وتفصيلًا، ولو أن القذافي أقنع زميله في جبهة الصمود والتصدي القريب من لبنان بأن يفتح حدوده أمام المتطوعين المسلمين إلى لبنان، وأمام الإمدادات العسكرية والمساعدات الطبية- لو أن القذافي فعل ذلك لأسهم بطريقة فعالة في إيقاف قطار الموت الإسرائيلي.

إما أن يدعو إلى ليبيا مجموعة من قادة التنظيمات الفلسطينية «اليسارية» والمرتبطة في مجملها بأنظمة من مصلحتها -الطائفية أو العقائدية- أن تبقى إسرائيل، وذلك بقصد شق الثورة الفلسطينية وتجزئتها، فهو أمر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوقف قطار الموت الإسرائيلي، بل بالعكس يزيد هذا القطار التهامًا للمسلمين وتقتيلًا لهم.

كيف يوقف العقيد قطار الموت الإسرائيلي ضد المسلمين الفلسطينيين، وهو الذي يزود قطار الموت الحبشي الماركسي الصليبي بما يساعده على قتل المسلمين في إريتريا؟

كيف يوقف العقيد قطار الموت الإسرائيلي وهو يتحالف مع قطار الموت الروسي في أفغانستان المسلمة؟ وقطار الموت الطائفي في بلاد الشام الصامد؟ بل كيف يوقف قطار الموت من يمارس الموت ضد المعارضين من أبناء شعبه الذين لم يستطيعوا أن يستوعبوا التناقض القائم في «كتابه الأخضر» بين القومية العربية والإسلام والاشتراكية؟ كيف نوفق بين قومية عبد الناصر العلمانية، وبين الإسلام بدون سنة نبوية، وبين الاشتراكية بفوضاها الجماهيرية»؟ ثم كيف نستورد السلاح من روسيا، ونصدر البترول إلى أمريكا، ونتعاون مع أعداء الله، ونطلب الوحدة مع تونس، ونتخلى عن الفلسطينيين في لبنان وهم في أشد الحاجة إلينا، ثم نعلن الحرب الكلامية على الإمبريالية، والصهيونية، والرجعية، والإلحاد؟

جيش نظامي أم شعب مسلح؟

إذا كانت فلسطين لا تتحرر إلا إذا تم إنشاء (جيش عربي تحت قيادته هو شخصيًا بالتأكيد)، كما يقول العقيد فلماذا يتم تسريح عشرات الألوف من أفراد القوات المسلحة الليبية النظامية والذين أدوا خدمتهم العسكرية؟ تنسب وكالة الأنباء الليبية التي أذاعت هذا الخبر إلى مصادر ليبية مطلعة قولها: إن هذه الخطوة تؤكد سير ليبيا بخطى إيجابية نحو إلغاء المؤسسة العسكرية النظامية نهائيًا، وإحلال الشعب المسلح محلها ليحل الدفاع الذاتي محل الدور الذي يمكن أن يقوم به الجيش التقليدي.

هل يصلح «إسلام بلا سنة»، و«قومية بلا دين»، و«اشتراكية بلا عدل»؟

إذا كانت هذه هي فلسفة التحرير لدى النظام الليبي، فكيف يمكن التوفيق بينها وبين ما يناقضها من اقتراح -لا معقول- وهو أن يقود القذافي جيشًا عربيًا موحدًا لتحرير فلسطين؟ وإذا كانت الاشتراكية تعني العدالة في توزيع الثروة الوطنية وامتلاك الجماهير لوسائل الإنتاج، فكيف نفسر أن تشتري الحكومة الليبية بيتًا في منطقة نجلوود بولاية نيوجرسي في أمريكا لسكن مندوبها في الأمم المتحدة علي التريكي بمبلغ يربو على المليون دولار، حيث يقع البيت على أرض مساحتها (٤,٧) هكتار، ويحتوي على (٢٥) غرفة، وملعب تنس، وحمام سباحة؟ هل يتفق هذا مع امتلاك الشعب لثروة بلاده؟

وإذا كانت حرية الرأي والقول والكتابة من أبسط مبادئ «الديمقراطية»، فلماذا يندس أحد أعوان السلطة على أحد «المؤتمرات الشعبية» ليقدم اقتراحًا بإصدار عقوبة الإعدام على كل من «يهين اسم القائد معمر محمد أبو منيار القذافي» بحيث ينسحب هذا الحكم على جميع الأعمال التي من شأنها تشويه أي اسم من أسماء القذافي سواء بالكلام، أو بالكتابة، أو بالتعرض لشخصه، أو صورته بأي شكل من الأشكال؟ من الطريف أن يكون هذا الاقتراح عقب تقديم أحد المواطنين للمحاكمة بتهمة إهانة رئيس الدولة، ولما اعترض المحامي بأن «منصب رئيس الدولة خالي» باعتبار القذافي «قائدًا» كان الاقتراح المذكور، والأطرف من ذلك الحوار الدائر الآن حول فرقة القماش الخضراء المستعملة لمسح السيارة أو إزالة الأوساخ والقاذورات، هل هو إهانة لعلم الدولة الأخضر، أم لا؟

المؤتمرات الشعبية وتطبيق الشريعة الإسلامية: 

خلال شهري ديسمبر ويناير الماضيين عقدت عدة «مؤتمرات شعبية» في كل من طبرق، وأجدابية، وزوارة، ومرزق، وسلوق، وقد كانت هناك مذكرات وجداول أعمال قدمها النظام، إلا أن المفاجأة كانت أن النظام في واد، وجماهير الشعب في واد آخر؛ فقد تساءل المواطنون: أين أموال الدولة؟ وكيف تصرف؟ ومن الذي يحاسب الحكومة؟ ولماذا يرغم أبناء الشعب على العيش على الكفاف والحد الأدنى من الغذاء، بينما يربو دخل البترول الليبي عن عشرة بليون دولار سنويًا.

 وحينما ارتفعت أصوات «الأتباع» تطالب بالموافقة على برنامج التصفيات الجسدية ضد معارضي النظام؛ لقيت هذه الأصوات معارضة شديدة من الجماهير المحتشدة باعتبار التصفيات أسلوبًا عقيمًا، ولا إنسانيًا، ولكون المستهدفين من أبناء الشعب الليبي، وليسوا غرباء عن الشعب.

وحين تقدم ممثلو النظام بقانون للأحوال الشخصية يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ووجهوا بمعارضة شديدة أيضًا، ورفض قانونهم جملة وتفصيلًا، ونادى المواطنون بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ورفضت كافة المذكرات التي تتعارض مع الشريعة.

 أزعجت هذه الظاهرة القذافي أيما إزعاج، وصعق لقوة هذا التيار الإسلامي المعارض، ولعجز أجهزته وخطبه عن إقناع الناس بآراء «القائد» «ومقولاته» وتمرير القرارات «الجاهزة» كالعادة، وكان هذا أحد أسباب تأجيل انعقاد ما يسمى «مؤتمر الشعب العام» بصورة غير رسمية ريثما يتم استدراك الموقف.

إشاعات، وتصفيات، واضطرابات:

لوحظ في الآونة الأخيرة أن أجهزة المخابرات الليبية لجأت إلى بث مجموعة من الإشاعات في أوساط الجماهير الليبية، ومن هذه الإشاعات إشاعة تتحدث عن اختفاء عبد السلام جلود، والخويلدي الحميدي، واحتمال موتهما، ثم إشاعة تتحدث عن هروب الخويلدي الحميدي إلى الجزائر، وإشاعة أخرى عن وجود خلافات بين القذافي وأبناء عمومته من أمثال سيد وأحمد قذاف الدم، وعدم رضى سيد قذاف الدم على القذافي، وإصراره على البقاء في أوروبا، وعدم الرجوع إلى ليبيا احتجاجًا على النظام، ثم إشاعات متكررة عن محاولات انقلاب فاشلة، ومحاولات اغتيال القذافي نفسه.

 والغرض من بث هذه الإشاعات أمران:

الأول: التغطية لتمرير بعض الأحداث التي يريد النظام أن يلفت الأنظار بعيدًا عنها، ثم بلبلة الأفكار واختلاط الحقائق حتى يلتبس الأمر على الناس فلا يصدقون شيئًا.

والأمر الثاني: إفقاد الناس الثقة في وسائل إعلام المعارضة، التي ربما تذيع أخبارًا يتبين فيما بعد عدم صحتها؛ فتتزعزع ثقة الجماهير فيها.

ومثال على ذلك إشاعة مقتل عبد السلام جلود في حادث طائرة الذي التقطته صحيفة إيطالية، ونشرته، والذي قصد منه التغطية على تصفية العقيد الطيار نجم الدين اليازجي، ومساعده في حادث طائرة مدير يوم 1983/۱/16، حيث أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أن طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية -رقم رحلتها (۲)- قد فقدت، وانقطع الاتصال بها، والحقيقة أن هذه الطائرة من نوع «جيت ستار» وتستخدم للرحلات الخاصة جدًا، والأرقام التي تستخدم لرحلات هذه الطائرة هي (٠٠١) عندما يستعملها القذافي شخصيًا و(۰۰۲) عندما يستخدمها غيره، وقد انفجرت الطائرة في أجواء ليبيا، وأشيع أن اليازجي كان ينوي الهروب إلى الجزائر، ومن المعروف أن النظام في ليبيا بدأ يشعر تجاهه في الآونة الأخيرة بالشكوك؛ ولذلك وضع في قائمة المنوي تصفيتهم. 

وتؤكد مصادر المعارضة الليبية وجود اضطرابات واسعة النطاق في صفوف الجيش والقوات المسلحة وعدد من الدوائر المدنية في ليبيا، أسفرت عن اعتقال مجموعة كبيرة من العسكريين والمدنيين، وعلى رأسهم العقيد ميلود الرحيبي مساعد قائد تجييش المدن، والرائد الخويلدي الحميدي الذي نقل مؤخرًا إلى وظيفة معاون رئيس الأركان، والعقيد فرج الحضيرة، ومجموعة من الطيارين بقاعدة الأبرق الجوية، والنقيب الذهبي، والضابطة نادية الشلماني، ومحمد عبد العاطي العوكري، كما تم إيقاف عدد من الضباط للتحقيق، من بينهم رجب التركي، وعلي كرموس، والعقيد رضوان صالح رضوان (قائد حملة تشاد ومساعد قائد القوات البرية)، والنقيب طيار عثمان الهمال قائد سرب (ميج ٢٥) وآمر قاعدة أوزو للطيران، كما شملت الاعتقالات العديد من الشخصيات المدنية بما في ذلك بعض الوزراء ورجال القضاء؛ وذلك في محاولة انقلاب كان مقررًا لها أن تنطلق في أول يناير ۱۹۸۳م.

أخيرًا هل كانت الحشود الليبية على الحدود السودانية حقيقة؟ وهل قوات التدخل السريع الأمريكية وطائرات الأواكس والإنذار المصري التليفوني للقذافي، واستعداد مصر وأمريكا للقتال ضد القذافي، ومن أجل النظام السوداني- هل كل هذه الأمور حقائق، أم أنها مسرحيات تجري أمام أعيننا التي لم تعد تميز الألوان والظلال؟ إن كان ما يجري حقيقة فتلك مصيبة، وإن كان تمثيلًا فالمصيبة أعظم، وسوف يسجل التاريخ أن هذه الفترة التي تعيش فيها أمتنا هي أسوأ فترات التاريخ على الإطلاق، ولعل ذلك من غضب الله علينا، فهل نعتبر، ونعود لله، ثم نطلب عونه ولطفه؟

الرابط المختصر :