العنوان ماذا يحدث في طرابلس؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986
مشاهدات 72
نشر في العدد 798
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 30-ديسمبر-1986
* ثلاثمائة قتيل ومئات المفقودين في التبانة.
* تطويق قرى منطقة الضنية وملاحقة الفارين إليها.
ماذا حدث في طرابلس؟. سؤال طرحه الكثيرون بعد أن نقلت بعض وكالات الأنباء أن المدينة تجتاحها أحداث دامية تخللتها تصفيات واسعة، دون أن يعرف أحد طبيعة هذه الأحداث ولا حجم التصفيات.
والموضوع يعود إلى أحداث العام الماضي، عندما اتفقت دمشق مع القوى الإسلامية في المدينة اتفاقًا يقضي بتجميع السلاح، وإغلاق المكاتب المسلحة، والتوقف عن كل الملاحقات والاعتقالات، وكان القرار الإسلامي يرمي إلى التماسك داخل المدينة في وجه الهجمة الحزبية، وتجاوز الحساسية الناتجة عن الصراع مع الآخرين.
ومرت الأسابيع الأولى بسلام لكن مداهمة المنازل، ونبش الشوارع وأقبية المنازل؛ تفتيشًا عن السلاح لم يتوقف، ثم كان حادث اغتيال خليل عكاوي «أبو عربي» مسؤول لجان المساجد والأحياء في التبانة، ثم حادث اغتيال مصطفى كردية «أبو ربيع» ممثل الجماعة الإسلامية في لجنة التنسيق الشمالية، مما جعل عددًا من مسؤولي التنظيمات التي كانت تشكل حركة التوحيد تغادر المدينة إلى الجنوب أول إلى الجبال المحيطة بطرابلس، وذلك لأن الأمن في المدينة كان متروكًا لعدد من التنظيمات الحزبية والميليشيات الطائفية المسلحة التي كانت تقتل وتداهم وتعتقل وتنهب دون حسيب ولا رقيب في الوقت، الذي ثم فيه نزع سلاح القوى الإسلامية، واعتقل عدد كبير من قياداتها.
مقدمات الأحداث:
إزاء هذا الواقع بدأ الحديث عن ضرورة العمل من أجل رفع الظلم عن الشباب المسلم في طرابلس، وبدأ تجميع الشباب الهارب من المدينة في مناطق الضنية الجبلية الواقعة شرق طرابلس منذ بداية الصيف الماضي، وكانت الأوساط السورية تتحدث عن عملية تطهير في الضنية، لكن وعورة مسالك المنطقة وتجذر الحركة الإسلامية فيها جعلا القوات المهددة تمسك عن تنفيذ تهديدها، واكتفت بالضغط على اللجنة الشعبية التي تمثل فاعليات المنطقة من أجل تلافي المواجهة، وإقناع القيادات المعتصمة في قراها وجبالها بضرورة مغادرة المنطقة.
موقف القيادات الإسلامية:
أما موقف القيادات الإسلامية الرئيسية في المدينة: الجماعة الإسلامية، وأمير حركة التوحيد الشيخ سعيد شعبان، فقد كان الكف عن هذه العمليات لسببين، الأول: هو أن الحركة الإسلامية لم يكن في مقدورها ولا بخططها السيطرة على المدينة من جديد، وبالتالي فإن العمليات لن تحقق مصلحة إسلامية بقدر تحقيق مصالح أخرى. السبب الثاني: هو أن هذه العمليات غير ذات جدوى عسكريًّا، وهي لن ترغم الآخرين على مغادرة طرابلس.
عزل منطقة التبانة:
وقد تضاربت الأقوال حول الشرارة، التي انطلقت منها الأحداث، فقد تم مداهمة عدد من المنازل في منطقة التبانة، ومنها منزل «أبو عربي»، وأسيء إلى أهله، فشنت مجموعات من الشباب المسلم في المنطقة هجومًا مضادًا، وطهرت التبانة، ورفعت السواتر الترابية، والدشم على مداخلها، وكان ذلك في منتصف شهر ديسمبر الماضي، ونشبت مواجهات مسلحة في كل أنحاء المدينة استهدفت الشباب المسلم، الذي تعرض بكافة انتماءاته لحملة مداهمات واعتقالات، وانتهت المعركة بعزل منطقة التبانة، وإقفال مداخلها، ثم حضر اللواء سعيد بيرقدار ومعه العميد غازي كنعان إلى طرابلس، وقد حاولت القيادات الإسلامية تلافي المواجهة المكشوفة في التبانة لكن القرار كان قد اتخذ من قبل، فاستقدم اللواء بيرقدار أرتالا من الدبابات الثقيلة ومجموعات كبيرة من جنودها من عكار والبقاع؛ تمهيدًا لاقتحام التبانة والانتقام من أهلها.
المجزرة
بدأت العملية فجر يوم الأحد 21/ 12/ 86 بقصف عنيف للأحياء السكنية في التبانة، ثم بدأت الدبابات تقدمها بعد أن اقتلعت مدافعها الثقيلة السواتر والدشم، وكانت معركة ضارية غير متكافئة، واجهت خلالها مجموعات من الشباب المسلح تسليحًا خفيفًا عشرات الدبابات وآلاف الجنود. وبعد أن تمركزت الدبابات في الشوارع الرئيسية انطلقت مجموعات من جنود الوحدات الخاصة يساندها عدد كبير من سكان المنطقة المواجهة للتبانة «بعل محسن» من أجل تطهير الأزقة والمنازل، فكانت مجزرة رهيبة سقط نتيجتها حوالي ثلاثمائة شهيد ما سقط ما بين مقاتل وطفل وامرأة، وقد نشرت الصحف اللبنانية قوائم بأسماء من أمكن التعرف عليهم ممن نقلوا إلى المستشفى الإسلامي، واختفى عدد كبير من الشباب، فلم يظهروا بين القتلى.
تعتيم إعلامي كامل:
والغريب أن وكلات الأنباء العربية والأجنبية والإذاعات العربية والعالمية تجاوزت الموضوع بإشارة خفيفة إليه أو بعدم ذكره كليًّا مع أن مدينة طرابلس بقيت أيامًا قبل اقتحام التبانة مطوقة ومقطوعة عن العالم الخارجي، تتوارد عليها الآليات والدروع؛ تمهيدًأ للمعركة الفاصلة مع منطقة «التبانة»، التي لا تزيد مساحتها على كيلومتر مربع واحد!!.
تطويق قرى الضنية:
وفي اليوم التالي صدر عن قوات اللواء «بيرقدار» بيان يقول: بأنها تطوق عددًا من القرى في منطقة الضنية بحثًا عن المسلمين الفارين من وجه العدالة (!!)، ولا ندري ما إذا كانت مواجهات مشرفة ستحصل خلالها، كما حصل في منطقة التبانة، ولا ضير في ألا تصل أخبارها إلى العالم بعد ذلك، فهي بعيدة عن طرابلس عدة كيلومترات، وسمع الإعلام المنصف، وبصره النافذ لا يصل إليها. ولو سقط مثل هذا العدد من القتلى نعاجًا أو أرانب في طرف القطب الشمالي لملأت منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان الأرض بالصياح والاحتجاج، ولكن كل ذنب هؤلاء أنهم مسلمون، والمسلمون وحدهم في هذه الأرض هم كالأيتام على موائد اللئام، دمهم مهدور، وحرماتهم مستباحة، وحقوقهم مغتصبة، لكن لا بأس، لهم الله، وحسبهم الله، هو نعم المولى ونعم النصير.
نداء من الشعب الفلسطيني المسلم في مخيمات لبنان
نداء ترفعه الأصوات المظلومة من الشعب الفلسطيني المسلم إلى كل مسلم ومسلمة في أنحاء العالم الإسلامي.
نداء من كل «طفل» فلسطيني بات يشتاق إلى علبة «حليب» تسد جوعته في مخيم الرشيدية وشاتيلا، ومخيمات صور وبيروت، إلى كل أم وأب.
نداء من كل «جريح» فلسطيني ينزف دمًا في مخيم الرشيدية، وهو يحتضر؛ حيث لا دواء ولا غذاء.
نداء من كل فلسطيني أحرق بيته أو هدم في مخيم جمجم، والبضين، وبرج الشمالي، وأبو الأسود.
نداء من كل فلسطيني اعتقل أبناؤه وهجر من منزله؛ حيث لا مأوى له سوى الأرض فراشًا، والسماء سقفًا.
نداء من أكثر من ألف شاب فلسطيني معتقل من مخيمات صور بأيدي حركة أمل.
نداء من كل فلسطيني يعيش في الرشيدية؛ حيث الوجوه الشاحبة، والعيون الغائرة، والأجساد الهزيلة، التي لا غذاء لها سوى الأعشاب.
هذه النداءات التي نرفعها عالية يحث لا مجير ولا معين سوى الله - عز وجل -، إنما تعبر عن أخطر وأبشع مؤامرة يتعرض لها الشعب الفلسطيني المسلم في مخيمات لبنان، فهذه الهجمة إنما هي إكمالًا لمخطط إسرائيل الذي يهدف إلى تصفية الشعب الفلسطيني المسلم بسلسلة من المجازر، مرورا بتل الزعتر فصبرا وشاتيلا، وانتهاء بالرشيدية والبرج وشاتيلا على أيدي أدوات خسيسة؛ لتنفيذ هذه المؤامرة.
هذه المؤامرة الحالية التي تستهدف الشعب الفلسطيني المسلم، الذي قدر له أن يكون في خط الدفاع الأول ضد الصهيونية العالمية والصليبية الحاقدة وأعوانهم؛ من أجل إقامة حزام أمين عريض يحمي حدود إسرائيل على أيدي حركة أمل الشيعية.
هذا، ولعله يخفى على الكثير من المسلمين ما يجري اليوم على ساحات القتال في لبنان؛ حيث الفتنة البغيضة التي تغذيها حركة أمل بإثارة المذهبية بشعارات إسلامية كاذبة، فأعمالهم البشعة تدل على كذبهم وبهتانهم وافترائهم، فمتى كانت أخلاق الأنبياء تأمر بمحاصرة المخيمات ودكها براجمات الصواريخ من أجل محاربة اتباع عرفات على حد زعمهم، ومتى كانت أخلاق الأنبياء وأخلاق الحسين تأمر بمنع الغذاء والدواء عن الأطفال والنساء والشيوخ، ومتى كانت المبادئ الإنسانية تأمر بإحراق المنازل، وطرد الآمنين من بيوتهم، ومداهمة البيوت في الجنوب وبيروت، واعتقال العشرات من الفلسطينيين لا لذنب سوى أنهم فلسطينيون.
لهذا، فإننا نناشد كل إنسان تجري في عروقة دماء الإنسانية، ونناشد كل مسلم مخلص يخشى الله - عز وجل - أن يبذل كل ما في وسعه من طاقات مادية ومعنوية من أجل إحباط هذه المؤامرة الدنيئة، ويجب ألا ننسى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
فإن هذه المؤامرة لا تستهدف الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما تستهدف العمل الإسلامي بأسره، وليعلم الجميع أن المخيمات – في الفترة الأخيرة - شهدت صحوة إسلامية عارمة لم يسبق لها مثيل، ولا سيما في مخيم الرشيدية ومخيمات صور، التي كادت أن تصبح قلعة إسلامية على خط التماس مع إسرائيل وعملائها، وقد جاءت هذه الفتنة الرخيصة البغيضة لتصرف الفلسطيني المسلم عن واجبه المقدس.
وعلى كل حال يبقى الأمل في الله - عز وجل -، ثم فيكم بطلب الشهادة في سبيل الله؛ دفاعًا عن كرامة ديننا الحنيف، ودفاعًا عن شعبنا المسلم، وتحرير «قدسنا» هو أسمى أمانينا.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: 126)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227)، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه: 111). صدق الله العظيم
وإنه لجهاد حتى النصر، والفوز أو الشهادة بإذن الله، والله أكبر ولله الحمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل