العنوان ماذا يريد المسلم في لبنان؟
الكاتب الداعية الأستاذ فيصل مولوي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 77
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 17-يناير-1989
ماذا يريد المسلم في لبنان؟ لبنان كيان قائم بحدوده وبظروفه إلى أن يأذن الله عز وجل بغير ذلك
ينبغي على كل العاملين للإسلام أن يقدروا الواقع الذي نعيش فيه
في لبنان ماذا يريد المسلم؟ لبنان كيان قائم بحدوده بظروفه إلى أن يأذن الله عز وجل بغير ذلك.. كيان قائم على مجموعة من الطوائف. هذا واقع لو اعتبرنا أن ستين بالمئة من المسلمين وأربعين بالمئة من النصارى لكن المسلمين ليسوا مذهبًا واحدًا... وليسوا على رأي واحد ويعتبر السنة والشيعة والدروز أيضًا من المسلمين، معنى ذلك أننا نحن كمسلمين من أهل السنة والجماعة والنصارى 40 بالمئة. يعني المجمل مهما بالغنا نحن أهل السنة والجماعة قد لا نزيد عن الربع إلا قليلا..
هذا واقع لبنان.. في هذا الواقع ماذا يريد المسلمون؟؟ قضية بمنتهى الأهمية ومنتهى الخطورة لأننا كمسلمين مطالبون بإقامه حكم الله عز وجل هذا أمر لا بد منه، لكن إذا تعذر إقامة حكم الله في ظرف من الظروف هل يبقى المسلمون منكفئين؟ يخضعون لما يقرره لهم أعداؤهم وليس أمامهم إلا مطلب واحد، إقامة حكم الله عز وجل الكامل، لا بد أن تتعامل مع الواقع.. وهذا شيء غير الاعتراف بالواقع، قد لا نقر الواقع، ولكن طالما هو واقع أنت مسلم في هذا الواقع فعليك أن تطرح بجرأة وبصراحة ماذا تريد ضمن هذا الواقع؟
وقد تطرح أنك تريد أن تغير الواقع كله لا بأس؟ ومن واجبك هذا، ولكن مع هذا الطرح وإلى أن يتغير الواقع كله لست معذورًا في أن يكون تعاملك مع هذا الواقع قائمًا على أمور غير شرعية.
المطروح إقامة جمهورية إسلامية في لبنان.. وكان من قبل ذلك من المطروح إلغاء الطائفية السياسية ومن المطروح المساواة بين الطوائف... ومن المطروح الأكثرية العددية هي التي تحكم طروحات كثيرة، لكن كثيرًا من الشباب المسلم يعتقد أنه لا يصح للمسلمين أن يطرحوا إلا أمرًا وأحد وحيدًا «إقامة شريعة الله عز وجل وإقامة الدولة الإسلامية في لبنان».
كثيرون يتصورون هذا وينطلقون من مبدأ شرعي صحيح وينطلقون من غيرة إسلامية واضحة، لكن النتيجة إذا لم يدرس المسلمون الواقع والظروف وظلت مطالبهم مطالب في الهواء، تكون النتيجة أننا نخسر الواقع ولا نربح الهدف المراد، وهذا ما يتعرض له المسلمون يخسرون واقعهم ولا يستطيعون أن يصلوا إلى الأهداف القوية البعيدة الكاملة التي يطمحون إليها، ولو أننا رجعنا إلى سيرة رسول الله ﷺ لوجدنا في سيرته الكثير من الحكمة والكثير من المرونة والكثير من التكيف مع الظروف المختلفة من أجل الوصول إلى الهدف البعيد أو إلى أقصى ما يمكن من تطبيق شريعة الله؟؟ القضية كيف يكون التعايش بين المسلمين والنصارى؟ هذه هي القضية الشرعية المبدئية، نحن في بلد نعيش مع أناس غير مسلمين.
ما هي القواعد الشرعية التي تحكم هذا التعايش حتى لا نتجاوزها؟؟ هناك قاعدة لا خلاف عليها... أننا نقيم الحكم الإسلامي وهم يخضعون ويدفعون الجزية ويكونون من أهل الذمة.. هذه قضية لا خلاف عليها بين المسلمين... لكن هذه هي القاعدة الشرعية الوحيدة للتعايش بين المسلمين وغير المسلمين حتى لا يطرح المسلمون غيرها ولو كان الطرح خياليًّا لا يمكن تطبيقه؟
نحن أمام واقع حتى لو كان المسلمون أكثرية فإلى أن يتفق السنة والشيعة على صورة واحدة للحكم الإسلامي نحتاج ربما إلى قرون وربما لا نصل إلى نتيجة، كيف حتى عندما يطرح الحكم الإسلامي هل يكون سنيًّا أو شيعيًّا أو يتقاتل السنة والشيعة هذه مسائل فيها تراكمات من التاريخ كثيرة اتضحت أمامنا واقعًا، فلا بد ونحن نؤكد حقنا في إقامة حكم الله عز وجل وواجبنا في السعي إلى ذلك، لكن لم يتنزل في القرآن ولا في السنة أن يكون إقامة حكم الله بالضرورة في لبنان والرسول عليه الصلاة والسلام كان في مكة المكرمة وعجز عن إقامة حكم الله فيها فهاجر إلى المدينة وأقام حكم الله في المدينة ثم رجع بعد ذلك إلى مكة.
إذًا عندما نطرح حلولا مرحلية تتناسب مع الواقع والظروف ليس معنى ذلك أننا ننخرط بمبدأ لا يمكن أن يختلف عليه اثنان لأنه مبدأ قطعي في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله، ولكن الهدف البعيد يحتاج إلى مراحل وفي كل مرحلة يمكن للمسلمين أن يطرحوا هدفًا وأن يحققوا مكسبًا لينتقلوا إلى مرحلة أخرى.
أقول ليس التعايش بين المسلمين والنصارى كتعايش شرعي محصورًا في مسألة خضوع النصارى للحكم الإسلامي ودفع الجزية هذه آخر صورة وأفضل صورة لمصلحة الإسلام ولمصلحة العالم كله نعم، لكن هناك صورة أخرى وقع فيها التعايش وينبغي أن نفهمها.. فربما اخترنا منها وربما اخترنا غيرها ولكن ينبغي أن تفهم أن هناك احتمالات أخرى تقرها الشريعة يقينا ونضرب على ذلك أمثلة:
المسلمون في مكة كانوا يعيشون تحت الحكم الوثني مضطهدين بكل أنواع الاضطهاد، هذه حالة يتعرض لها المسلمون، والمسلمون اليوم متعرضون لها في بلاد أخرى غير لبنان... هذه مسألة اضطرارية قامت وتقوم لكن في تلك الحالة اختار رسول الله للمسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة وأمرهم بذلك فهاجروا إلى الحبشة وفي الحبشة أيضا حكم نصراني كافر.. هناك فرق وحيد بين الحكم في الحبشة والحكم في مكة هو أن المسلمين في الحبشة كان عندهم نصيب من الحريات يمارسون فيها دينهم بدون ضغط ولا تعذيب ولا مانع فاختار رسول الله ﷺ للمسلمين حكمًا كافرا يمنحهم حرياتهم بدل أن يظلوا تحت حكم كافر يظلمهم ويعذبهم هذا اختيار من الرسول عليه الصلاة والسلام وهذه صورة للتعايش أفضل من الصورة السابقة ولكن ليست هي الصورة المثالية التي تطمح إليها، إنما هي صورة ممكنة إذا كانت الظروف لا تسمح بأكثر منها، فلما سمحت ظروف المسلمين بإقامه حكم الله في المدينة عاد المهاجرون من الحبشة.
إذًا ظرف جديد وضعت فيه قواعد جديدة للتعايش، وأول وثيقة كتبها رسول الله في تاريخ الإسلام مع غير المسلمين مع اليهود هي الصحيفة التي فيها أن المسلمين واليهود أمة واحدة وفيها تعايش بين المسلمين واليهود لا يدفع فيه اليهود جزية ولا يعتبرون أهل ذمة ولم یکن تشريع الجزية قد نزل بعد فكان التعايش قائمًا بدون جزية وبدون ذمة باستقلالية لليهود واستقلالية للمسلمين وتعاون بين الجميع لدرء العدوان عن المدينة المنورة من قبل أي جهة أتت، وتعاون بين المسلمين واليهود بالأخلاق وبالبر وبالصدق وبدون كذب ولا خديعة، وهذا كله معان ثابتة في الصحيفة التي وقع فيها التعاقد بين المسلمين واليهود.
إذًا هذه صورة ثالثة من صور التعايش وقعت في فترة من الفترات قد يقول بعض الناس إنها نسخت بنزول آية الجزية، ونقول ليس هذا نسخ لأن النسخ يكون عندما يلغي الحكم الشرعي لذوات أسبابه إلغاء تامًّا، لكن تلك الأحكام التي كانت مرتبطة بظرف معين تبقى قائمة حتى إذا عاد الظرف عاد تطبيق الحكم، وإلا إذا قلنا بأن آية الجزية نسخت المراحل الماضية كلها، معنى ذلك أنه لا يجوز أن يعيشوا في مجتمع تحت حكم الكفار، كما كان المسلمون في مكة مهما كانت الظروف، ولا يجوز أن يعيشوا في مجتمع ينال شيئا من حريتهم، لا يجوز لهم إلا أن يكونوا هم الحاكمين والآخرون يدفعون الجزية، هذا أمر لا يمكن أن يتصور لأن الواقع يفرض نفسه في كثير من الأحيان.. إذًا ليس في الأمر نسخ إنما هي أحكام مرتبطة بظروف، فإذا تكرر الظرف تكرر الحكم، ويبقى الحكم الأخير الذي يسعى له المسلمون ويطمح إليه المسلمون إقامة حكم الإسلام الكامل والتعامل مع غير المسلمين ضمن أحكام الشريعة... والذي يؤيد هذا بعض الأحداث التاريخية ونريد أن نذكرها ففيها كثير من الفوائد إن شاء الله...
بنو المدلج جاءوا إلى رسول الله ﷺ غير مقاتلين وعاهدوه ألا يعينوا عليه كما جاء في صلح خالد بن الوليد لهم فقبل منهم رسول الله ﷺ ذلك فقط لا يدفعون جزية ولا أهل ذمة فقط عاهدوه ألا يعينوا عليه ولا يساعدوه أيضًا وهم على كفرهم فقبل منهم رسول الله ذلك ووقع التعاقد والتعايش بين المسلمين وبنو المدلج على هذا الأساس...
وصلح الحديبية بين رسول الله وقريش لم يكن فيه لا ذمة ولا جزية وإنما كان فيه وضع الحرب وحرية الناس، ولم يكن المسلمون في موقع ضعف ولكن كانوا في موقع قوة. والدليل عن عمر رضي الله عنه وقد استنكر هذا الصلح، ابتداء ألّب المسلمين جميعًا وأقنعهم بألا يقبلوا هذا الصلح وأن يقاتلوا قريشًا، ومع ذلك نفذ رسول الله الصلح بوحي من الله وربما لو دخلوا القتال وغلبوا أهل مكة وحرروها، فإما أن يسلم الناس وإما أن يقتلوا، لو كان الأمر واجبًا لا مناص منه ولا مجال للاختيار فيه لما كان رسول الله قبل وبيده القوة ومعه المسلمون كلهم راغبون في الحرب لتحقيق مصلحة للإسلام أعظم وهي الحرية عندما تفتح أمام الناس جميعًا في الجزيرة العربية...
على فرض كما يقول بعض الناس إن كل هذه كانت ونسخت سنرد على النسخ بوقائع.. قال رسول الله لأصحابه اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحج، الحبشة كفار أهل كتاب والمفروض أن ندعوهم فإما أن يدخلوا في الإسلام وأما أن يدفعوا الجزية، لكن الرسول يعطي بشأنهم حكمًا دائمًا وليس حكمًا مؤقتًا في زمنه يقول اتركوا الحبشة ما تركوكم، إذًا لم يلزم المسلمين بتنفيذ آيات القتال وآيات السيف التي نسخت المراحل الماضية..
وقد قال الإمام مالك رضي الله عنه عن هذا الحديث هل هو صحيح أم لا؟ أجاب الإمام مالك لم يزل الناس يتحامون غزوهم، يعني هو يرى أن الصحابة إلى عهد مالك ما يزالون يبتعدون عن غزو الحبشة نزولًا عند أمر رسول الله فكان الصحابة كلهم فهموه والمسلمون إلى عهد الإمام مالك فهموا بأن الحبشة لا تخضع لهذا الأمر العام: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29) ولم يفهم من هذا النص المسلمون والصحابة أنه إلزامي في كل الظروف والأحوال وليس هناك حل آخر بل فهموا من قضية الحبشة أن الحل الآخر موجود.
وفي عهد عمرو بن العاص حاصر المسلمون بلاد النوبة في مصر فلم يتمكنوا من فتحها لمهارة سكانها في الرمي، وظلت مستعصية عليهم حتى ولي مصر عبد الله بن أبي سرح فسألوه الصلح والمبادرة فأجابهم إلى ذلك بدون جزية وعلى إهداء ثلاثمائة رأس في كل سنة إلى المسلمين يعني من الأنعام، وعلى أن يهدي المسلمون إليهم طعامًا بقدر ذلك يعني مبادلة كأنها مبادلة تجارية.. قال ابن لهيعة: «أمضى عثمان ذلك الصلح ليس فقط عمرو بن العاص ولا عبد الله بن أبي سرح ولكن أمضاه عثمان أيضًا وكذلك من بعده الولاة والأمراء وأقره عمر بن عبد العزيز، وكانت هذه المعاهدة بمثابة اتفاق تجاري يتجدد كل سنة ضمنًا أو علنًا حين تقديم الهدايا.. واستمرت هذه المعاهدة أكثر من 600 سنة حتى الحكم الفاطمي في مصر.
فلو كان سبب قبولها عجز المسلمين عن فتح بلاد النوبة فإن استمرارها رغم وصول المسلمين إلى درجة من القوة يقدرون معها على فتحها وإخضاعها للجزية، رغم ذلك لم يفعلوا، هذا أكبر دليل على اعتقادهم بمشروعيتها وعلى أن التعايش يمكن أن يقع بين المسلمين وغير المسلمين بدون اشتراط الجزية إذا التزم الكافرون بعدم التآمر ضد المسلمين وبعدم التعرض لهم.
في جزيرة قبرص مثال آخر كانت خاضعة للبيزنطيين حين هاجمها معاوية بن أبي سفيان في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن أهل قبرص صالحوا المسلمين على أن يدفعوا لهم 7000 دينار عن كل سنة وعلى أن يدفعوا مثلها إلى الروم، ورضي المسلمون بذلك على أن يخبرهم أهل قبرص بسير عدوهم من الروم، واشترط المسلمون على أهل قبرص أنه إذا سار الروم إلى غزو المسلمين أن يبلغوهم ذلك، ولكن أهل قبرص لا يعينون لا المسلمين ولا الروم هكذا كان الاتفاق.
ولكن في سنة 32 أعان أهل قبرص الروم ضد المسلمين بمراكب أعطوهم إياها، فغزاهم معاوية وفتح قبرص عنوة ثم أقرهم على صلحهم بالشروط السابقة أي دون الجزية، ولما تولى عبد الملك بن صالح ولاية قبرص قام بعض أهلها بثورة فاستشار عبد الملك الفقهاء في شأن إلغاء معاهدة أهل قبرص لنكثهم بالعهد، من حقنا أن نلغي المعاهدة لأنهم هم بدأوا ونكثوا العهد، فأشار عليه أكثر الفقهاء ومنهم الإمام مالك بالإبقاء على العهد والكف عنهم، وعلل ذلك موسى ابن عبينة بأن أهل قبرص ليسوا بأهل ذمة ولو كانوا يدفعون خراجًا إلى المسلمين، إذًا بقيت قبرص على شروط الصلح أولًا، رغم نقضها العهد ولم يلزم أهلها بعقد الذمة ولا بدفع الجزية لمصلحة قدرها المسلمون، ولولا أن هذه المصلحة لها سند شرعي لما رضي بها المسلمون رغم اختلاف الحكام وتعاقب العلماء ومنهم الإمام مالك رضي الله عنه.
وآخر مثال نضربه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما صالح المسلمون الجراجمة وهم سكان مدينة جرجومة الواقعة على جبل اللكام وذلك عند فتح الشام وهم من النصارى، صالح المسلمون الجراجمة على أن يكونوا عونًا للمسلمين وعيونًا ضد الروم على أن لا نطلب منهم الجزية.. ورضي عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من هؤلاء النصارى ألا يدفعوا الجزية لمصلحة رآها وقدرها في ظرف من الظروف التي مرت بالمسلمين.
هذه الأمثلة أيها الإخوة تبين أن شريعة الله عز وجل تسع الظروف كلها.. وإذا كانت ظروف المسلمين في لبنان تجعل من الصعب على الأقل في المدى المنظور تحقيق الحكم الإسلامي الكامل وإخضاع الآخرين للجزية وللذمة، فأمامنا احتمالات كثيرة، ليس بالضرورة ما وقع في التاريخ ولكن أمامنا مجال لأن نجتهد إذا كانت الجزية تخيفهم، مجرد أن يسمعوا كلمة الحكم الإسلامي لا يتذكرون إلا الجزية واشمل.. واشمل معناها «أن تمشي على الشمال»؛ لأنه في ظل الدولة العثمانية الإسلامية كان المسلم إذا مشى في الطريق وكان هناك طريق خاصة مخصصة للدواب والنصارى فإذا مشى النصارى في طريق المسلم قالوا له اشمل لي انزل امشِ تحت، هذا ما كان في التاريخ، وفي إحدى خطب بشير الجميل ذكر ذلك وقال أنا لا أريد أن أشمل، فعندهم عقدة من مسألة الجزية ومسألة اشمل ومن مسألة أنهم أهل ذمة ودائما ينشئون أولادهم على هذه الأمور...
إذا لم نكن قادرين ضمن الظروف القائمة على أن نقيم حكم الله عز وجل ونريهم مثالًا في التعايش يختلف عن ذلك المثال الذي لا نظله منسجمًا مع الأخلاق الإسلامية وكيف ينبغي أن يقع التعامل... إنما هذا النوع من التعامل نتيجة لعصر الانحطاط الذي كان فيه الكثير من المخالفات ونعتقد أن هذه أيضًا من هذه المخالفات لأن الإنسان إذا كان من أهل الذمة فقد وضعناه في ذمتنا ومن واجبنا أن نحافظ على حقوقه وأن نحافظ على كرامته أيضًا لأنه إنسان وأن نريه جمال الإسلام ليدخل فيه، لا أن نريه مثل هذا الأسلوب بالامتهان والاحتقار الذي يجعله يبتعد إلى الأبد عن الدخول في دين الله عز وجل، كانت هذه ممارسات خاطئة لا تنسجم مع الأخلاق الإسلامية، إلى أن يوفق الله لإقامة حكم إسلامي يرى فيه غير المسلمين أنهم إذا رضوا بأن يكونوا أهل ذمة فكراماتهم محفوظة وحقوقهم محفوظة فتنزع من نفوسهم تلك العقد التاريخية.
إلى أن يتم ذلك نحن أمام واقع لا بد من تعايش ولا بد من قواعد لهذا التعايش يرضاها الطرفان، لسنا في موضع القدرة على أن نفرض ما نريد، نحن في واقع يتفاوض الطرفان للوصول إلى أمور مشتركة؛ فينبغي أن نعرف حدودنا التي لا يجوز لنا أن نتنازل عنها وأن نفاوض فيما وراء هذه الحدود.
هنا يمكن أن نطرح أمامنا احتمالات ومشاريع وطروحات مرحلية واقعية كثيرة يقع فيها التعايش ويطمئن فيها النصارى، ونقوم بدعوتنا لهم كما نقوم بها للمسلمين، وعسى أن يغير الله عز وجل الظروف بجهدنا وبسعينا وبحكمتنا أيضا أن يغير الله الظروف ليصبح لبنان مناسبًا لإقامة حكم إسلامي فيه.. هذا أمل.. وهذا هدف وينبغي أن نسعى له جميعا، ولكن لا بد من خطوات مرحلية ننطلق فيها من واقعنا، هذه الخطوات تحتاج إلى نوع من الجرأة وتحتاج إلى نوع من الفهم عند جمهور المسلمين ليميزوا بين الهدف البعيد وبين الأهداف المرحلية وليعتبروا أن في سنة رسول الله ﷺ ما يسمح لنا بكثير من الحلول المؤقتة لا نتنازل فيها عن مسلمات شرعية، لكننا نتعامل فيها مع واقع في طريق الناس لإصلاح هذا الواقع وللوصول إلى الهدف البعيد ان شاء الله ....
هذه أفكار أردت بها أن نفتح عقولنا على مسائل في غاية الأهمية للتعامل مع الواقع، وإلا فإن كثيرًا منا يطرح أفكارًا في الخيال ويطرح مطالب في السماء.. محقة على الرأي والعين.. لكنه يطرحها ويتعلق بها ولا يطرح بديلا واقعيًّا الآن.. فإذا بنا الآن يتحكم بنا، وأعداؤنا يحددون لنا هذا الواقع فيمنعوننا عن تحقيق أي هدف في المستقبل.. هل نستطيع أن تحقق أهدافنا بالقفز في السماء؟ أم أننا لا بد أن نسير من هذا الواقع، فإذا تركنا أعداءنا يرسمون هذا الواقع فسيرسمونه بما يمنعنا من تحقيق أهدافنا وإذا شاركنا نحن في رسم هذا الواقع فسنترك من هذا الواقع منافذ نستطيع بها أن نطور أوضاعنا، وأن نحقق أهدافنا المرحلية، ليست بديلا عن الأهداف النهائية إنما هي طريق طبيعي وحيد للوصول إلى الأهداف النهائية، هكذا في التاريخ الإسلامي وهكذا في تاريخ الحركات والأمم والشعوب والدول، الهدف البعيد لا يتوصل إليه الناس قفزا فوق الواقع إنما يسيرون إليه من خلال الواقع خطوة بعد خطوة.
من هنا أحب أن أقول بأن كل تيارات العاملين للإسلام في لبنان ينبغي أن تقدر تمامًا الواقع الذي تعيش فيه، وأن ينطلقوا منه في معالجة هذا الواقع للوصول إلى الهدف البعيد... وإذا قدرنا هذا الواقع فهمناه وإذا محصنا أصولنا الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله وعرفنا منها ما يلزمنا ومنها ما ترك الله لنا فيه مجالًا، ثم إذا درسنا تاريخنا واستفدنا من تراثنا ومن أئمتنا وعلمائنا ومذاهبنا عند ذلك نستطيع أن نسير في هذا الواقع لتصل إلى الهدف المنشود إن شاء الله، وإلى أن تصبح مسألة الاهتمام بالواقع والانطلاق فيه مسلمة عند المسلمين جميعا كما هي مسلمة مسألة التزام الكتاب والسنة، وإلى أن تصبح هذه مسلمة كتلك نحتاج إلى زمن حتى يطرح العاملون للإسلام في لبنان مشروعًا إسلاميًّا واقعيًّا ونهائيًّا يبدأ بخطوة ويصل إلى الهدف البعيد، وما ذلك على الله بعزيز. وإن الصحوة الإسلامية كانت حتى الآن اندفاعة في طريق الخير دفعة من العاطفة دفعة من الالتزام والحرص والرغبة.. لكنها بحاجة إلى وعي وبحاجة إلى نور يضيء طريقها وبحاجة إلى هداية من الله عز وجل، وأملنا كبير بالله.