; ماذا يريد الترابي وسعد الدين؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يريد الترابي وسعد الدين؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

مشاهدات 141

نشر في العدد 847

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

وجه الدكتور حسن الترابي الأمين العام للجبهة القومية الإسلامية في السودان، والأستاذ عدنان سعد الدين دعوات متعددة إلى كثير من الشخصيات والمؤسسات الإسلامية لحضور اجتماع في السودان؛ وذلك بدعوى إطار عام دولي للحركة الإسلامية، يتم من خلاله تداول شؤونها، واتخاذ ما تحتاجه من قرارات، ولقد أثارت هذه الدعوة تساؤلات بعض المراقبين من الإسلاميين وغيرهم، وتردد أكثر من سؤال واستفسار عن هذه الدعوة وتعارضها مع وحدة العمل الإسلامي الذي يدعو له التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، خاصة وأن الكثيرين يظنون أن الترابي مازال في صفوف الإخوان المسلمين؟ فما هي قصة هذه الدعوة؟ ولم أريد لها أن تكون؟

ما هو التنظيم الدولي للإخوان؟

في مطلع السبعينيات عندما خرجت قيادة الإخوان المسلمين من السجون في مصر التقى المرشد العام الأسبق الأستاذ حسن الهضيبي -رحمه الله- بكثير من القيادات الإسلامية لجماعة الإخوان في موسم الحج عام ١٩٧٣، ودعاها لإعادة تنظيم صفوفها وتوحيد جهودها في مختلف مناطق تواجدهم في العالم، ومنذ ذلك الوقت وفكرة التنظيم الدولي تتبلور وتترسخ.

ولقد صاحب بداياتها جهود مضنية لضمان نجاح هذه الفكرة، وتمت لقاءات واجتماعات عدة بين القيادات الإخوانية كان فيها للشهيد كمال السنانيري- رحمه الله- وإخوانه الجهد الكبير من السعي لتحقيقها، واليوم أصبح التنظيم الدولي للإخوان المسلمين حقيقة واقعة، وأصبح يشكل إطارًا دوليًا تتعامل معه معظم الجماعات والمؤسسات الإسلامية، ويهدف هذا التنظيم إلى توحيد الفكر الحركي في صفوف الإخوان، وتصفية مفاهيم الجماعة مما داخلها خلال فترات المحنة، وكذلك يهدف هذا التنظيم إلى ربط كافة التنظيمات الإخوانية بقيادة واحدة تنتهي عندها المعلومات، وتصدر منها القرارات العامة والبيانات السياسية غير القطرية، ولا يتدخل هذا التنظيم في نشاطات الجماعات القطرية إلا فيما يستدعي التنسيق.

وقد تجاوبت كافة الجماعات الإسلامية المنتمية للإخوان مع هذه الدعوة إلا الدكتور حسن الترابي.

لماذا لم ينضم الترابي؟

لقد تردد الترابي في الانضمام لسبب كان يراه جوهريًا، وهو رفضه لأن يصدر التنظيم الدولي قرارات خاصة بالقطر السوداني ومسيرة حركته، فقد كان يرى أن عدم معرفة من هم خارج السودان بأوضاع السودان لا تمكنهم من صناعة القرار المناسب، ولقد أبدى التنظيم الدولي تفهمًا لمثل هذا الرأي، وجعل اختصاصاته دولية عامة، وترك شؤون التنظيمات القطرية للجماعات القطرية داخل كل قطر.

ولكن الترابي أبدى تشككًا من ذلك، فما كان لهم إلا أن يدعوه ليكون عضوًا مراقبًا حتى يصل إلى قناعة، وظل الدكتور الترابي مترددًا ورافضًا حتى يومنا هذا.

إن حقيقة رفض الدكتور الترابي من فكرة التنظيم الدولي تكمن في معرفته بأن الإخوان لن يسمحوا له بترديد بعض الأفكار والآراء التي يرون أنها شاذة ومخالفة لرأي أهل السنة والجماعة، ولا يقرون أن تلتصق بأحد قياداتهم، إنها ليست قضية تأثير التنظيم الدولي على القرارات القطرية، لا، إنها قضية خلاف بين مفاهيم وآراء فكرية.

القرار بالانفصال

لقد حاول التنظيم الدولي طوال الفترة السابقة أن يذلل كل العقبات التي يضعها الدكتور الترابي أمام التزامه بالصف، كما طالت فترة الانتظار التي أخذت صفة العضو المراقب، وأخيرًا لم يكن منه إلا أن أعلن انفصاله صراحة، وبدأ انتهاج خط جديد له في الدعوة والحركة، فلقد تخلى مشكورًا عن المسمى الإخواني، واتخذ مسمى الجبهة القومية الإسلامية معلنًا بذلك أنها جبهة سودانية تضم السودانيين فقط، وحتى هذا الحد لم يكن للتنظيم الدولي إلا الدعاء لله بالهداية والتوفيق في معركته السياسية، وانعكس بذلك في التأييد المادي والمعنوي أثناء فترة النميري وبعدها، وأثناء الانتخابات الأخيرة كذلك.

ولحق به «أبو عامر»

«أبو عامر» هو الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا، بدأت مشكلته مع التنظيم الدولي عندما تدخل التنظيم كجهة محكمة للخلاف الدائر حول الانتخابات الداخلية لجماعة الإخوان في سوريا، فقد رفض أبو عامر نتائج الانتخابات، واعتبرها غير صحيحة ورفض الانضواء تحت القيادة الشرعية الجديدة، كما وضع العراقيل المتعددة لعودته مدعيًا أنه لن يعود إلى الصف ما لم تعلن القيادة الجديدة استمرارها في سياستها الجهادية، ولقد كانت وجهة نظر القيادة الشرعية الجديدة أنه لا يجوز لها أن تحرم نفسها من خيارات السلم، ولكن هذا لا يعني أبدًا تخليها عن خيار الحرب، إن القيادة السورية الجديدة استغربت هذا الشرط من أبي عامر مع العلم أنه لم يعترض على هذا المبدأ عندما كان يتحمل مسؤولياته داخل الصف، وأن القيادة الجديدة مازالت على قناعة بأن الطرف الرسمي الآخر غير جاد في مفاوضاته، ولن يستجيب للمطالب الإخوانية، وما قبولها مبدأ المفاوضات إلا ابراء للذمة، وإقامة الحجة، وإثبات عدم مصداقية المفاوض الرسمي، وهذا ما ثبت فعلًا.

إن التنظيم الدولي تعامل مع انفصال أبي عامر بروح إسلامية، وقدر موقفه بصفته مقيمًا بالعراق ومشاركًا في تحالفات عدة مع بقية الأحزاب السورية وغيرها، أما أبو عامر -غفر الله له- فقد آثر الخصومة، وبدأ يشن حربًا ضروسًا على التنظيم الدولي.

تنظيم دولي منشق

اكتشف الدكتور حسن الترابي أن تحديد نشاطاته داخل السودان تقيد منهجه الفكري الجديد، وتجعل دائرته محلية، كما اكتشف أن للإخوان رصيدًا ضخمًا وعلى المستويات المختلفة، وأن التخلي عن هذا الرصيد من شأنه تهمیشه عالميًا وفقدانه للجماهير التي كانت تقف معه خارج السودان، وأنه لابد من إطار دولي يستخدمه جسمًا لآرائه وأفكاره الغريبة، لذلك التقت تطلعاته بتطلعات «أبي عامر» وفكرا سويًا في تأسيس تنظيم دولي مواز، ولأن رفض الدكتور الشرابي لفكرة التنظيم الدولي قائم على استقلالية القرار القطري كما يزعم، ورفض أي تدخل أو تأثير خارجي؛ فكان لابد أن يضع مسوغات مقبولة لدعوته هذه، فأعلن أن دعوته هي لإنشاء مؤتمر إسلامي عام تلتقي فيه الفعاليات الفكرية الإسلامية ومن يرغب من الجماعات الإسلامية المعروفة تكون رئاسته دورية وقراراته استشارية، كما حرص على دعوة الشخصيات والجماعات الإسلامية غير العربية؛ لكي يميز هذا التنظيم الدولي بالعالمية عن تنظيم الإخوان الدولي، أما أبو عامر كان يرى في ذلك الخروج من الحصار الذي وضعه فيه التنظيم الدولي بعد أن أعلن حربه على الدولي، ويبدو -والله أعلم- أن هذا المسوغ جاء لتهدئة التنظيم الدولي وتطمينه من أن هذه الدعوة غير موجهة ضده، ولكن الواضح أن فكرة هذا المؤتمر ستبدأ بهذه الصورة، وتنتهي بإعلان تنظيم دولي آخر في العالم كما يحلمون.

ضد هذه الفكرة

لقد شرع بعض الإخوة الحكيمين بتهدئة الأوضاع، والعمل على إيقاف هذه الدعوة حتى لا تتأزم الأمور، وتنتهي إلى الخلافات الحادة، وسلكوا سبيل النصيحة والحوار، ويرى المعارضون لهذه الفكرة الآتي:

1- أن الداعين إلى هذا المؤتمر رفضوا في الأصل فكرة التنظيم الدولي والانضواء تحت مظلته؛ من أجل حماية القرارات القطرية بزعمهم، فكيف اليوم يطالبون بنفس الفكرة مناقضين ما كانوا اعترضوا عليه؟ يفهم من ذلك أن الاعتراض السابق لم يكن جديًا، أو لحاجة في أنفسهم.

2- أن الداعين إلى هذا المؤتمر مازالوا يستخدمون اسم الإخوان المسلمين في تحركاتهم مما يعني أنهم يسعون لشق حركة الإخوان على المستوى الدولي.

3- أن نشأة مثل هذه الفكرة ما هي إلا تأصيل لمبدأ الانشقاق والفرقة والانقسام، ولكن هذه المرة على المستوى الدولي؛ لذلك لابد من محاربة هذا المبدأ الذي يهدم الدعوة الإسلامية من الداخل.

وإذا كان التنظيم الدولي قد أبدى روحًا حليمة حيال بعض الخلافات القطرية، فإننا نرى أنه لابد أن يتحرك ضد هذه الفكرة، وأن تصعيد هذا الانقسام على المستوى الدولي لا يخدم بالدرجة الأولى إلا أعداء الحركة الإسلامية الذين كانوا يخططون لذلك منذ زمن بعيد.

لذلك لابد من تحذير الإسلاميين المتعاونين مع الإخوان المسلمين من خطورة هذه الفكرة وخدمتها للأهداف غير الإسلامية، ولابد من معرفة أن الدكتور حسن الترابي لا يمثل الإخوان المسلمين ولم يعد في صفوفهم، كما أن الأستاذ عدنان سعد الدين لم يعد من الإخوان المسلمين، وأنه مستقل بذاته، وإن كان له أتباع فهم لا يمثلون إلا أنفسهم، أما من يتعاون مع هذه الدعوة فهو يساعد على تأصيل الفرقة والانقسام.

·      وأخيرًا

إن «المجتمع» ليؤلمها أن يصل حال هؤلاء الإخوة حسن وأبي عامر إلى هذا الحد من التخبط، ونأمل من الإخوة الذين اختاروا لهم طريقًا مستقلًا عن جماعة الإخوان المسلمين أن يسلكوا طريقهم دون إثارة متاعب أو أزمات في الحركة الإسلامية، فالحركة تحتاج إلى رص الصفوف، ونبذ الفرقة، والتوحد أمام الأعداء.

هدانا الله جميعًا إلى ما يحبه ويرضيه.

الرابط المختصر :