العنوان العلاقات الإنسانية في الإسلام
الكاتب عبدالسلام الرندي
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 53
الخميس 06-يونيو-1996
العلاقات التي تربط بين الناس فيما بينهم موصولة بما يحملون في ضمائرهم من أخلاق كريمة، تقوي هذه العلاقات وتمدها بأسباب الدوام، فالحياة الطيبة والميسرة تتطلب بعض العلاقات التي لها طابع الاستمرارية والنماء، الذي يحتاج إلى التعاون الذي يذكي روح الجماعية، وتغليب المصالح العامة، مدفوعًا بالإحساس تجاه الآخرين بالحب والانتماء، ولا يعدم مجتمع مهما كان من تبادل المنافع.
الناس للناس من عرب ومن عجم *** بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
والمسلم إنسان حي في كل أموره بما منَّ الله عليه من هداية، ويتمتع بروح الجماعة التي تكفل له صحة التعايش مع من حوله في مجتمع حيوي ينبض بالحياة الصالحة الهادئة، فيأخذ من الجماعة ما يريد، وبالمقابل لا بد له من العطاء، وبالجماعة يجد القوة التي تعينه في التغلب على كثير من العقبات الطبيعية التي تعترض مسيرته، ومع الاحتكاك بالناس قد تميل بعض النفوس إلى الانزواء والابتعاد، ولكن هذا لا يصح بإطلاقه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (۱) فيبث بينهم طيب السلوك، ويتعلم الناس منه ما يفعلون حين ملاقاة الآخرين لهم بالأذى، وكذلك يعرف المسلم بالخلطة جوانب نفسه الخفية التي لا تبرز إلا بها، فيتعرف على ما فيها من خلل فيبادر إلى إصلاحه.
محبة الخير:
قال الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (۲) فالكل يحب أن يعامله الآخرون بالصدق في المعاملة، والاحترام والأمانة وغفران الزلات، وتقديم المساعدة، وأن يصبروا عليه، ولا يريد أن يغتابه أحد أو يذكره بسوء، وأن يستروا عيوبه، وأن ينصحوه برفق دون أن يحرجوه أمام الآخرين، فكل هذا وزيادة عليه قد ربطه الحديث الشريف بالإيمان الذي يشكل الدافع الرئيس لكل خير وفضيلة، والذي يقود ويوجه التصرف الإنساني إلى ما فيه صالح الفرد والجماعة لسعادة الدارين، وإن كان بذلك مشقة في الدار الدنيا، فمتى ما وقر هذا الإيمان في القلب ظهرت آثاره الطيبة اليانعة على الحركات والسكنات، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» (۳)، والمرء لا يقلع عن العيب الذي فيه إلا بعد معرفته، وغالبًا لا يعرفه إلا عندما يراه أو يرى ما يضاده في الآخرين، بعدها يسائل نفسه هل يرضيه أن يتمثل به، وهل يحب أن يتصرف معه أحد بمثل هذا السلوك؟ وقد يظهر المرء أمام من يحتك بهم لفترة بسيطة، بسمت جميل ومحبب، وتبدو عليه الملامح المحمودة، وتجد من حوله يمتدحون فيه وقاره وأخلاقه، ومع هذا فذاك لا يعني أن ما ذكر ثابت عليه، بل قد يكون أحواله مع غيرهم تأخذ طابعًا آخر مغايرًا.
والفرد منا جزء هام في جسد هذه الأمة بصلاحه يعم الخير، وبفساده يظهر الشر، وفي ذلك الأثر البين في الجماعة، وحماية هذا الفرد منوطة بالجميع مع اختلاف المستويات، روى الإمام مسلم عن تميم الداري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الدين النصيحة»، قلنا لمن؟ قال: «الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٤).
وروى الإمام مسلم أيضًا عن جرير قال: «بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٥) وكل ما يحسن فعله فهو من النصح، فإذا قصر بهذا كثير من الناس، فالقلة منهم ناصحون، ويسري الخير حتى يتمكن بإذن الله، قال الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٦)، وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحث على البشر والتلاطف: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة» (۷) وجاء عنه -صلى الله عليه وسلم-: «تهادوا تحابوا» (۸).
وتكوين العلاقات الطيبة مع مختلف الناس وعدم ربطها فقط مع من ظهر بوضوح طيبهم والتزامهم أمر ذو حساسية خاصة وهامة، فمن لم ينل حظًا من العلم والفهم أو لم يعاشر الصالحين، فلا يترك الناس لاختلاف اتجاهاتهم أو ثقافاتهم أو نوعياتهم لما نشئوا عليه أو تعلموا من أخطاء، فلا يقصد التصدي لهم بالكلية وإغفال ما يلزم، ولكن لا ينسى طيب التعامل معهم كل بحسبه.
إخوانك أعوانك:
بعض الصالحين يحدث منهم تجاوزات في تعاملهم مع إخوانهم الطيبين أمثالهم، ويرتكبون في حقهم بعض التجاوزات من تأخر في مواعيد، وعدم إنجاز أعمال، وتقصير في أداء واجبات وكلمات عجلة غير موزونة، ومن ثم لا يرون هذا أمرًا ذا بال بعد أن يحيلوا ذلك إلى الأخوة والمحبة في الله، وأن أصحابهم يقدرون ولا يغضبون، ويلتمسون الأعذار، ويلاقون أمثال هذه الهنات (البسيطة) بالعفو والصفح، ولا يحملون همًا ولا غلًا، ولكن مثل هذه الأمور تكبر في النفس حتى تكون سمة لهؤلاء الصالحين مما يسبب نفرة إخوانهم منهم، ويفقد من جراء كثير، فارتباط المسلم بإخوانه يعطيه الدافع والحافز إلى الأخذ بالأحسن، ويدفعه للتعاون معهم إلى التحلي بالفضائل التي تزكو بها نفسه، ومنها يبث الخير، وإلا فكيف يعطي الشيء ويبذله من يفقده، ولا شك أن المطالبة بالتجاوز عن أخطاء الآخرين والتماس الأعذار لهم ومعاملتهم بالأخلاق الفاضلة تبقى على الدوام، وهي من مكارم الأخلاق ومحامدها، على أن هذا لا يعفي المسلم من القيام بواجب النصح، ولا يعني تجاوزه عن أخيه وصفحه عنه والتماس العذر له- تركه يتمادى في تجاوزه وخطئه، وعلى أخيه أن يقبل ذلك منه، وشكره عليه، واتباع الحق إن ظهر له: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (سورة النور: 51)
الهوامش:
١- حديث صحيح، صحيح الأدب المفرد، باب الذي يصبر على أذى الناس، عن ابن عمر رقم الحديث ٣٠٠.
٢- متفق عليه اللؤلؤ والمرجان عن أنس رقم الحديث ٤٨.
٣- رواه مسلم.
٤- مختصر صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب الدين النصيحة عن تميم الداري رقم الحديث ۱۲۰۹.
٥- مختصر صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الدين النصيحة عن جرير، رقم الحديث ١٢١٠.
٦- مختصر صحيح مسلم، كتاب الأدب، باب حق المسلم على المسلم خمس، عن أبي هريرة رقم الحديث ١٤١٨.
٧- سلسلة الأحاديث الصحيحة، عن أبي ذر رقم الحديث ٥٧٢.
٨- حديث حسن صحيح الأدب المفرد، باب قبول الهدية، عن أبي هريرة رقم الحديث ٤٦٢.
٩- سورة النور (٥١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل