العنوان ماذا يريدون من «الإخوان المسلمين»؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
بقلم: مختار نوح «*»
حملة الاعتقال والتضييق على «الإخوان المسلمين» تمر بعنفوانها هذه الأيام، والدولة بالقطع لا تريد القضاء على حركة «الإخوان المسلمين»، وإنما تستهدف من ذلك تحجيم هذه الفكرة في الإطار الاجتماعي المقيد حتى تظل كغيرها من الأفكار لا يتخطى أثرها حدود المبنى الذي تتخيره لتحديد الإقامة، وهي كذلك قد فعلت ذات الفعل مع التيارات اليسارية فاستأنست البعض منها، وضمت إلى جانب صفوفها البعض الآخر كمقاتلين أشداء ضد الرجعية والتخلف باسم الدين كما يعتقدون، واحتفظت الدولة بالشكل الحزبي بأن ظهرت على السطح الأسماء العديدة لتيارات حزبية سمحت بهم محكمة أغلب أعضائها من الشخصيات العامة المعنية وسميت بمحكمة الأحزاب.
وأنا أختلف مع الذين يعتقدون بأن النظام المصري الحالي قد استدار للإخوان بغية القضاء عليهم بعد أن ظن أنه قضى على ما يسمى بالمعارضة المسلحة في الفترة الأخيرة؛ وذلك لعدة أسباب:
أولها: أن المعارضة المسلحة أو ما يسمى بالإرهاب أو العنف السياسي لم ينته من مصر حتى الآن، وإنما انتقل أفراده على هيئة كتل بشرية في سجن الوادي الجديد وليمان طرة بعد أن تجردوا من أسلحتهم المادية، وما زالت الطلقات مخزونة بعقولهم، وتدل ضآلة عدد التائبين -وفقًا للمصطلح الرسمي- على أن هذه الآلاف قد رفضت العدول عن فكرتها ولو ظاهريًّا، أو من أجل الحصول على الحرية، مما يؤكد حاجة الدولة إلى مزيد من الجهد بالتعاون مع المؤسسات والأفكار السلمية حتى لا تتحول هذه الكتل البشرية مستقبلًا إلى طلقات توجه ثأرها إلى نظام بعينه أو إلى أنصاره.
وثاني هذه الأسباب: أن حركة الاتصالات الدولية، والتعاطف الدولي من أجل حقوق الإنسان قد تقفان حائلًا بين رغبة الدولة إن وجدت، وبين الاعتداء على فكرة سلمية كحركة «الإخوان المسلمين»، فإن نظام الرئيس العراقي قد سقط فعلًا يوم أن حارب الإنسان المفكر، ومدخل الهجوم على النظام السوداني السابق جاء من ثغرة حقوق الإنسان؛ مما جعل النظام الحالي في موقف أشد حرجًا وفي امتحان صعب مع قضية حقوق الإنسان.
أما ثالث هذه الأسباب وأهمها: أن الوصول إلى نقاط الالتقاء بين حركة الإخوان وبين الدولة أمر سهل وميسر، وقد سبق أن قام به الكثيرون في عهود سابقة، بل وفي هذا العهد، فما الذي يدفع النظام إلى التخلص من حركة فكرية يمكن الاتفاق معها ليحمل فوق رأسه عبء الصراع الاجتماعي والعناء الدولي، فضلًا عن حساب التاريخ الذي يكيل ويزن بميزان يختلف عن الميزان المعاصر للأحداث.
وإذا كنت ممن يؤيدون الرأي القائل بأن الحركات الفكرية والعقائدية بصفة خاصة غير قابلة للاندثار، إلا أنى لا أحب أن يحمل البعض هذا الرأي كنوع من أنواع التحدي للدولة، وهو ما يحدث غالبًا في مقالات نارية تزيد نار الحرب اشتعالًا دون أسباب جادة.
المشكلة إذن بين الدولة والإخوان تكمن في أن الدولة بمعطيات حكمها وفلسفتها لا تسمح لأي حزب أو أية فكرة أن ينتقل من صفوف المطالبين إلى صفوف المطالبين بفتح اللام، فالعطاء دائمًا في العالم الثالث مرتبط بالدولة، وهو جزء من حركة السيطرة الاجتماعية التي ينبغي ألا تكون الغير القوة المسيطرة، وهو أمر مستقر سواء تم الاتفاق على صحته أم لا.
تلك هي المسألة، ومن ثم فلا يجوز للبعض أن يناقش ما تذكره التقارير من أكاذيب يعلم كاتبها أنها صيغت الأهداف سياسية، فليس التصور الخاطئ هو عقبة تعامل الدولة مع الإخوان، وأيا ما كانت قدرة كاتب التقرير أو رجل الإدارة ولو كان وزيرًا للداخلية فإنه لا يستطيع أن يفرض على رئيس الدولة ما لا يرغبه من سياسات.
كما أن رئيس الدولة يملك من المقومات في أي عصر ما يجعله قادرًا على التفرقة بين التقارير الصادقة والكاذبة منها، مع الاحتفاظ بقدر النسبية في الخطأ، مما يجعلنا نؤكد على أن رئيس الجمهورية لديه العلم الكافي بمدى سلمية حركة «الإخوان المسلمون» وبعدها الفعلي عن العنف، كما أنه يعلم حجم العلاقة بين هذه الحركة وبين نظام الحكم في السودان أو غيره اتفاقًا أو خلافًا.
نخلص من هذا إلى تحديد رغبة الدولة وحصرها في أن تعود حركة الإخوان المسلمون إلى صفوف المعارضين المطالبين، وهذه العودة تتطلب التخلي عن الانفراد بإدارة النقابات المهنية أو حتى تشكيل الأغلبية بها، والأمر نفسه ينطبق على إدارة نوادي أعضاء هيئة التدريس والجمعيات الخيرية، لاسيما القائم منها بأعمال ذات أثر دولي كلجان الإغاثة وغيرها.
إن ذلك يبرر اعتقال قيادات الحركة وقيادات اللجان ذات الأثر الدولي، وكذلك بعض الشخصيات المؤهلة للتأثير السياسي العام في ظل انتخابات مقبلة.
كما يبرر التشريعات المتتالية التي تستهدف إبعاد حركة الإخوان المسلمون عن دائرة الإدارة، مع الاكتفاء بها في دائرة الصراع السياسي كجزء من سياسة متكاملة.
ويبقى السؤال الحائر دون إجابة عن مدى قبول حركة الإخوان المسلمون لمطالب لم تعلن لها صراحة ولن يعلن لها أيضًا، أن النظام الحالي يرفض كأي نظام أن ينظر إلى أية فئة، وإلى الإخوان بصفة خاصة على كونها نظام بديل للحكم.
كما أن الدولة لن تقف أمام ذلك التقدم الاجتماعي لحركة الإخوان المسلمون، مكتفية بما أقدمت عليه من حبس مائتين من أعضائها.
هذه هي المعادلة الصعبة في العلاقة بين الإخوان والدولة، وحتى يتم حلها علينا أن نؤمن بالمقدمات التالية:
الأولى: إن الدولة تؤمن بأن هيبتها تنحصر في أن تصدر قرارًا لا تعود فيه، فالعودة عن القرار تنازل لا يقبله النظام الحالي، ولنا أن نراجع مشكلة قانون الصحافة، وما اعتبرته الدولة وقتئذ سياسة «لي الذراع».
الثانية: إن التفاوض بمفهوم النظام الحاكم يعني الهزيمة، أو بتعبير أخف يعني التنازل، لذلك يمكن استخدام عبارات أخف وزنًا عند بحث الأزمة.
الثالثة: إن حركة «الإخوان المسلمون» حركة اجتماعية، تفقد رونقها وحياتها إذا كان موضوع التفاوض هو وقف النشاط الاجتماعي للإخوان أو تحجيمه، ولكنها في ذات الوقت تملك من المرونة ما يجعلها تعيد توظيف الطاقات في أهدافها الشرعية في المجالات المختلفة، كما تملك المرونة العملية والعقلية اللازمة للتعامل مع الواقع دون التفريط.
الرابعة: إن من أعظم السلبيات التي أخذها بعض المفكرين السياسيين على النظام المصري الحالي هي الاكتفاء بالنتائج الإيجابية للفعل عند تقييمه، فإذا كان اعتقال عشرات الإخوان أو حبسهم قد أثمر نتائجه من وجهة نظرهم، فإنهم لم ينظروا إلى الواقع المعقد الذي تثيره قرارات النيابة كجهة قضائية محايدة بحبس أعضاء حركة فكرية سلمية، ولو شكلت حزبًا غير مشروع دون النظر إلى رؤية العالم ومؤسساته الدولية التي قد تسوي ظلمًا بين النظام المصري وغيره من الأنظمة العربية التي باتت تنتهك الحريات ليل ونهار.
إن حبس مائتين لا يساوي هذه الأضرار، ولا ينبغي أن ننسى أن قرار العبور التاريخي والانتصارات السياسية التي حققها الرئيس السادات، لم تذكر مرة إلا وذكر معها أنه قد قام بحبس عدد من أنصار الفكر السلمي.
الخامسة: إن نظام الرئيس حسني مبارك وقد اتصفت العشر السنوات الثانية له ليحتاج إلى علامة تميزه تاريخيًا، لا يقوم خلاف عليها مستقبلًا، وإذا كانت الإجراءات الاستثنائية والاعتقالات الممتدة لها ما يبررها عن مواجهة ما يسمى بالإرهاب، فما الذي يبررها تاريخيًا في مواجهة المفكرين وأصحاب العقائد السلمية.
السادسة: إن «الإخوان المسلمون» يملكون طاقات بشرية في أكثر من سبعين دولة لم تستخدم حتى تاريخه سلبًا أو إيجابًا من الناحية القومية العامة فهي طاقة للدولة، وإعلام متحرك وسفير فوق العادة، ولا أكون مبالغًا إذا ما قلت إن الطاقة البشرية والفهم الإيماني ل «الإخوان المسلمون» في الخارج كفيل بأن يحل أعتى وأعقد المشاكل الاقتصادية في مصر، متى ضمنوا الأمان والمناخ المناسب، ولذلك فإن تجميع الطاقات البشرية لخدمة الوطن أمر لا يقوم بدونهم أبدا.
إن هذه المقدمات الست تعني أن النظام المصري سيأخذ قدر ما يعطي حركة «الإخوان المسلمون» وأنه سيفقد قدر ما يمنع من حركة الإخوان المسلمون، وإن اعتقاد النظام في القوة كوسيلة لتحقيق مآربه وأهدافه أمر غير مقبول فإن الأيام تدور وتدور معها الوقائع والأحداث، ولا يوجد نظام يحرص على واقع مستقر بينما يفقد تاريخًا ممتدًا.
وبعد هذه المقدمات:
فإن واقع الخروج من الأزمة يخلص في نقطتين:
أولاهما: احتياج الدولة إلى المفاوض الواقعي.
ثانيهما: احتياج الإخوان إلى المفاوض المقبول.
فأما المفاوض الواقعي:
فهو ذلك الذي يحرص على تاريخ المؤسسة الحاكمة وعلى مصلحة استقرارها من وجهة نظرها في ذات الوقت دون جموح، وهو الذي يعتبر أن معاداة الفكرة السلمية جريمة لا تغطيها التقارير المعلنة حتى وإن أتقن البعض صياغتها.
وهو الذي يبحث عن زيادة أنصار الحكم في الوطن وخارج أرض الوطن، وهو الذي يهم أيضًا بزيادة القوة الفاعلة في السمعة الدولية، وإعادة توظيف الطاقات الإبداعية وتعميق فكرة الديمقراطية في مرحلة ليس لها من معركة سواها وسط عالم متطور يرفع من قيمة الإنسان وحقوقه ليجعلها أولى المهام الإنسانية.
وأما المفاوض المقبول:
فهو ذلك المفاوض إذا ما استمعت إليه الدولة لا تحسب أنها تنازلت، ولا يعتقد الآخرون فيها ذلك، حتى لا يصطدم الحل بمعطيات الدولة وثوابتها، وهو الذي يملك من الفهم ما يجعله يوازن بين ما لا يتم التنازل عنه وبين ما يمكن الاستغناء عن استخدامه في تلك المرحلة، وهو الذي يؤمن بأن حركة الإخوان لا تفرط في أمر من صميم دعوتها، وأن السجن والاعتقال ليس هو موضوع التفاوض، وعليه عبء نقل الفهم الإيماني إلى الآخرين، فالابتلاء والسجن والتعذيب جزء من حركة المبادئ داخل أي وسط اجتماعي ولو صغر، ولا إيمان بلا تجربة أو امتحان، وأن ما يريده الإخوان من الدولة هو مناخ مناسب لممارسة حرية الفكر والعقيدة، وممارسة لحرية الرأي أسوة بغيرهم حبًا في الناس لا حبًا في أنفسهم.
فإذا عثرنا على المفاوض الواقعي والمفاوض المقبول انتهت الأزمة وانتهى معها الذين يزينون للدولة طريقًا يبدأ بأن تنتهك الدولة حق الإنسان وينتهي بنهاية لا يعلمها إلا الله، وهؤلاء هم أنفسهم الذين سيلومون على هذا النظام وعلى هذه الفترة وعلى هؤلاء الحكام- أنهم كانوا ضد الإنسان وضد حقوق الإنسان.
وقد حاولت أن أكون ناصحًا محايدًا في هذا البحث المختصر وأنا أسأل نفسي ماذا تريد الدولة من الإخوان؟!
(•) المحامي لدى القضاء العالي وأمين الصندوق بالنقابة العامة للمحامين في مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل