; قطار الموت الصربي يسحق كوسوفا | مجلة المجتمع

العنوان قطار الموت الصربي يسحق كوسوفا

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999

مشاهدات 90

نشر في العدد 1336

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 02-فبراير-1999

الأسئلة الحائرة في كوسوفا

  • ما معني هذا الصبر الطويل من الغرب على صربيا؟ ولماذا يقبلون منها كل هذه الإهانات؟

  • متي يكف حلف الأطنلطي عن التهديد بالضرب ويبدأ بالفعل؟
  • ما قيمة الحشود العسكرية إذا لم تمنع وقوع المجازر؟

مذابح في سربرينيتسا وجبا بالبوسنة...

مذابح في درينيتسا وإسكندراي - ودوكاجين، وراهوفيتش، وماليشيف وأخيرًا في راتشاك بمنطقة إقليم شتيم جنوب العاصمة برشتينا بكوسوفا.

تهديد بالضرب امتد قرابة خمسة أعوام بالبوسنة بأعراقها الثلاثة، فكم ترى سيمتد في كوسوفا ذات العرق المسلم الصافي؟

صفعات ثلاث على وجه أوروبا وأمريكا والأطلسي:

الأولى: اعتبار وليم والكر رئيس بعثة المراقبة «المحققين الدوليين» شخصًا غير مرغوب فيه في صربيا. 

الثانية: عدم السماح للسيدة لويس أربور المدعية الدولية في جرائم الحرب بالدخول إلى كوسوفا.

الثالثة: وجبة من الإهانات والتوبيخ لاثنين من كبار قادة الأطلسي وسلي كلارك قائد قوات الناتو، و كلاوس نورمان رئيس اللجنة العسكرية بالحلف وذلك يوم الأربعاء 20/1/١٩٩٩م، حين رد الرئيس اليوغسلافي على تهديداتهما بالسخرية، وخرجا ليعلنا: لم نفاجأ بالرفض الصربي، ولكن المفاجأة كانت في المعاملة التي تلقيناها.

هدد الحلف كعادته وتوعد وتراجع ميلوسوفيتش عن الصفعة الأولى وسمح لوليم والكر بالبقاء في الإقليم شريطة ألا يفتح فمه وعاد والكر ليعلن «أن تقريره عن المذبحة خالف مهام منصبه» !!

هذه هي القصة المعادة والمكررة منذ مارس ۱۹۹۸م، عناد صربي وضجيج أوروبي ثم تراجع جزئي لتفادي ضربة وهمية وحتى يتم تهجير بقية المسلمين في الإقليم وساعتها يمكن التفاوض على استفتاء بعد أن تكون صربيا قد نقلت مواطنيها الصرب من دول الجوار إلى كوسوفا.

عناد صربي لا تزحزحه التهديدات ولا الكلمات: "لم انتخب لكي تسير الأمور في صربيا كما يسير الماء في الدانوب.. صربيا إما أن تكون كما تريد أو لا تكون" كلمات مأثورة لسلوبودان ميلوسوفيتش حين انتخب رئيسًا للرابطة الشيوعية في بلجراد، وقبل أن يمسك بزمام الأمور في صربيا ومن ثم يوغوسلافيا.

وقد نجح القطار الصربي في الوصول إلى محطات عدة، فصربيا تتحكم في الجبل الأسود. ومقدونيا على الرغم من أن الصرب أقلية، وهم يقتسمون السلطة والأرض في البوسنة، ويمتلكون كل شيء في كوسوفا .

راتشاك.. تفاصيل المذبحة

بعد خرق اتفاق هولبروك - ميلوسوفيتش من قبل القوات الصربية ورد مقاتلي جيش تحرير كوسوفا العنيف والذي بلغ ذروته بأسر ثمانية جنود صرب تحركت أوروبا مجتمعة وأمريكا لإنقاذ من أسموهم الرهائن ،لا أسرى الحربوندد الأمين العام للناتو بالعملية وشاطره الرأي مسؤولون بمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي وكانت فرصة للجميع ليعلن الحرب على جيش تحرير كوسوفا، وبالرغم من أن الاختطاف كان في الشمال، إلا أن القوات الصربية قامت بحصار المناطق الشمالية والجنوبية على السواء. وبعد أن قام أهالي الأسرى بزيارة لمواقع جيش تحرير كوسوفا، والتوسل إليهم، قام الجيش بالإفراج عن الجنود الصرب والذين لم يمسهم سوء بل بدوا أمام الكاميرات أسعد حالًا مما لو كانوا في ثكناتهم، وتوصل المسؤولون بمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي وفريق المراقبين إلى اتفاق سري يقضي بانسحاب القوات الصربية من المناطق التي دخلتها عقب أحداث بداية العام في برشتينا، وحول منطقة ميتروفيتس ويوديوفا في الشمال، كما يقضي بأن تفرج صربيا عن الجنود المنتمين لجيش تحرير كوسوفا، وذلك بالعفو عنهم أو الإفراج الصحي، وقبل الجيش بالاتفاق وفي يوم الأربعاء 13/1/ ١٩٩٩م أفرج الجيش عن الجنود.

وبعد يومين وبدلًا من أن تنسحب القوات الصربية التي حاصرت الموقع إذا بها تعمل القصف والتدمير، وفسر البعض ذلك على أنه من باب رد الاعتبار لفضيحة عسكرية، لكن ما حدث كان غير ذلك فحسب رواية جيش تحرير كوسوفا والتي نشرها المركز الإعلامي الكوسوفي، فإن الجنود الصرب طلبوا من المحققين الدوليين السماح لهم بدخول راتشاك، وذلك من أجل التحقيق في مقتل جندي صربي قبل فترة، وفور علم جيش تحرير كوسوفا بالخبر، طلب من المراقبين أما عدم السماح للصرب أو السماح للجيش بالمرافقة والمتابعة عن كثب لكن المراقبين رفضوا وطمأنوا الألبان على أن شيئاً لا يمكن حدوثه في ظل الوجود الدولي، قام جنود جيش تحرير كوسوفا وعبر التلال المجاورة بحراسة المدخل الأيسر للقرية ولم يتمكنوا من ذلك في المدخل الأيمن لوجود المراقبين الدوليين، وبعد ذلك فوجئ العالم وعلى رأسهم وليم والكر بالمذبحة وبعد أن قام بعد جثث القتلى وتفحصهم بنفسه قال: ليس لدي كلمات أعبر بها عما حدث. 

ولما أسعفته الكلمات قال: يبدو لي أن القتلى فلاحين وعمال.. إنها مجزرة..

لقد هانت حياة البشر إن القتلى لا يستحقون هذه الميتة البشعة.

ولما سئل هل هذه جرائم حرب أم جرائم ضد الإنسانية؟ رد «لا أعرف الشق القانوني لهذا التعريف سأراجع وأوافيكم»

أما صربيا فقد زعمت أن قواتها هاجمت موقعًا لجيش تحرير كوسوفا، وقتلت خمسة عشر من رجال الجيش والبقية التي وجدت من أين أتت.. الله أعلم.

وبالرغم من أن العالم يعرف أن عدد القتلى هو خمس وأربعون إلا أن مصادر كوسوفية قالت بعد المذبحة بقيام إن عدد المفقودين هو ما بين ستين إلى ثمانين طبقًا لما نشره تقرير للمركز الإعلامي الكوسوفي، وليس 45 كما نشر أو خمسة عشر كما ذكر التقرير الصربي. 

ونعود إلى التفاصيل فقد قامت القوات الصربية باستدعاء السكان للتحقيق في مقتل الجندي العربي وبالتالي سمح المراقبون بذلك وبعد القتل والتنكيل بالجثث قام الصرب بنقل هذه الجثث إلى مكان بسفح أحد التلال بمنطقة راتشاك.

كان المنظر مفزعًا ورهيبًا ولا إنسانيًا.

بعض الجثث غرقي في الدماء.

والبعض بدون رأس. 

والبعض الآخر فقئت عيونهم. 

ومن بينهم طفل رضيع عمره ثلاثة أشهر.

ثلاث سيدات إحداهن عمرها ٨٠ عامًا. ثمانية أعمارهم ما بين ٧٩-٤٠

صبي في الثانية عشرة. 

أربعة قطعت رؤوسهم من بينهم رجل بلغ الستين من عمره.

والباقون أطلق الرصاص على أعناقهم  والرؤوس.

أما المواطن المسلم رجب بيرام (40 سنة) فقد وجدت جثته مشقوقة الصدر وبلا قلب.

هل بعد ذلك من حقد وإجرام وهل يدعي أحد بأن المجزرة من تدبير جيش تحرير كوسوفا.

كانت المجزرة مفاجأة للجميع وخصوصًا المراقبين الذين اعتبروا الإفراج عن الأسري من جانب جيش تحرير كوسوفا علامة على حسن النوايا والشهامة وتقدير المسؤولية ودعم للوجود الدولي، ولم يكن يتوقع أحد هذا الرد العنيف من جانب الصرب لذا سارع وليم والكر إلى اتهام صربيا مباشرة وفي أثناء معاينته للحادث قال :لا أتردد في إلقاء اللوم على قوات الأمن الصربية. 

وبالغ الصرب في تحديهم إذ قاموا بمنع السيدة لويس أربور المدعية بمحكمة جرائم الحرب من دخول كوسوفا، وقام الصرب بنقل الجثث إلى مستشفى برشتينا وسط إجراءات أمن مشددة، وادعوا بأن فريقًا طبيًا من فنلندا سيقوم بمعاينة بعض الحالات ولا داعي للتحقيق الدولي في القضية، وهكذا يدفن دليل آخر مع جثث ضحايا المجزرة.

ضجيج بلا طحين

وكالعادة، ندد العالم وأزيد حلف الناتو وأرغى ولكن لا شيء سوى التنديد واجتمع الحلف وأرسل رسله وعادوا بخفي حنين وانتظر الجميع الضربة التي ستجبر ميلوسوفيتش على التراجع والامتثال ولكن لا شيء البتة سوى بيان لأمين عام الحلف قال فيه إن الحلف يرفض أعمال العنف كما يرفض استقلال الإقليم.

ثم دعا وزير الخارجية البريطاني إلى عقد لقاء لمجموعة الاتصال المعنية وبدورها قررت وضع خطة جديدة للسلام وحتى يحين موعد تطبيقها يحين موعد التقسيم المنتظر أيضًا. 

فالحلف منقسم وكالعادة أيضًا على نفسه فرنسا ترفض الضربة العسكرية، بل إن أحد رجالها أخبر صربيا قبل اتفاق أكتوبر الماضي - بأن الناتو حدد موعدًا للضربة وأفشى بذلك سرًا عسكريا، وتم ترحيل الرجل إلى بلاده، وقيل إنه قدم للمحاكمة، ولكن كيف وشيراك نفسه يرفض الضربة العسكرية ضد صربيا. 

وسارعت أمريكا بإعلان رفضها لسياسة من ميلوسوفيتش، وقالت وزيرة الخارجية إن ميلوسوفيتش يرتكب خطأ جسيمًا إذا لم يلتزم بما تم الاتفاق عليه!! منتهى الحزم.

مجلس الأمن من جانبه أصدر قرارًا يدين المذبحة ويطالب صربيا بالتعاون مع المحكمة الدولية لمجرمي الحرب والقرارات الصادرة بهذا الشأن في مارس وسبتمبر وأكتوبر من العام ۱۹۹۸م عقب كل مذبحة معلنة، كما أدان إطلاق النار على المراقبين الدوليين، وطالب بتوفير الحماية، كما حذر جيش تحرير كوسوفا – دون أن يرميه بالإرهاب من القيام بأعمال تزيد الموقف توترًا.

وفي محاولة لدغدغة مشاعر الصرب، قال البيان: أكد المجلس حرصه على وحدة وسلامة أراضي يوغسلافيا، وحذر من أزمة إنسانية جديدة نتيجة لقرار أكثر من ٦ آلاف مواطن من قرية راتشاك والقرى المحيطة بها بعد المذبحة.

الأهداف الصربية

«القضاء على مستقبل الألبان في كوسوفا» هكذا قال متحدث باسم جيش تحرير كوسوفا عقب المذبحة، وأضاف لماذا يقتلون الأطفال والنساء لماذا يحرقون البيوت ويسرقون المتاجر؟ إن ما حدث في راتشاك لم يكن قتالًا بأي حال وبم نقاتل وحين نقاتل فالصرب يعرفون.

أما الأهداف الصربية الأخرى من هذه المذابح فهي:

1- بث الرعب في سكان الإقليم الألباني. ودفعهم إلى الهجرة داخليًا، حيث يتم تفريغ بعض المناطق، أو خارجيًا استعدادًا لإجراء تعداد سكاني تجريه الأمم المتحدة بعد فترة وقبل تقرير المصير.

2- تشويه صورة جيش تحرير كوسوفا والتقليل من إمكاناته والتخويف من عواقب الانضمام إليه في الداخل.

3- رسالة إلى الذين يدعمون الجيش في الخارج، ولو معنويًا – أنه لا يستطيع مواجهة الجيش اليوغسلافي.

 4- رسالة أخرى إلى الجبل الأسود بعدم التفكير في الاستقلال.

وبعد أن نشرت صور المجازر في الإعلام المرئي والمقروء هل بقي في وجه أوروبا أو أمريكا نقطة دم واحدة أو قليل من الحياء؟ وهل يكفي أن تتحرك بعض الطائرات في سماء إيطاليا أو مقدونيا لكي تعيد أرواح الشهداء إلى الأجسام المشوهة والجثث التي أشبعت تنكيلاً؟

هل تكفي حتى ضريبة عسكرية مشبوهة لكي تعيد للعالم والحلف وأمريكا وكل المنظمات الإنسانية والإسلامية كرامتها؟

هل تكفي هذه الصور المنشورة مع التقرير أمأننا نحتاج إلى هزة أكبر وأشد؟

مأساة تلك التي نراها.

بل مأساة تلك التي نحياها.

دماء المسلمين أنهارًا تجرى

والبعض مازال يسأل

من الذي أجراها؟

الرابط المختصر :