العنوان ماذا يريد أن يقول أستاذ الفلاسفة؟! «1»
الكاتب الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1976
مشاهدات 74
نشر في العدد 302
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-يونيو-1976
نشرت «الأهرام» حديثًا للدكتور زكي نجيب محمود يوم ١٩- ٣- ١٩٧٦م وقد ضمن الدكتور حديثه ما شاء أن يضمنه من آراء، يمكن أن نلخصها فيما يلي:
1- من مصادر الخطأ عندنا اليوم الظن بأن التشريع الإلهي قد غطى كل تفصيلات الحياة.
2- كون التشريع الإلهي هو التشريع الوحيد للبشر مما يحتاج إلى تعليق.
3- لماذا لا نعطي لأنفسنا الحق في أن نفسر القرآن التفسير الذي يحقق مصلحة المجتمع. ويفسر الدكتور الأمر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: 18) بالعقل.
4- العودة إلى حديث الإرهاب الفكري المزعوم، ما دامت وسائل الإعلام مفتوحة لرجال الدين..
- أما عن الفكرة الأولى، فإني أقول: إن التشريع الإلهي قد أحاط بكل قوانين الحياة وأصولها في كل جوانبها، والفروع التي لم تذكر تعد في حكم المذكورة لأنها تندرج تحت أصولها؛ لأنه لا اختلاف من عاقل في اندماجها في أصولها، وفي ردها إليها، ودساتير الدول التي بين أيدينا لا تحتوي على غير القوانين العامة، وعلى ضوئها يكتب المشرعون تفصيلات للقوانين في كل جانب من جوانب المجتمع. والمذاهب والمجتهدون في الإسلام إنما يبدأ عملهم برد كل شيء في الحياة إلى الأصول الإلهية المقررة.
وبهذه القوانين الكلية والأصول العامة، أحاط التشريع الإلهي بكل جوانب الحياة، ووجد المسلمون في كتابهم الحكيم إجابة عن كل سؤال، وتفصيلًا لكل مجمل، وتوضيحًا لكل مبهم، والله عز وجل يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89)، ويقول عن القرآن الكريم: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يوسف: 111).
- وأما عن الفكرة الثانية: فإن كل مسلم يجب أن يعتقد أن الإسلام هو التشريع الوحيد للبشر عامة؛ أي أن نجاة الإنسانية وسعادتها ورفاهيتها مرهونة على العمل والإيمان به، والحضارة القائمة –على كل ما وصلت إليه- لا يمكن أن تعد هي النهاية والخاتمة للحضارات، وإلا لعطلنا حكم العقل الإنساني واجتهاده في السير بالحياة إلى الحضارة المثلى التي تحقق الرفاهية والسلام للبشرية عامة، وفي رأي كل مسلم أن هذه الحضارة التي تسير الإنسانية إليها لا يمكن أن تكون غير الإسلام متى وجد المؤمنون به إيمان فهم وعمل وتطبيق وسلوك كامل، والله عز وجل يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53)، وإذا تبين لهم أن القرآن والإسلام حق فقد آمنوا به، وعملوا بشريعته.
- وأما عن الفكرة الثالثة فإني أقول:
أ- للدكتور الحق في أن يفسر القرآن إذا أعطي المؤهلات الثقافية الواجب توفرها فيمن ينهض بعبء هذا العمل الجليل، وقد فسر المسلمون الأولون كتاب الله على اختلاف نزعاتهم؛ لأنهم كانوا يملكون كل المؤهلات التي بدونها يصير المتصدي للتفسير كمثل من يدعي الطب أو الصيدلة أو الطيران أو علوم الفضاء، وهو ليس من أهل هذه الثقافات، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 7).
ب- على أن تفسير القرآن إذا أريد به إبطال مدلولاته، وتغيير مضامينه وأفكاره ومعانيه لتتفق مع فكر أجنبي دخيل، أو مع نظم ومبادئ وتشريعات حضارات أخرى، فذلك ما يرفضه العقل ويرفضه المؤمنون بداهة؛ لأنه يعطل حكم النص القرآني ذاته ويسير بالإنسان الذي يدعي الإيمان به بعيدًا عنه وخارج دائرته؛ مما ينتهي به إلى الوقوع فريسة للأوهام والتيارات المذهبية والعقائدية البعيدة عن الإسلام والقرآن.
جـ- ومصلحة المجتمع لا تعني أبدًا الخضوع لمقاييس مستمدة من خارج أيديولوجيتنا الروحية الفكرية، لنجعلها هي الأصل ونجعل نصوصنا المقدسة فرعًا لها، وإنما العكس هو الصحيح في هذه القضية.
د- والآية الكريمة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18) لا يمكن تفسير الأمر فيها بغير الوحي؛ أي أمر السماء، بدليل خاتمة الآية وما قبل الآية. وبدليل أقوال كل المفسرين أيضًا. ويؤيد ذلك المعنى قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ (الشورى: 15).
* وروي على الفكرة الرابعة: أن الإرهاب الفكري المزعوم حديث خرافة بدليل أن الدكتور يملك كل حرية التعبير وأن يقول ما يشاء، وإن كان فحوى ما يقوله محاولة للهدم، وخضوعًا لفكر أجنبي، وتقليدًا لما يردده بعض المستشرقين أعداء الإسلام.. على أن رجال الدين هم طبقة من الأمة لها ما للدكتور من حرية التعبير عن فكرها الذي هو فكر الأمة ودينها الرسمي، وقد كفل الدستور حرية التعبير لكل إنسان، وتحمي القوانين هذه الحرية حماية تامة.. فماذا يريد الدكتور؟ أيريد الحجر على هذه الطبقة من طبقات المجتمع حتى لا تتكلم كما يفعل الشيوعيون مثلًا فلا يتكلم غيره وحده، ويكون ذلك الصنيع محمدة في رأيه وليس من الإرهاب في شيء؟!
وأخيرًا فإني أقول للدكتور ولغيره: يجب أن تعلم أن الإسلام صديق الحياة والحضارة والتقدم والرفاهية والسلام، وهو صديق العلم دائمًا، وصديق العقل أبدًا ما دام هذا العقل غير متحيز، وبعيدًا عن الهوى، وطالبًا للحقيقة وحدها. إن الإسلام طالب المسلمين أن يأخذوا العلم العملي من كل مكان وكل مصدر، وألزمهم بالعقيدة الإلهية المنزلة، حيث لا مجال لعقل ولا لأحد أن يذهب بعيدًا عنها.. والإسلام كذلك قد أتى بكل ما فيه الخير للمجتمعات والشعوب في يومها وفي غدها، ومصلحة المجتمع هي في العمل بالتشريع الإلهي في تركها أو تأويلها بسوء قصد للانصراف عن روحها ومضمونها.. وكل عيوب المجتمع التي نشكو منها اليوم إنما هي نتيجة للانصراف عن روح الإسلام، وتركنا تعليم الدين للجميع، وبخاصة الشباب في كل مراحل الدراسة..
والسلام على من اتبع الهدى.
محمد عبد المنعم خفاجي
«1» لقب منحته «الأهرام» للدكتور زكي نجيب محمود.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل